-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

في الصابلات… «أغاني نظيفة»… ثم يأتي سبتمبر!

خالد أوصيف
  • 109
  • 0
في الصابلات… «أغاني نظيفة»… ثم يأتي سبتمبر!

نحو 40 ألف حاضر في الهواء الطلق، في تجمع جماهيري ضخم، جاؤوا من ولايات مختلفة إلى الصابلات بالعاصمة، في أجواء من الازدحام والاختلاط، والتبرج والعري، والرقص والتمايل، وسط الصخب والغناء، وبحضور القصر والأطفال الذين كانوا جزء من هذا المشهد، مشهد لم يخل من تصاعد دخان السجائر، وانبعاث روائح «البهارات» الأخرى…

ومشهد كهذا، بما يحمله من صور وممارسات، لا ينبغي أن يمر علينا بمجرد وصفه بأنه «احتفال»؛ فالمسلم مأمور أن ينظر في آثار ما يراه على الدين والأخلاق والتربية، قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾

وباعتباري «مواطنا» صالحا – كما يقولون – وحريصا على الخير لنفسي، ولعائلتي، ولمجتمعي، ولوطني، فلا بد أن أطرح جملة من الأسئلة:

1/ منطق الدواعي الأمنية!

هذا العدد الكبير يجتمع في الهواء الطلق لمثل هذه الفعاليات، ولم نسمع عن «دواع أمنية» تمنع ذلك، بينما صلاة العيد، وهي شعيرة ظاهرة من شعائر الإسلام، لا يُسمح بإقامتها في بعض الفضاءات المفتوحة بدعوى الدواعي الأمنية!

بل وفي صلاة الجمعة، حينما يضيق المسجد بأهله، يقولون لهم: «ما الذي جاء بكم إلى هذا المسجد بالذات؟!»

أليس من حق الناس أن يختاروا خطيبهم وإمامهم، كما يختار هؤلاء مغنيهم وفنانهم؟!

وإن كثيرا من تجمعات الشباب التي كانت تُنظَّم للتحذير من المخدرات، والدعوة إلى تركها، وتأطير الشباب وتوعيتهم بمشاركة أئمة المساجد، قد مُنعت أو ضُيِّقت عليها بدعوى الدواعي الأمنية!

فأيُّ مفارقة هذه؟!

تجمع بعشرات الآلاف، في أجواء من الصخب والرقص والاختلاط، يُسمح به في الهواء الطلق، بينما يُضيَّق على تجمع شبابي يؤطره أئمة المساجد، ويدعو إلى الابتعاد عن المخدرات والانحراف والجريمة؟!

وهل تختلف «الدواعي الأمنية» باختلاف نوع التجمع؟ وهل تضيق المساحات حين يتعلق الأمر بشعيرة، وتتسع حين يتعلق الأمر بفعالية أخرى؟

قال الله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾

وحفظ الأمن مقصد معتبر، وهذا لا نقاش فيه، وإنما السؤال هنا عن اتساق المعايير:

لماذا يكون تجمع عشرات الآلاف في مثل هذه الفعاليات ممكنا، بينما تضيق المساحات حين يتعلق الأمر بشعيرة من شعائر الإسلام؟

2/ أين حماية الطفولة؟

لطالما سمعنا عن حماية الطفولة، ورأينا جمعيات الطفولة الرسمية وغير الرسمية حاضرة بوصفها طرفا مدنيا في قضايا الاعتداء على الأطفال، والدفاع عن حقوقهم، والمطالبة بحمايتهم من مختلف أشكال الأذى والاستغلال، فأين هذه الحماية حين يكون الطفل حاضرا بين الازدحام والاختلاط والتبرج والعري والرقص والتمايل والصخب إلى ساعات متأخرة من الليل، في أجواء تشبه أجواء الملاهي الليلية؟

فحماية الطفل لا تكون قاصرة على الأذى الجسدي، بل الحماية لا بد أن تكون من كل ما يؤثر في فطرته وأخلاقه وتربيته…

فهل حماية الطفولة تكون من التدين والتربية الإسلامية فحسب؟ أم أن من حق الطفل أن يُحمى أيضا من المشاهد والممارسات التي تناقض الحياء والعفة وتترك آثارها في نفسه؟

3/ «الأغاني النظيفة»!

