ألمُ النار وأمل النور
مرة أخرى، تصنع النار مآسي الجزائر والجزائريين، ومرة أخرى تحرق النارُ الإنسان والحيوان والنبات والأحلام الخضراء الجميلة، فتسجل الجزائر الخضراء أعلى درجات الحرارة في العالم، وتصل الأرقام إلى قرابة الخمسين درجة مئوية، في شمال البلاد ذي المناخ المتوسطي المعتدل.
وبعد أن سافرت في ربيع 2026 صور جيجل وبجاية وميلة الخضراء، عبر مواقع التواصل الاجتماعي إلى كل بقاع العالم، تهاطلت على الجزائر التعازي، هذه المرة من كل بقاع العالم، في قلب غابة داكنة السواد.
التغيراتُ المناخية وأيادي الإجرام وضعت الجزائريين أمام أمر واقع، وهو أن يقضوا مواسم راحتهم في تجرُّع مناظر النيران، فما حدث هذه المرة، كتم شهية المواطنين بمن فيهم أبناء الجالية الجزائرية الذين جاؤوا بمئات الآلاف، للترفيه والتفسُّح وشمّ “ريحة لبلاد” ونسيمها.
خطت الجزائر في السنوات الأخيرة أميالا في عالم السياحة، فقد صار كل من يزورها يُذهله عدم تواجدها في المراكز السياحية الأولى في العالم، وكما قدّمت صحراءها وبحرها ومساجدها ومواقعها الأثرية وخلجانها وجسورها، قدّمت أيضا غاباتها، كرئة أوكسيجين وكُحل للعيون، فتعددت التسميات التي أطلقها أهل المشرق والخليج على الجزائر، بين “أمازون شمال إفريقيا” و”سويسرا العرب”، وغيرها من التسميات الخضراء، التي كان بعضها يواجه المُشاهد بعنوان: هذه ليست سويسرا.
من الصعب تجرُّع الصور الرهيبة للنيران وهي تبتلع الغابات، ومن المفجع تصوّر عائلات تعيش قرب رئة الطبيعة تكتوي بالنيران، ومن المؤلم أن لا تلتقي في الربيع القادم بأحلامك وبراءتك وسط الأدغال وعلى بساط الطبيعة الأخضر.
هناك مؤشراتٌ وإشارات تدلّ على أن ما يحدث لغاباتنا، هو بفعل فاعل، ومهما تكن أسباب هذه النيران التي لا تبقي ولا تذر، وجب التفكير في الفعل الكبير الذي يزيل “فعل الحرق” وفاعل النيران”.
لا يوجد عذابٌ في الدنيا والآخرة أشدّ فتكا من النيران، ولا يوجد صانعٌ للحياة مثل النور، فالعلم نور، والأخلاق نور، وخالق النار، نور، والجزائريون كما وحَّدهم ألم النار، لا بدّ من أن يوحِّدهم أمل النور، وهم مطالبون بكفكفة دموعهم، والقيام من تحت ردم الحرائق التي مزّقت رئة البلاد.
لا تزيد مساحة الغطاء الغابي في الجزائر عن الأربعة ملايين هكتار، وهو رقمٌ مجهري في بلاد قارة مثل الجزائر، فهو دون الاثنين بالمئة من مساحة الجزائر، وهي قادرة على المديين القصير والمتوسط، على مضاعفة هذه الأرقام من خلال إنجاح مشروع السد الأخضر وإقحام كل الشركات الوطنية الكبرى وعلى رأسها سوناطراك في عمليات التشجير المليونية، وجعل الشجرة قضية أمة، لأن الذي قهر الاستعمار وقهر الإرهاب، لا يُعجزه حمَلة عود ثقاب، من الذين يريدون للأرض أن تكون بلون قلوبهم سوداء. والذي نوَّر تاريخ الجزائر بالبشير الإبراهيمي وإلياس زرهوني ونايت بلقاسم ونور الدين مرسلي… قادر على أن يستبدل النار بالنور، وسيستبدل النار بالنور.