هذه شروط نجاح برنامج تكوين الأساتذة الجامعيين للتدريس باللغة الإنجليزية
تشترط المجلات العلمية -الدولية على وجه الخصوص- على الباحثين وضع ملخص بلغة غير لغة البحث، والهدف من ذلك إطلاع القارئ بغير هذه اللغة على فكرة البحث وقضاياه ومحاوره الأساسية. وقد دأبت المجلات العلمية الدولية في الجزائر على هذا التقليد العلمي فلا تكاد تخلو مجلة من هذا الإلزام الذي من فوائده للباحث، تنمية مهاراته اللغوية، ومن فوائده للباحثين المبتدئين تدريبهم على تقنيات الترجمة اللغوية من أجل تذليل العقبات أمامهم في الراهن والمستقبل في التعامل مع المصادر الأجنبية التي لا غنى عنها لأي باحث.
كما يعتمد التصنيف الدولي للجامعات على نسبة المنشورات الدولية المنشورة باللغة الإنجليزية في المقام الأول، ولعل من أهم عوامل تأخر الجامعات الجزائرية في هذا التصنيف في مرحلة سابقة، هو قلة المنشورات البحثية بهذه اللغة واعتماد فئة كبيرة من الباحثين الجزائريين على النشر باللغة العربية أو باللغة الفرنسية، الذي لا يتيح للمجلات التي ينشرون وينشطون بها احتلال مكانة مهمة في التصنيف العالمي لعجزها عن منافسة نظيراتها باللغة الإنجليزية التي تحوز حصة الأسد من دون منازع.
وقد خطت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في الجزائر، الموسم الماضي، خطوات رائدة في هذا المجال من أجل تمكين الباحثين الجزائريين من اللغات الأجنبية من خلال النشرات والتعليمات الوزارية التي تلح على ضرورة التخلي عن الأحادية اللغوية والانفتاح على اللغات، وقد احتلت اللغة الإنجليزية الاهتمام الأكبر للوزارة، وكتجسيد لهذا التوجه، أبرقت المديرية العامة للتكوين والتكوين تعليمة موجهة إلى رؤساء الندوات الجهوية للجامعات للاتصال بمديري المؤسسات الجامعية للبدء في تنفيذ البرنامج المسطر الخاص بالتدريس باللغة الإنجليزية.
لقد أدَّت الوزارة دورها في الحرص على وضع البرنامج الخاص بتكوين الأساتذة الجامعيين للتدريس باللغة الإنجليزية موضع التنفيذ، ويبقى على اللجان والمجالس العلمية بالجامعات أداء الدور الأكبر في تجسيد هذا البرنامج بكل حيثياته، فأي إخفاق في هذا الجانب تتحمله هذه الجهات والجهات ذات الصلة، وأي نجاح في المقابل يعود أثرُه الإيجابي عليها وعلى الجامعة الجزائرية في نهاية المطاف.
إن حرص وزارة التعليم العالي والبحث العلمي على تكوين الأساتذة الجامعيين للتدريس باللغة الإنجليزية مكسبٌ علمي نثمنه ونثمن الجهود المبذولة لتكريسه، ولكن هناك شروطا ينبغي توافرها من أجل تفادي أي خلل في هذه العملية التي نأمل أن تستمر إلى نهايتها وأن تؤتي أكلها في مرحلة تحقق فيها الجامعة الجزائرية تقدما لافتا للنظر في أنماط التكوين وفي التصنيف العالمي للجامعات، نافضة عنها بذلك غبار السنين وظلم الأبعدين والأقربين الذين ينظرون إليها على أنها عنوان للنمطية والكلاسيكية المتجاوَزة.
