-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

هكذا أفسد “الرّياء الاجتماعيّ” حياتنا!

سلطان بركاني
  • 43
  • 0
هكذا أفسد “الرّياء الاجتماعيّ” حياتنا!

لو أن الواحد منا أراد أن يكون صريحاً وصادقاً مع نفسه، ونظر في حاله متسائلاً: حديثي كل يوم؛ ما الغالب عليه؟ هل هو شأن الدين والآخرة، أم إن الغالب عليه هو مضامير التنافس في حظوظ الدنيا؟ لسان الحال والواقع يقول إن حديثنا كله، من ساعة نستيقظ إلى ساعة ننام، عن الدنيا، وإن ذكرنا الله بعض الوقت فإنما نذكره بألسنتنا بينما قلوبنا تسبح بحمد الدنيا. والأمر والأضر من هذا أننا ألفنا هذه الحال، وما عدنا نجد غضاضة في أن تكون حياتنا على هذا المنوال، خاصة وأن الواحد منا يرى كل من حوله على شاكلته، إلا من رحم الله.

كل من تجلس إليه، يحدثك عن الرواتب الزهيدة والأسعار المرتفعة، وعن الحاجيات والمقتنيات والمفقودات، وعن المشاكل والخلافات بين الأقارب والجيران حول الأراضي والمواريث والسكنات… والحديث في كل ذلك ليس محرماً متى ما كان بحق وكان عارضاً، ولكنه يتحول إلى “غفلة سادرة” متى ما تحول إلى “هم أكبر” يغطي كل هم آخر.. هذا في مجتمع الرجال، أما في اجتماعات النساء فإن الأمر أوسع؛ فلا تكاد تجتمع امرأتان حتى تبدأ أحاديث الدنيا التي لا تنتهي، ولا يقف الأمر عند حد الحديث، بل يتعداه إلى المفاخرة والمباهاة؛ كل واحدة منهما تحكي عن مشترياتها وممتلكاتها وجولاتها وسفرياتها، وتحكي عن الأثاث الجديد الذي اقتنته لصالة بيتها ولمطبخها، وتعدد ما اشترته لأبنائها، وتفاخر –ضمناً- بالفاتورة الباهظة التي دفعتها، وربما تكذب وتتشبع بما لم تُعطَ لتظهر أنها تستمتع بحياتها طولاً وعرضاً، وأنها تتمتع بكامل حريتها وتنفق كيف تشاء، إلى درجة أنها هي من تشتري لزوجها ملابسه.. ولا يقف الأمر عند حد الرياء والمباهاة، حتى يتحول إلى الغيبة وإلى الحديث عن القريبة فلانة؛ عن لباسها وذوقها، وعن الجارة علانة؛ عن كلامها ومشيتها.. تجتمع النساء، فلا يكاد يخرج حديثهن عن الغيبة والرياء والمباهاة والتصنع، كل واحدة منهن تحاول جاهدة أن تثبت أنها الأفضل، وأن غيرها أقل شأناً منها.

ويزداد الطين بلة في الصيف، حيث الأعراس والأفراح التي تتحول إلى فرصة للرياء والمفاخرة والتنافس المحموم على المظاهر الفانية، على أسعار مصوغات الذهب وأشكالها المتجددة، وعلى الجديد في موضة اللباس وجديد الأطباق والمأكولات.. وبسبب هذه المجالس وهذا الرياء الذي انتشر بين نسائنا وبناتنا انتشار النار في الهشيم، إلا ما رحم الله، أصبحت تكاليف الزواج تحسب بعشرات ومئات الملايين، وبسببه ضاقت الحال بشبابنا وأوصدت في وجوههم الأبواب.. أصبحنا نسمع بأسر متوسطة الحال وأخرى فقيرة، تتكلف في أعراس أبنائها تكلفاً فاحشاً لأجل أن تفعل ما يفعله كل الناس، وحتى لا تُسلق بألسنة اللوم والاستهزاء في مجالس النساء.. تجد الشاب بالكاد يوفر لقمة العيش، ولكنه في عرسه يتوسع طولاً وعرضاً، فيستأجر الفرقة الموسيقية وفرقة الخيالة والبارود والديكور، بعشرات الملايين، ويكلف نفسه ما لا طاقة له به، ويغرق نفسه في الديون، حتى يرضى عنه الناس، ويخرس ألسنة النساء اللاتي لا هم لهن إلا ما يُقال!

لقد أفسد الرياء حياتنا وأصبحت مناسباتنا وأفراحنا من دون طعم. خلت من البركة التي كانت تميز الأفراح والمناسبات في عقود وأجيال مضت، وامتلأت ألسنتنا وقلوبنا بالدنيا، ورحنا نتنافس في متعها، وغفلنا عن الآخرة، وربما حق فينا قول الله –تعالى-: ((وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا)).

