-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

عندما يصبح تنظيم المونديال مقبرة للتنمية في المغرب

عندما يصبح تنظيم المونديال مقبرة للتنمية في المغرب

تتأرجح الرياضة في أي أمة معاصرة بين كونها مرآة عاكسة لصحة الإنسان وبنيانه النفسي والمادي، وبين كونها أداة استعراضية خاوية تُستعمل لتلميع الواجهات السياسية وإلهاء الشعوب عن استحقاقات العدم والتهميش.
وحين نضع المشهد الكروي المغربي تحت مجهر التحليل الموضوعي، بمختلف مستوياته وفئاته –من منتخبات الرجال والنساء وصولا إلى الفئات السنية الصغرى- نصطدم بمفارقة صارخة وصدمة ميدانية مدوية: استثمارات بمليارات الدراهم، وبنيات تحتية مصنفة عالميا، وأكاديمية ملكية كبرى مثل “أكاديمية محمد السادس لكرة القدم”، ترافقها دعاية إعلامية رسمية لا تهادن في تضخيم “الإنجازات الورقية”، غير أن الحصيلة الرياضية الفعلية على أرض الميدان تظل متواضعة، باهتة، وتحت المستوى المطلوب مقارنة بحجم الإنفاق الهائل.
إن هذا التناقض الصارخ لا يمكن قراءته بوصفه مجرد عثرات تقنية عابرة، بل هو انعكاس بنيوي لمرض عضال ومزمن ينخر جسد المنظومة الملكية بأكملها؛ مرض عنوانه البارز تقديم الحجر على البشر، والاهتمام بالمظاهر السطحية والمشاريع الاستعراضية على حساب الاستثمار الحقيقي والعميق في الإنسان.

منظومة التكوين الحقيقي في الرياضة
ظل الخطاب الرسمي المروَّج في المغرب يغذي الشارع بوهم “النهضة الرياضية الكبرى”، مستندا إلى صور الملاعب الفخمة والمنشآت الضخمة التي تُشيَّد بوتيرة محمومة استعدادا لتظاهرات قارية ودولية كبرى مثل كأس العالم 2030. غير أن الحقيقة الميدانية تكذّب هذه السردية باستمرار؛ فالفِرق والمنتخبات المغربية في كرة القدم، في كل الفئات: رجال، ونساء، وأصناف الشباب، غالبا ما تتعثر فور اصطدامها بمنافسات جادة تتطلب شخصية كروية متكاملة ونضجا تكتيكيا وبدنيا لا يمكن شراؤه بالأموال وحدها ولا يُخلق بتشييد جدران الإسمنت.
السبب الجذري لهذا الإخفاق المنهجي يعود إلى غياب الحكامة الرشيدة، وانعدام المحاسبة، وتهميش الكفاءات الحقيقية لصالح شبكات الزبونية والولاءات الفوقية، فالمدرسة الملكية لكرة القدم وباقي مراكز التكوين، رغم ما توفر لها من إمكانات مادية، تبقى مؤسسات معزولة عن البيئة المجتمعية والمدرسية الحقيقية؛ فهي لا تُنتج مواطنا رياضيا متوازنا، بل تحاول تصنيع سلعة استعراضية سريعة العطب. وحين تغيب العدالة في تكافؤ الفرص في الفئات السِّنية، وتسيطر المحسوبية على انتقاء المواهب، وتُهمَل البطولات المحلية التحتية، يصبح الفشل الدولي نتيجة طبيعية وحتمية لمنظومة تُبنى على الرمال المتحركة.
علاوة على ذلك، فإن غياب المنافسة الحقيقية في البطولة المحلية، وانعدام البنيات القاعدية في الأحياء الشعبية التي تمثل المورد الأساسي للمواهب الفطرية، يعمقان الهوة، فالطفل المغربي في المناطق الهشة لا يجد ملعبا صالحا لممارسة أبسط حقوقه الرياضية، بينما تُصرف الملايير على أكاديمية نخبوية مغلقة لا تخدم سوى واجهات الدعاية الرسمية أمام المنظمات الدولية.

هيمنة منطق الواجهات وغياب المؤسسات
إن تفكيك هذا الفشل الرياضي يقودنا حتما إلى ملامسة الخلل السياسي الأكبر: غياب المؤسسات الحقيقية التي تحاسب وتخطط وتصحِّح المسار، ففي المملكة المغربية، لا توجد استراتيجياتٌ وطنية نابعة من نقاش مجتمعي أو دراسات جدوى اقتصادية واجتماعية حقيقية، بل هناك صانع قرار فردي مطلق يُمسك بكل خيوط اللعبة من دون منازع أو رقيب.

حين يُحتكر القرار وتُلجم الأصوات الحرة والخبراء الاقتصاديون والرياضيون، تغيب ثقافة تقييم السياسات العمومية. لا أحد يجرؤ على مساءلة الفاشل، ولا أحد يستطيع أن يقول إن ملاعب المليارات لن تغذي طفلا جائعا، ولن توفر سريرا في مستشفى عمومي متهرئ، ولن تُصلح منظومة تعليمية منهارة.

المشاريع الكبرى، سواء كانت رياضية مرتبطة بالمونديال أو اقتصادية مرتبطة بالبنيات التحتية الواجهية، لا تُصمَّم لتلبية الحاجيات الملحّة للرعية المغربي، بل لخدمة أجندات سياسية ودعائية موجَّهة للخارج لتثبيت سردية وهمية عن “التطور”.
وحين يُحتكر القرار وتُلجم الأصوات الحرة والخبراء الاقتصاديون والرياضيون، تغيب ثقافة تقييم السياسات العمومية. لا أحد يجرؤ على مساءلة الفاشل، ولا أحد يستطيع أن يقول إن ملاعب المليارات لن تغذي طفلا جائعا، ولن توفر سريرا في مستشفى عمومي متهرئ، ولن تُصلح منظومة تعليمية منهارة.
إن غياب الديمقراطية المؤسساتية الحقيقية يحوِّل المشاريع الكبرى إلى “أفيون” يُقدَّم للرأي العامّ لصرف انتباهه عن الأزمات الهيكلية المتفجرة. وتتحول الهيئات الكروية والبرلمان والحكومة إلى مجرد أدوات لتصريف التعليمات الفوقية والتصفيق لكل مبادرة مهما كانت تكلفتها الاجتماعية مدمرة.