التكوين بحاجة إلى قاعدة:
إن تكوين الأساتذة الجامعيين للتدريس باللغة الإنجليزية دونه عقباتٌ كثيرة، هي وليدة مراحل سابقة كان التفكير فيها منصبًّا على التدريس باللغة الأم أو بالفرنسية من غير إيلاء أهمية تُذكر للُّغة الإنجليزية التي برزت كمخطط هادف في عهد الوزير الحالي للتعليم العالي والبحث العلمي كمال بداري الذي تمرَّس على اللغات وارتاد وتخرَّج من كبرى الجامعات التي تعطي للتعددية اللغوية أهميتها التي تستحقها، ولا شك أن هذا المشوار كان الدافع الأكبر لنقل هذه التجربة إلى الجامعة الجزائرية من باب أن المسؤول الناجح هو الذي يعمل على نقل تجاربه من الفضاء البحثي إلى الفضاء الرسمي محققا بذلك الوصل الضروري بين الوظيفة البحثية والوظيفة الرسمية.
هناك حقائق لا ينبغي نكرانها مرتبطة بعملية التكوين، ومنها أن التكوين يحتاج إلى قاعدة، إذ لا يمكن أن يبنى التكوين من عدم أو نوفق في هذه العملية إذا كان أغلب من يستهدفهم التكوين، لا يمتلكون قاعدة في هذا الإطار.
إن التكوين في هذه الحالة يكون عملية شاقة إن لم تكن مستحيلة، إذ كيف يمكن تكوين المكونين للتدريس باللغة الإنجليزية وأغلبهم ليس لهم قابلية للتكوين للأسباب التي ذكرتها؟ إنّ البناء اللغوي بناءٌ هيكلي يحتاج إلى أساس يقوم عليه وإلا تداعى للسقوط عند أول هزة. إن افتقاد كثير من باحثينا إلى هذا الأساس يجعل عملية تكوينهم عملية مضنية وغير مضمونة، ولكن عزاءنا أن ما لا يُدرك كله لا يُترك جلُّه، فحسبنا أن تسفر عملية التكوين على فئة نموذجية، يمكنها أن تضع برنامج التدريس باللغة الإنجليزية على السكة وأن تحقق الأهداف التي رسمتها وزارة التعليم العالي من أجل تحسين الأداء البحثي في الجامعات الجزائرية الذي يمكّنها من اقتحام ميدان المنافسة العلمية عن جدارة، وما ذلك بعزيز على باحثينا إذا توافرت الإرادة والعزيمة والقدرة على التحدي.
التركيز في التكوين على اللغة البحثية:
اللغة الإنجليزية كأي لغة في العالم، لغة قواعدية ولغة بحثية، ورغم أنه لا غنى في عملية التكوين عن اللغة القواعدية إلا أن التركيز ينبغي أن يكون في المقام الأول على اللغة البحثية، التي تمكِّن الباحث من التعامل مع النصوص الإنجليزية قراءة وترجمة بطريقة سلسة تمثل في النهاية إضافة مميزة للباحث وللبحث في آن واحد. هناك حقيقة وقفتُ عليها في مشواري البحثي، واحتكاكي بأصناف مختلفة من الباحثين من خلال عملي كمُراجع معتمَد في مركز بحوث إفريقيا بجامعة كارولينا الشمالية بالولايات المتحدة الأمريكية، وهي أن عجز الباحث باللغة الإنجليزية في اللغة البحثية يمثل عائقا بحثيا كبيرا، فكم من حاصل على أعلى الشهادات في اللغة الإنجليزية تجده عاجزا عن ترجمة نص أدبي أو فلسفي أو غيره باللغة الإنجليزية والسبب في ذلك أنه لم يتمرَّس على اللغة البحثية وظل رهين اللغة القواعدية.
محرك “غوغل”: المطبُّ الكبير
يلجأ كثيرٌ من الباحثين في الجامعات الجزائرية -على غرار نظرائهم في الجامعات العالمية- إلى محرك البحث “غوغل” لترجمة الملخَّصات باللغة العربية أو الفرنسية ونسْخها كما هي على طريقة القص واللصق، ثم تُنشر كما هي مهلهلة لا يستقيم أولها مع آخرها ولا تكاد تعثر فيها على جملة مفيدة صحيحة، بل لا تكاد تعثر فيها على نص يمكن القول عنه إنه نص مكتوب باللغة الإنجليزية، فالملخص عبارة عن نص هجين مهلهل لا يشرِّف المجلة العلمية التي نُشر بها.
