-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الطائرات الورقية التي أرعبت نتنياهو

الطائرات الورقية التي أرعبت نتنياهو

كنت أظن أن الطائرات الورقية مجرد مزحة إعلامية حتى قرأت رد فعل نتنياهو وكاتس بأن هذه الطائرات “عمل عدواني يجب وقفه فورا وعقاب فاعليه”، في إشارة واضحة إلى حماس. ما قاله نتنياهو بشأن هذه الطائرات الورقية مثيرٌ للسخرية إذ كيف ترقى طائراتٌ ورقية هي في الأصل اللعبة المفضلة للأطفال في غزة وغيرها إلى أن تشكل “عملا عدوانيا” حتى ولو كان القصد منها إرسال رسائل إلى إسرائيل بأن الطائرات الورقية ستتحول إلى طائرات حقيقية في المستقبل؟

نتنياهو أرعبته الطائرات الورقية التي يرسل بها الأطفال الفلسطينيون في سماء الأرض المحتلة، تماما كما أرعبته الحجارة التي كان “أطفال الحجارة” يستهدفون بها المرْكبات العسكرية لأنها كانت سلاحهم الوحيد المتاح وغير المكلِّف للدفاع عن أنفسهم وعرضهم وأرضهم. لقد دفعت الحجارة جيش الاحتلال الصهيوني إلى عقد اجتماعات طارئة لبحث أنجع السبل لوقفها وكشف فاعليها والمتسترين وراءها وقد خلصت هذه الاجتماعات إلى نتيجة وهي أن أطفال الحجارة مقاومون تجنِّدهم حماس والفصائل الفلسطينية لتقويض أمن إسرائيل وتهديد وجودها. هل يعقل أن تشكل الحجارة -وهي ليست حجارة من سجيل- تهديدا حقيقيا يُحدث كل هذا الرعب والصخب داخل الجيش الإسرائيلي؟
حكاية الحجارة التي شغلت الجيش الإسرائيلي والإعلام العِبري من زمان تتكرر اليوم ولكن بطائرات ورقية أقضّت مضجع نتنياهو ودفعته إلى القول: “إذا لم توقف حماس الطائرات الورقية فإننا سنكثف غاراتنا على القطاع وبتصعيد أكبر من أجل وقف هذا التهديد”. قد لا يفهم كثيرون وخاصة الذين لم يدرسوا طبيعة النفسية الإسرائيلية سبب كل هذا الرعب الذي أحدثته الطائرات الورقية في بيت نتنياهو، فهذه الطائرات بحكم طبيعتها الورقية هي في المحصلة ومهما كان الغرض منها لعبة أطفال ينبغي أن لا تُعطى أكثر من حجمها، ولكن العالمين بطبيعة النفسية الإسرائيلية يعلمون أن هذه النفسية مهزومة، تحسب كل صيحة عليها، فكل عود ثقابٍ يرعب الإسرائيليين وكل أجسام طائرة حقيقية أم ورقية تخيفهم، ففهم متوجسون من كل شيىء مهما كان. هذه هي الحقيقة التي يجب أن يعلمها الناس عن النفسية الإسرائيلية المهزومة أصلا من غير أن تُستهدف من فلان أو علان.

 قد لا يفهم كثيرون وخاصة الذين لم يدرسوا طبيعة النفسية الإسرائيلية سبب كل هذا الرعب الذي أحدثته الطائرات الورقية في بيت نتنياهو، فهذه الطائرات بحكم طبيعتها الورقية هي في المحصلة ومهما كان الغرض منها لعبة أطفال ينبغي أن لا تُعطى أكثر من حجمها، ولكن العالمين بطبيعة النفسية الإسرائيلية يعلمون أن هذه النفسية مهزومة، تحسب كل صيحة عليها، فكل عود ثقابٍ يرعب الإسرائيليين وكل أجسام طائرة حقيقية أم ورقية تخيفهم، ففهم متوجسون من كل شيىء مهما كان. هذه هي الحقيقة التي يجب أن يعلمها الناس عن النفسية الإسرائيلية المهزومة.