سياسات الإلهاء المنهجي
إن تهميش الإنسان المغربي في قطاع الرياضة هو امتداد طبيعي لتهميشه السياسي والاجتماعي المنهجي؛ فمنذ وصول العلويين إلى الحكم بعد سقوط الدولة السعدية عام 1666م، ترسَّخت في مخيال المخزن نظرة تعامل استعلاء وتجهيل مع “الرعية”، إذ يُنظر إلى للرعية باعتباره كائنا مستهلِكا للخطابات والشعارات، قاصرا عن إدراك مصالحه، ومطالَبا بالتصفيق والامتنان الدائم لأي فتات يُرمى به.
هذه النظرة الدونية تجلت بوضوح في سياسة التعامل مع الأزمات المعيشية؛ فبدل الاستثمار في الصحة والتعليم ومحاربة البطالة، تُغدق الأموال الطائلة على مباريات ومهرجانات وواجهات استعراضية بغرض إلهاء الشارع وتخدير وعيه الجماعي. غير أن الوعي الجمعي للشباب المغربي بدأ يتحرَّر رويدا رويدا من قيود الخوف والوصاية، متجاوزا سقوف الدعاية الرسمية التي تحاول إقناعه بأن بناء ملاعب كرة القدم يعوضه عن جحيم التهميش والفقر والقهر المعيشي.
إن تكريس ثقافة “الرعية” بدلا من “المواطنة” ينتج بطبيعة الحال مجتمعات مقهورة عاجزة عن الإبداع الحقيقي، لأن الإبداع الرياضي والفني والعلمي يتطلب حرية وكرامة وأمنا نفسيا واجتماعيا، وهي عناصر مفقودة تماما في بيئة تُقمع فيها الأصوات وتُسحق فيها الحقوق الأساسية للإنسان والبشر.

الهروب الكبير وصرخة جيل “زاد 212”
إن الانفجار الاجتماعي الأخير، الذي تجسَّد في ظاهرة “الهروب الجماعي الكبير” أثناء خطاب العرش في نهاية جويلية الماضي، وما سبقه من حركات احتجاجية سلمية قادها شباب واعد من “جيل زاد 212″، ليس سوى رد فعل طبيعي ومبرر على غياب الأفق وسحق كرامة الإنسان المغربي.
لقد وضع جيل “زاد 212” الإصبع بدقة على الجرح الحقيقي؛ فقد خرج هؤلاء الشباب ليعلنوا رفضهم القاطع لمقايضة صحتهم ومدارسهم ومستقبلهم بتنظيم تظاهرات كبرى ومباريات واجهية لا تسمن ولا تغني من جوع. لقد طالبوا بالمدرسة العمومية الجيدة، بالمستشفيات المجهزة، بالشغل الحقيقي، وبالعدالة الاجتماعية، فكان رد النظام هو القمع الأمني المعتاد، ومحاصرة الأصوات الحرة، وزج المئات من خيرة شباب الوطن في غياهب السجون والمعتقلات لمجرد أنهم طالبوا بحقهم الطبيعي في العيش الكريم فوق أرضهم.
إن الهجرة الجماعية للشباب عبر قوارب الموت أو برا وبحرا، والاحتجاجات المستمرة، وحالة الاحتقان الصامت، كلها دلائل دامغة على أن “الرعية” قد وصل إلى نقطة اللاعودة في رفضه لنموذج تنموي يعشق الحجر ويحتقر البشر، نموذج يطبق بحذافيره الحكمة الشعبية البليغة: “يا مزوق من برة واشحال أحوالك من الداخل”.

تداعيات غياب الحكامة
إن استمرار هذا النهج في تدبير الشأن العامّ والرياضي يضع البلاد أمام منعرجات خطيرة ومستقبل غامض، فالتركيز المفرط على الواجهات الاستعراضية يخلق فقاعة اقتصادية واجتماعية هشة قابلة للانفجار في أي لحظة. عندما تفتقر المشاريع الكبرى إلى دراسات جدوى حقيقية تدمج البعد الاجتماعي والإنساني، فإنها تتحول إلى أعباء ديون إضافية تُثقل كاهل الأجيال القادمة من دون أن تقدم أي قيمة مضافة حقيقية للمواطن البسيط الذي يواجه غلاء المعيشة وتدهور الخدمات الأساسية.
والرياضة، وتحديدا كرة القدم، بوصفها حقا من حقوق الإنسان ومجالا لترسيخ قيم التنافس الشريف وتكافؤ الفرص، تحولت هي الأخرى إلى حقل للريع والواجهات الدعائية، إذ تدار الأندية والجامعات الرياضية بمنطق الولاءات لا الكفاءات. وهذا يفسر التراجع المستمر للمنتخبات والفرق في مختلف المحافل الدولية، رغم الميزانيات الضخمة المرصودة، فالبطولات لا تُحصَد بالأموال وحدها ولا بالملاعب الفخمة، بل تُبنى بتراكم الخبرات، واستقلالية المؤسسات، واحترام الكفاءات، وتوفير بيئة سليمة للشباب ليطوروا قدراتهم بحرية وكرامة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!