هناك أمثلة لملخصات باللغة الإنجليزية، وقفتُ عليها في بعض المجلات العلمية الدولية من أقل الواجب تجاهها حذفُها أو تهذيبها وتصحيحها من أجل الحفاظ على مصداقية مجلاتنا العلمية ومؤسساتنا الجامعية. إن هذا الواجب يقع على عاتق لجان الخبرة التي ينبغي أن تتشدد كثيرا في إجازة البحوث المنشورة بالمجلات الدولية ومطالبة الباحثين الذين يقدِّمون ملخصات مهلهلة باللغة الإنجليزية بتصحيحها أو مواجهة قرار المنع من النشر مستقبلا.
يمكنني في هذا الصدد، ذكر مثال واحد عن ملخص، سلِم إلى حد بعيد من الخلخلة والهلهلة الترجمية ولكنه لم يسلم من أمور أخرى غير مقبولة في البحث العلمي، وأتعمَّد عدم ذكر اسم صاحب البحث لأن هدفي ليس التشهير والإسفاف وإضعاف المعنويات والتهوين من جهد الآخرين، فكلنا يخطئ ويصيب وليس هناك من بلغ الكمال فالكمال لله وحده، بل هدفي تحفيز الباحثين على تحسين أدائهم الترجمي الذي ينسحب على المجلة العلمية وعلى المؤسسة الجامعية التي ينتسبون إليها فالصناعة الحسنة من حسن الصانع. المثال الذي أشرت إليه يتعلق بمقال عن:”أثر السيولة على التنمية الاقتصادية في الجزائر” إذ جاء الملخص باللغة العربية مختلفا تماما عن الملخص باللغة الإنجليزية في حين أنه ترجمةٌ له، وأن الأصل والتقليد المعمول به أن يتفق الملخصان الأصلي والمترجَم ولا يختلفا من حيث المضامين والأفكار، وهو ما لم يلتزم به الباحث، وقاصمة الظهر هو اعتماد الباحث على محرِّك غوغل الذي لا يتيح -بشهادة متخصصين- الترجمة السليمة في بعض الأحيان والتي تحتاج إلى لمسة من الباحث لتعديل ما يجب تعديله قبل نسخه وإرساله إلى النشر، وهذا يعتمد على مدى إلمام الباحث باللغة الأجنبية المترجَم إليها، وكل إناء بما فيه ينضح.
مراكز التعليم المكثف للغات بالجامعات: بوابة مهمة للتكوين
ينبغي أن لا ينحصر دور مراكز التعليم المكثف للغات بالجامعات على التدريب على مخارج الحروف وعلى بعض النصوص التي لا علاقة لها بالبحث العلمي، بل يجب أن يتسع دورها ليشمل التدريب على ترجمة النصوص العلمية والمصطلحات المتعلقة بهذه النصوص في ميادين البحث المختلفة. ينبغي أن تؤدي هذه المراكز الدور المنوط بها وأن تساهم في تجسيد البرنامج الذي وضعته وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والمتعلق بتكوين الأساتذة للتدريس باللغة الإنجليزية. كما ينبغي أن تحقق هذه المراكز المقصد الحقيقي من “التعليم المكثف” لا أن يكون وصفا ظاهريا بعيدا عن الواقع.
يعتمد التصنيف الدولي للجامعات على نسبة المنشورات الدولية المنشورة باللغة الإنجليزية في المقام الأول، ولعل من أهم عوامل تأخر الجامعات الجزائرية في هذا التصنيف في مرحلة سابقة، هو قلة المنشورات البحثية بهذه اللغة واعتماد فئة كبيرة من الباحثين الجزائريين على النشر باللغة العربية أو باللغة الفرنسية، الذي لا يتيح للمجلات التي ينشرون وينشطون بها احتلال مكانة مهمة في التصنيف العالمي لعجزها عن منافسة نظيراتها باللغة الإنجليزية التي تحوز حصة الأسد من دون منازع.