ومن المضحكات أن وزير الدفاع الإسرائيلي أوعز إلى الجيش بالحزم واتخاذ أعلى درجات الحيطة من الطائرات الورقية القادمة من غزة والتي تقف وراءها حماس -كما يقول- وهذا رغم تأكيد الجيش الإسرائيلي نفسه في نشرية خاصة بأن التحقيقات الاستخباراتية كشفت أن هذه الطائرات الورقية لم تحمل مواد متفجرة أو حارقة ولا تشكل خطرا يذكر على السكان. وقد حاولت القيادة الإسرائيلية تبرير مخاوفها من الطائرات الورقية بالادِّعاء بأنها كانت مصحوبة بطائرات مسيَّرة، والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: ألم تعُد إسرائيل أمام تزايد الهاجس من حماس تثق في استخباراتها وتكنولوجيتها العسكرية فتتعامل مع الطائرات الورقية تعاملها مع الطائرات الحقيقية؟ وهل حماس المهزومة والمنتهية -بزعم إسرائيل- لا تزال قادرة على تخويفها؟ ألا يدل هذا على تناقض الخطاب الإسرائيلي الذي يدعي الهيمنة المطلقة لإسرائيل والسحق النهائي لحماس من جهة، وإصابته من جهة أخرى بالهستيريا الزائدة عن اللزوم من طائرات ورقية؟
إن هستيريا الطائرات الورقية داخل “الكبينيت” تدل على أن الكيان الإسرائيلي كيانٌ متهالك لا يستطيع الصمود في غزة ولبنان ولو لأيام معدودات إذا تخلت عنه المظلة التي تحمي ظهره، والتي نعتقد أنها لن تبقى إلى الأبد بسبب سلوك نتنياهو المتهور ومزاجه المتقلب الذي يجعله يقبل عرضا للسلام بأول النهار لينقضه في آخره.
وحسب “عرب جورنال” فإن الموقف الإسرائيلي من الطائرات الورقية ذريعة إسرائيلية جديدة لتوسيع العدوان ضد غزة، فقد “حولت سلطات الاحتلال ألعابا ورقية يطلقها أطفال من مخيمات النزوح في غزة إلى ذريعة أمنية جديدة، بعدما صعد بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس لهجتهما تجاه ما تصفه تل أبيب بـتهديد الطائرات الورقية والبالونات القادمة من القطاع”. ويضاف هذا إلى المزاعم الإسرائيلية لتبرير الاستهدافات والاغتيالات الأخيرة في غزة غير المبررة بكل المقاييس، بالزعم بوجود تهديد مباشر لقواتها العاملة في غزة، ليكتشف العالم فيما بعد أن المستهدَف سيارات مدنية ومبان سكنية وأشخاص لا علاقة لهم بحماس ولا بأي تنظيم مسلح. أين العمل الحربي وأين التهديد الإرهابي من طائرات ورقية يتسلى بها الأطفال الفلسطينيون أو يجعلون منها رسائل رمزية للعالم الحر لعله يدرك حجم المعاناة التي يعانيها الغزاويون نساء ورجالا وأطفالا وكهولا وشيوخا وأنه من حقهم الإنساني والوجودي والفطري أن يعيشوا في أمن كسائر الشعوب وأن لا يكونوا استثناء من السلام الذي زار كل البقاع وأبى زيارة القطاع؟.
لقد شغلت حادثة الطائرات الورقية إسرائيل، هذه الأخيرة التي ترفع عقيرتها اليوم شاكية باكية لأنها تخشى تكرار حادثة الطائرات الورقية والبالونات الحارقة عام 2018 التي كان سببها الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على القطاع فمن حق المعتدى عليه شرعا وقانونا رد العدوان تفعيلا لمبدأ “المعاملة بالمثل” أو تفعيلا بالأحرى للمبدأ القرآني: “فإن اعتدوا عليكم فاعتدوا عليهم بمثل ما اعتدوا عليكم” (البقرة 194).
إن الاكتفاء إلى حد الآن بالطائرات الورقية يدل على مدى صبر وحلم الغزاويين رغم العنف الإسرائيلي المتصاعد ضدهم هذه الأيام، ولكن قد تتحول هذه الطائرات الورقية إلى طائرات حقيقية وإلى بالونات حارقة إذا تمادت إسرائيل في عدوانها على القطاع في الوقت الذي يبذل فيه الوسطاء القطريون والباكستانيون جهودا كبيرة لتكريس السلم وإنهاء الحرب، لكن يبدو أن نتنياهو لا يريد سلاما لأنه مخلوق عجيب لا يمكنه العيش إلا في كنف الحروب، والدليل على ذلك ما يختلقه من أعذار لإفساد خطة السلام التي لا تخدمه ولا تخدم طبيعته العدوانية ورغبته في الانتقام.
يزبد نتنياهو ويربد حيال الطائرات الورقية الآتية من القطاع، ويغض الطرف في المقابل عن الطائرات المسيَّرة والراجمات والقاذفات التي أمطرت القطاع بوابل من القذائف فلا يسمي هذا إرهابا بل دفاعا مشروعا بينما يصف الطائرات الورقية الآتية من القطاع بأنها فعل إرهابي يجب التعامل معه بأقصى درجات الحزم. إن أمام نتنياهو مخرجا واحدا وهو وقف التصعيد والاعتراف بحق الفلسطينيين في العيش الكريم وإقامة دولتهم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!