-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

صراع الإرادات المستقبلي

عمار يزلي
  • 19
  • 0
صراع الإرادات المستقبلي

مع انفجار الحرب العالمية الأولى ثم بعدها الثانية، كان الغرب الأوروبي بمركزيته التاريخية الموروثة عن عهد الحضارة الإغريقية الرومانية، يكاد يلفظ أنفاسه الأخيرة بفعل شيخوخة العالم التقليدي، الذي تربّع على عرش قيادة العالم لقرون، بكل قوته المادية الرأسمالية خاصة ونزعته الاستعمارية التوسعية الإمبراطورية التي اتسعت وتوسعت على حساب الجنوب في الشرق الأوسط والقارة الإفريقية وأمريكا اللاتينية وحتى الشمالية.

كانت الحرب العالمية الأولى، ثم ربيبتها الثانية، إيذانا بظهور قوى ناشئة عالمية جديدة منافسة، لم يكن أحد يعلم مدى قوتها وتأثيرها على موازين القوة في عالم ما بعد الحربين: روسيا القيصرية المنهارة، تتولد عنها قوة جديدة مناهضة للرأسمالية وباحثة عن توسع عقائدي وسوق بديلة: السوق الاشتراكية، ثم الولايات المتحدة، الخارجة من قوقعتها حول الذات، الباحثة عن امتداد أوروبي لسوق جديدة لم يسبق لها مثيل. في الشرق، روسيا والصين كقوتين جديدتين، مختلفتين في التوجهات التطبيقية للاشتراكية، وفي أقصى الغرب، الولايات المتحدة، المارد الاقتصادي الجديد الذي سيبتلع أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية من خلال “مشروع مارشال” والهيمنة على العالم الرأسمالي الغربي إلى اليوم، بل وعلى العالم ككل بعد انهيار جدار برلين سنة 1989. سبعون سنة من عمر قوة عسكرية أكثر منها قوة اقتصادية، والتي ستحاول الصين أن تتفرَّد بهذه الميزة، وهي اليوم تفعل ذلك باقتدار كبير وتنافس الولايات المتحدة، بعد نحو 250 سنة على استقلال هذه الأخيرة عن بريطانيا.

العالم العربي والإسلامي، الذي تنفَّس الصعداء قليلا ولفترة وجيزة لما بعد “موت الرجل المريض”، سرعان ما ظهر كقوة جديدة تسير على خطى الحركات التحررية من العالم الغربي الاستعماري الرأسمالي، بمساعدة المارد الأحمر: توجُّهات مختلفة أربكت هذا التوجه بسقوط البعض منها في فخ التبعية والولاء وحتى العمالة للمستعمر القديم الجديد من أجل البقاء كممالك قبلية وإمارات عائلية وحتى “جمهوريات ملكية”، وهذا ما سبَّب وجع العالم العربي والإسلامي إلى اليوم: لم يكن الاستقلال دائما بعيدا عن الولاء لاستعمار الأمس. لهذا، لازلنا إلى اليوم نعيش حقبة الجفاف السياسي والاقتصادي المستقلّ عن إرادات الغير في كثير من الأزمنة والأمكنة، وهو ما جعل استقلالنا، كدول إسلامية عربية عن الغرب الاستعماري القديم والجديد، يبقى ناقصا إلى اليوم.

اليوم، ومستقبلا، هناك تصوُّرٌ بأن عدة أقطاب اقتصادية جديدة في طور التشكل والاستقواء وليس مستبعدا أن تدخل في تحالفات اقتصادية لمجابهة المد والهيمنة الغربية، التي تراجعت للخلف مع قيادة الولايات المتحدة للعالم الجديد ما بعد الحرب العالمية الثانية.

في الشرق الآسيوي، “التنين” قد يكون القوة الاقتصادية الأولى عالميا في حدود عشرين سنة أو حتى أقل، متبوعا بالولايات المتحدة، ثم الهند ثم قوى ناشئة في آسيا وإفريقيا ومنها نيجيريا وحتى الجزائر. وفي أواسط آسيا، تركيا وإيران، وفي الشرق الأوسط السعودية ومصر، والتي قد تعيد تشكيل التحالفات الاقتصادية من جديد بناء على تجارب الماضي القريب، وليس من المستبعد أن تتشكل أسواق جديدة تمتد من الصين إلى الشمال الإفريقي، هذا إذا لم تحدث مواجهة درامية بين القوى العظمى حاليا. من شأن هذا، أن تتقوى الإرادات السياسية في خلق تنافس عالمي يعزز من مكانة “الضعفاء” سابقا ويقوِّض حلف الغرب الأوروبي المتضعضع حاليا، ليتحول مع نهاية القرن الحلم إلى واقع.

كل هذا، له مؤشراته على الأرض وعلى حسابات الأجندات الدولية، وكل طرف يريد أن يحبط مخطط الآخر، من خلال “الديبلوماسية اللينة”، أو عبر “الخشونة الديبلوماسية” أو حتى الحروب الإقليمية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!