ثم تقول إحدى الحاضرات: «نحبه… أغانيه نظيفة وتقدر العائلات تسمعها».

نظيفة؟!

إذا كانت هذه هي «النظافة» التي تقدم للأسر والأطفال، فما الذي بقي من معنى الحياء والعفة وصيانة البيوت؟!

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾

وقد استمعت إلى مقطع مما قيل في حفله البارحة، ولا أدري: أكان ذلك جزءا من أغنية يؤديها، أم حديثا جانبيا بين فقراتها؟ غير أن ما سمعته – على كل حال – كان يتضمن ألفاظا سوقية، وإيحاءات تستخف بالخيانة الزوجية، وتهوّن من الزنا، وتدفع إلى الطلاق والتفكك الأسري؛ فإن كان هذا من كلمات أغانيه، فكيف توصف بعد ذلك بأنها «نظيفة»؟!

وبعض ما رأيناه وسمعناه في هذه الأجواء هو الوسخ والقذارة بعينهما، حتى في الكلمات نفسها

ومع هذا نقول :

إن النظافة الأخلاقية ليست في خلو كلمات الأغنية من اللفظ البذيء فحسب ؛ وإنما ينظر أيضا إلى مضمونها، ومشهدها، وما تثيره، وما تجر إليه، وأثرها في السلوك والحياء…

فإذا كانت الأغنية تسمى «نظيفة»، ثم تكون في محيطها مشاهد التبرج والرقص والتمايل والاختلاط، فهذه ليست النظافة التي علمنا إياها الإسلام

يعني بالمختصر المفيد : النظافة ليست للكلمات وحدها، وإنما للمشهد كله

4/ ثم يأتي سبتمبر!

بعد كل هذا الزخم، يأتي شهر سبتمبر، ويعود أبناؤنا إلى مقاعد الدراسة، ويبدأ درس العلوم الإسلامية!

فيقال للطفل والمراهق: اقرأ القرآن وجوّده، ومدّ هذا الحرف، واقصر من ذاك، وتعلم أحكام الصلاة والصيام وحكمها، واعرف ما أوجب الله عليك من العفة والحياء، ولا تقرب الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، وتعلم الأدب وحسن الخلق، وبر الوالدين، والتزم حدود الله…

ثم يأتي هذا السؤال اضطرارا :

من أين تركب هذه «الإسلامية»؟

ومن أين تنفذ ؟

من الأم؟ أم من الأب؟ أم من الأسرة التي جاءت بأبنائها إلى مثل هذه الأجواء؟

من درس الأستاذ وحده؟
أم من ساعة في المدرسة؟
أم من الأسرة والبيت والمحيط الذي يصنع للشباب كل يوم قدوة وثقافة ومشهدا؟

فالتربية مسؤولية مشتركة، وليست حصة دراسية تؤدى ثم تنتهي.

لا يمكن أن نطلب من المدرسة أن تبني في ساعة ما تهدمه الأسرة والمجتمع في ساعات وأيام.

وهذه هي المفارقة التي تستحق أن نتأملها:

نحن في درس العلوم الإسلامية لا نريد أن نلقّن أبناءنا معلومات دينية فحسب، وإنما نريد أن نغرس فيهم القيم والمبادئ، ونبني في نفوسهم معاني الإيمان والحياء والعفة والمسؤولية، ونربط سلوكهم بما تعلموه من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ

ثم نحن في الجانب الآخر نتركهم يتشربون من محيطهم نقيض هذه القيم والمبادئ، ويرون بأعينهم ما يناقض ما نعلمهم إياه، ثم يأتي الولي في نهاية الفصل متعجبا:

«وعلاش وليدي جاب صفر في العلوم الإسلامية؟ ياك قاع مسلمين؟!»

نعم، مسلمين، ولكن الإسلام ليس اسما مجردا، ولا مادة دراسية نحفظها لننجح في الامتحان؛ وإنما هو عقيدة وعبادة وأخلاق وسلوك، ومحيط الأسرة والمجتمع شريك أساس في غرسه وترسيخه

اللهم احفظ أبناءنا من الفتن، وأصلح فطرهم وأخلاقهم، وأعن الآباء والمربين على حسن تربيتهم، وأصلح لنا ديننا ودنيانا

كتبها: خالد أوصيف

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!