-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

المغرب.. قراءة في أزمة الهروب الكبير من “الجزيرة المطوَّقة”

المغرب.. قراءة في أزمة الهروب الكبير من “الجزيرة المطوَّقة”

تتأتَّى لحظات الانكشاف الكبرى في تاريخ الأمم حين تتقاطع النصوص الفكرية المؤسِّسة للدولة مع وقائع التاريخ المعيشي، لتعيد صياغة الأسئلة الجوهرية حول معنى الكيان السياسي، ومفهوم السيادة، وعقد الانتماء الوطني. ومن بين تلك القراءات الاستشرافية العميقة التي قدَّمها المفكر المغربي البارز عبد الله العروي، والتي طالما شكَّلت علامة فارقة في التشخيص السوسيولوجي والسياسي، حين نبَّه في محطات سابقة إلى ضرورة أن يدرك المغاربة ويعُوا بعمق أن وطنهم ليس سوى “جزيرة مطوَّقة من جميع الجهات”.
هذه الاستعارة العميقة، التي تتجاوز البعد الجغرافي البحت، لتلامس أبعاد الوعي والتاريخ والبنيات الذهنية والسياسية، لم تعد مجرد فرضية أكاديمية أو مقولة نقدية تُطالع في كتب الفلسفة والتاريخ، بل تحوَّلت اليوم إلى حقيقة مريرة وواقع ملموس تجسده بوضوح تام أحداث الهجرة الجماعية والهروب الكبير الذي شهدته المدن المغربية نحو مدينة سبتة الاسبانية في عيد العرش، لاسيما في محطات الضغط والانسداد المتكررة مثلما جرى في أواخر جويلية 2026.
إن هذا التدفُّق البشري الهائل، الذي دفع أكثر من 70 ألفا من الشباب والشيوخ إلى القفز نحو المجهول ركضا وسباحةً عبر البر والبحر، يعيد طرح المقولة الألسنية والفلسفية للعروي من بابها الواسع، ليضعنا وجها لوجه أمام مأساة “الجزيرة” التي يحاصرها الطوق من كل جانب، طوق خارجي تتمثل جغرافيا القارة والبحار والأسوار الأوروبية من الشمال، وأيضا من الجزائر شرقا، وطوق داخلي أشد قسوة وفتكا يتمثل في عقم السياسات العامة، وتآكل التنمية، وغياب الأفق الإنساني الذي يحفظ للمواطن كرامته فوق أرضه.

أولا: تفكيك استعارة العروي.. “الجزيرة المطوَّقة”
حين وصف المفكر المغربي الدكتور عبد الله العروي الواقع المغربي بمفهوم الطوق والجزيرة، كان يقرأ بعين الفاحص التاريخي طبيعة التموضع الجيوسياسي والسوسيولوجي للمملكة المغربية، حيث تتشابك الحدود البرية المغلقة مع واقع بحري محكوم بمعادلات الصراع والتحكم من الشمال والشرق.
غير أن قراءة العروي لم تكن قدرا مأساويا أعمى، بقدر ما كانت دعوة صريحة لليقظة العقلية والسياسية للخروج من شرنقة الوهم وتأسيس دولة حديثة قوية منيعة من الداخل قبل الخارج. لكن ما آلت إليه الأوضاع المعاصرة، خاصة بعد وفاة الملك الحسن الثاني واعتلاء ابنه الملك محمد السادس سلطة الحُكم، ذلك الملك الملقَّب بـ”الملك المفترس”، إذ أصبح الوضع مخيفا وتحولت هذه “الجزيرة المطوَّقة” من مقولة نقدية إلى قفص حديدي خانق.

هذا الهروب الكبير يكشف بجلاء تام زيف الخطابات الرسمية التي تروِّج لصورة “القوة الإقليمية الصاعدة” أو “الدولة القوية والمستقرَّة”، فالدولة التي تمتلك مقوِّمات القوة الحقيقية لا يفر مواطنوها أفواجا وبشكل فوضوي عبر الأسوار وتحت أنظار العالم، لأن استقرارها مستمدٌّ أصلا من تراضٍ مجتمعي عميق ومن عقد اجتماعي متين يحمي الإنسان ويرفع قيمته.

الطوق الخارجي الذي تفرضه المنظومة الأوروبية شمالا، والجزائرية شرقا، لحماية حدوديهما وإغلاق أبوابهما في وجه طالبي الحياة، يتكامل مع طوق داخلي تفرضه أزمات الحوكمة الرشيدة، وغياب العدالة الاجتماعية، وتركز الثروات في أيدي فئات ضيقة قريبة من المخزن، بينما تُترك الكتل الواسعة من الرعايا تعاني من جحيم التهميش والبطالة والفقر المدقع. وعندما تصبح الدولة عاجزة عن توفير الحد الأدنى من شروط العيش الكريم، فإن “الجزيرة” تفقد معناها الوجودي كحاضنة آمنة لأبنائها، لتتحول في وجدان الشاب والشيخ المهمَّش إلى معتقل كبير لا همَّ لساكنيه سوى البحث عن ثغرة للهروب، أو قارب متهالك للفرار نحو الضفة الأخرى، حتى وإن كان الثمن هو الموت غرقا أو التلاشي في غياهب المجهول.