تقول إحدى الصالحات نحسبها كذلك: إحدى صديقاتي، كنت كلما أجلس إليها، طوال الوقت تتحدث عن الملابس، والذهب، والأثاث، والأسفار، والمقتنيات، حتى شعرت معها بأني لا أملك من هذه الدنيا شيئاً، بخلافها هي التي تملك كل شيء.. في يوم من الأيام التقيت بها، فحكت لي عن قوائم مشترياتها من مواد التنظيف، وعن تغييرها للستائر، ووو.. وبعد تفكير اكتشفت اكتشافاً خطيراً! اكتشفت أني برفقتها أشعر بنقص، ومن دونها أشعر بامتلاء من هذه الدنيا، فقررت أن أقلل من خلطتها، وكنت في تلك الجمعة أقرأ سورة الكهف، فمررت بقوله تعالى: ((وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا))، فأسرعت إلى التفسير لأعرف معنى قوله تعالى: ((وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا))، فإذا هو من ضيع أمر دينه وتهاون فيه، وانشغل بدنياه، حتى أصبح كالعقد الذي انقطع وتفرّط. أيقنت حينها بصحة قراري بالابتعاد عنها”، تواصل هذه المؤمنة فتقول: “نعم أخيّتي. من الآن، فكري في صديقاتك، وثقي بأنك ستأخذين منهن شيئاً ما. صاحبي حافظات القرآن، وستحافظين مثلهن على القرآن. صاحبي طالبات العلم، وستنشطين في طلب العلم. صاحبي الخيّرات وسينطبع عمل الخير في نفسك. إن جالست فجالسي صالحة، وإن شاورت فشاوري عاقلة، وإياك ومن سفهت نفسها ولم تقم لآخرتها وزناً أن ترخي لها سمعاً”.

هنا الخلل وهنا مكمن الداء، أننا -إلا من رحم الله منا- نركن إلى من يحدثنا عن هموم الدنيا ويملأ أوقاتنا به، وربما نفر وتنقبض أنفسنا ممن يذكرنا بالآخرة، حتى الساعة الوحيدة في الأسبوع التي يفترض أن نذكر فيها الله والدار الآخرة، ونتذكر الجنة وما يقرب إليها من الأقوال والأعمال؛ ساعة الجمعة؛ أصبحنا نستثقلها وننظر إلى دقائقها كأنها ساعات أو أيام!

ربما نستهين بأمر هذا الواقع الذي نعيشه، ولكن لِنعلمْ أن حصاده خطير إذا ما رضينا به وبقينا عليه، لأن هذه الحال ستؤدي إلى قسوة قلوبنا وربما إلى موتهم، وحينها لن تنفعنا المواعظ ولا النذر ولا الآيات، ولو رأينا الجبال تنهد والسماوات تنشق!

يكفي مَن صارت الدنيا همه وحديثه أن يعلم أن هذه الحال دليل على إعراض الله عن عبده وسقوطه من عينه، فعن أبي هريرة –رضي الله عنه- أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: “إن الله –تعالى- يقول: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فترك، وإلا تفعل ملأت يديك شغلاً ولم أسد فقرك”، ويقول -عليه الصلاة والسلام-: “مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ”، ويقول الإمام الحسن البصري –رحمه الله-: “من علامة إعراض الله عن العبد أن يجعل شغله فيما لا يعنيه، خذلاناً من الله عز وجل”.

ليس المقصود من هذا الذي كتبته أن نترك الدنيا كلها، أو أن نسكت عن حقوقنا المسلوبة، كلا وألف كلا، وإنما المقصود أن نخفف من وطأة ووقع الدنيا على قلوبنا، ونقلل من أحاديثنا عنها، ونعود أنفسنا على أن نزين مجالسنا، على الأقل بين الحين والآخر، بالحديث عن الدار الآخرة، وبذكر الله وشكره والثناء عليه.

أوصوا نساءكم أيها الأزواج وأوصوا بناتكم أيها الآباء بأن يقللن من حديث الدنيا وأن يحذرن الرياء والمباهاة بمتاعها الزائل؛ فالمرأة لا ينبغي أبداً أن توزن وتقيم بلباسها أو عطرها أو مشيتها، ولا حتى بوظيفتها. المرأة ينبغي أن توزن برجاحة عقلها وبدينها وأخلاقها وثقافتها. التنافس بين نسائنا وبناتنا لا ينبغي أن يكون فيما تملكه كل واحدة منهن من حلي، ولا فيما تلبسه من لباس أو تضعه من عطور وأصبغة، إنما ينبغي أن يكون التنافس في حفظ القرآن وسعة الحجاب وتربية الأبناء وتفوقهم في دراستهم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!