-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الأدب الساخر ونقد الظواهر الاجتماعية

بقلم: شدري معمر علي
  • 28
  • 0
الأدب الساخر ونقد الظواهر الاجتماعية

إن الحديث عن الأدب لا يقتصر على وظيفته الجمالية الفنية والارتقاء بالذوق وتهذيب المشاعر والأحاسيس وتنمية الخيال، بل له مهمة عظيمة وهي التنوير والتغيير، وهذا ما يلعبه الأدب الساخر أو الفكاهي الذي تميل إليه النفس فيخرجها من دائرة القلق والتوتر إلى دائرة المتعة فتتجدد هذه النفس وتتغير وتستطيع التحمل ومواجهة صعاب الحياة، فلهذا الأدب وظيفة تطهيرية حسب المختصين. 

يبين لنا هذا الكاتب مسعد عامر سيدون المهري فيقول: “الأدب الساخر (الفكاهي) حسب ما لاحظ الدارسون ينهض بوظيفة (تطهيرية)، حيث يزيل من النفس أدران الهم والقلق واليأس والحقد والتشاؤم والإحباط، حيث يذهب “ماكس ايستمان” إلى أن الإحباط الناتج للإحباط نفسه يمكن أن يتمثل في نكتة لا تستغرق غير ثوان معدودات. وتأسيسا على ذلك يمكن عد الأدب الفكاهي من وسائل تجديد الذات عند الفرد والمجتمع، فهو الذي يعطي النفس القدرة على المواجهة والبقاء في أكلح الظروف مادام معها”(1).
فحسب الكاتبة نادية هناوي، السخرية ليست وليدة اليوم، بل هي فن عرفته الشعوب منذ القدم، تقول: “السخرية فن قديم عرفته أغلب الأمم، وعربيا بدأ توظيفها في الحكاية أو فن الخبر، ثم توضحت مع كتابة المقامة كنوع سردي فيه السخرية تقليد من مجموعة تقاليد سردية خاصة. وليس مهما إن كانت السخرية تنطوي على مفارقة أو لا؛ لأن وظيفة السخرية ليست تحصيل المفارقة أو استعمال المجاز والترميز والدرامية، بل السخرية هي هذه كلها، جامعة بين الشيء وضده أيا كان هذا الشيء عاقلا أم غير عاقل، حيا أم جامدا.
وقد تغيرت وظيفة السخرية في السرد الحديث لسببين: الأول هو طغيان السرد الواقعي الذي معه تلاشى اتخاذ اللاواقعية قاعدة. والسبب الآخر هو أن المفارقة الساخرة صارت مقصودة هدفا يسعى إليه الكاتب مباشرة. وبناء على هذين السببين احتار منظرو الرواية في تصنيف المفارقة، فلم يجدوا بدا من عدها معقدة.

وإذا كان الجاحظ بارعا في تطبيق تقليد السخرية وصناعة السرد الساخر، فخلّف لنا أكثر من نموذج بشري، فإن التوحيدي هو منظر السخرية الأول بوصفها هي الفكاهة والنادرة والملحة والنكتة والطرفة، وصناعتها تعني تحويل كل ما هو دوني ووضيع ومهمل إلى مهم وممتع ورئيس، معه يُستفز العقل فتتيقظ العواطف ويتبدد السأم والضيق والكدر. وكلما كان الواقع ملبدا بالهموم والمعاناة والحرمان، غدت صناعة السخرية ذات أهمية أدبية وكضرورة حياتية بوصفها سلاحا فاعلا في قلب الواقع، بما تولِّده من أحاسيس مفعمة بالهزل والتهكم والتندر”(2).
فالأدب الساخر له قدرة عجيبة على التغيير الاجتماعي بنقد الظواهر الاجتماعية في أسلوب تهكمي ساخر يدفع إلى الضحك. واستطاع الكتاب الساخرون في العالم العربي وفي العالم تجاوز العقبات السياسية والتضييق على الحريات بهذه الكتابة المخاتلة المراوغة التي ظاهرها الهزل وباطنها رسائل سياسية واجتماعية تحفر عميقا في اللاوعي…

_______
هوامش
1- مسعد عامر سيدون المهري، الأدب الساخر (الفكاهي) مفهومه، وظيفته، موقع أريد.
2- نادية الهناوي، العرب أول من نظر للأدب ولكنهم تراجعوا عنه، صحيفة العرب.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!