ثانيا: سقوط وهم القوة الإقليمية على صخرة الهروب الجماعي
إن تتبُّع ردود الفعل الدولية والمحلية والإقليمية التي أعقبت موجات الهروب الجماعي والتدفق غير المسبوق نحو سبتة يوم عيد العرش، إذ فرّوا والملك محمد السادس يلقي خطابه للرعايا. قلت هذا الهروب الكبير يكشف بجلاء تام زيف الخطابات الرسمية التي تروِّج لصورة “القوة الإقليمية الصاعدة” أو “الدولة القوية والمستقرَّة”، فالدولة التي تمتلك مقوِّمات القوة الحقيقية لا يفر مواطنوها أفواجا وبشكل فوضوي عبر الأسوار وتحت أنظار العالم، لأن استقرارها مستمدٌّ أصلا من تراضٍ مجتمعي عميق ومن عقد اجتماعي متين يحمي الإنسان ويرفع قيمته.
لقد أثبتت تلك الأحداث أن الرهان على “استقرار الواجهة” أو القبضة الأمنية المتمثلة في إدارة الأزمات بالمسكِّنات المؤقتة هو رهانٌ خاسر وبنيان هوى من أساسه، فعلى المستوى الأوروبي، لم تُظهر العواصم الكبرى أي تعاطف سياسي حقيقي أو دعم لسياسات الرباط، بل قابلت الحدث بتوجس بالغ، وضغوط أمنية هائلة، وعقوبات غير مباشرة من دول مثل إيطاليا وفرنسا والولايات المتحدة وغيرها، معتبرة أن ما جرى يعكس خللا بنيويا في إدارة الحدود وعجزا هيكليا في احتواء الطاقات البشرية المحلية.
وفي الوقت ذاته، تلقت صورة النظام السياسي ضربات موجعة أسقطت هيبة الخطابات الدبلوماسية الرنانة، وأعادت طرح الأسئلة الحرجة حول جدوى المشاريع الكبرى والواجهات الإنشائية في ظل نزيف بشري مستمرّ يُفرغ الوطن من شبابه وعماده البشري.

ثالثا: أزمة العقد الاجتماعي وتآكل رأس المال البشري داخل “الجزيرة”
إن استمرار هذا النزيف البشري وتصاعد وتيرة الهروب البري والبحري يعكسان بوضوح تامّ تمزُّق العقد الاجتماعي التقليدي الذي يُفترض أن يربط الشخص بدولته. عندما تشعر الغالبية الساحقة من الشباب أن الجدارة والكفاءة قد أُجهضتا لصالح المحسوبية، وأن ثروات البلاد تُهدَر في مشاريع الواجهة السياسية والدبلوماسية الباهظة بينما يعجز الرعيَّة عن تأمين قوت يومه، فإن الانتماء للمملكة المغربية يتعرَّض لهزة عنيفة تحوِّله من شعور بالفخر إلى رغبة جامحة في النجاة الفردية بأي ثمن. وما يزيد المشهدَ مأساوية هو أن ظاهرة الفرار لم تعُد تقتصر على النخب المتعلمة التي تبحث عن أسواق عمل خارجية، بل امتدت لتشمل الشيوخ والكهول والعمالة البسيطة، بل وحتى الأطفال والنساء، مما يعني أن الخلل قد بلغ النخاع الشوكي للمجتمع وأصاب “رأس المال البشري” في مقتل.
إن الأمة التي تفرِّط في طاقات أبنائها وتدفعهم إلى ركوب قوارب الموت والفرار هي أمة تهدم مستقبلها بيدها، وتفرغ جزيرتها من كل مقومات الصمود والنهوض، مما يجعل أي حديث عن التنمية المستدامة أو الريادة الإقليمية مجرد وهم بصري يتبدد مع أول هبَّت فيه رياح الحقيقة.

رابعا: نحو قراءة استشرافية لجذور الأزمة
من هذا المبتدأ التحليلي، يبدو جليا أن تنبؤات المفكر المغربي الدكتور عبد الله العروي حول “الجزيرة المطوَّقة من جميع النواحي”، قد وجدت تحققها الأصدق والأكثر إيلاما في واقع الهجرة الجماعية المستمرة. إن الخروج من هذا المأزق التاريخي والجغرافي والسوسيولوجي لا يمكن أن يجري عبر الحلول الأمنية الزاجرة، ولا بمحاربة المهاجرين في عرض البحار أو فوق جدران سبتة ومليلة، بينما تُترك الأسباب الجذرية للأزمة تنمو وتترعرع في عمق البر.
إن الإنقاذ الحقيقي يقتضي شجاعة سياسية نادرة لإحداث قطيعة جذرية مع سياسات التهميش والترقيع، وإعادة الاعتبار للإنسان باعتباره غاية التنمية ووسيلتها. إن تفكيك “الطوق” المفروض على المجتمع المغربي يتطلب إصلاحا حقيقيا يبدأ بتكريس مبادئ الحوكمة الرشيدة، والشفافية، والمساءلة، وتوزيع الثروات بعدالة، وفتح أفُق سياسي واقتصادي حقيقي يمنح الشباب الثقة الكاملة في إمكانية بناء وطنهم بدل الهروب منه. وما لم تتحقق هذه النقلة الجوهرية، ستظل “الجزيرة” محاصَرة بطوقها الداخلي والخارجي، ويبقى الهروب الجماعي هو العنوان الأبرز لقصة أمة أضاعت بوصلة الاستثمار في الإنسان لصالح حسابات واهمة وأولويات زائفة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!