إشكالية اللغة الإنجليزية وهجرة العقول إلى الخارج
بادئ ذي بدء، ينبغي ألا نتنكر للماضي جملة وتفصيلًا، بل أن نستلهم إشراقاته وننبذ جوانبه السلبية وفي مقدمتها التبعية للفرنسية، إذ لا عقد اجتماعي مقدس يربطنا بها ولا صكوك غفران تُمنح لقاء التشبث بلغتها وثقافتها ونموذجها منتهي الصلاحية، كما لا تعني هذه الإشكالات الاستغناء عن التراث العربي، ولا الدعوة إلى إلغاء مشروع الإنجليزية الذي كان يفترض أن ينطلق منذ عقود، غير أنه بعد بضع سنوات من إطلاقه تبيّن أنه أُطلق من دون دراسة اجتماعية وحضارية تستشرف مصلحة الوطن وأولوياته، لذلك ينبغي الوقوف على المعوقات ووضع الحلول لتجنب الهجرة النفسية والاغتراب الثقافي قبل تفاقم الهجرة الجسدية ونزَف العقول.
يقول مثل أمريكي معروف: «إن العقول الكبرى تناقش الأفكار، والعقول الوسطى تناقش الأحداث، والعقول الصغرى تناقش الأشخاص» وطالما أعدت صياغته لطلبة اللغة الإنجليزية على النحو الآتي: «العقول الصغرى تناقش الماضي، والعقول الوسطى تناقش الحاضر، والعقول الكبرى تناقش المستقبل» والمقصود منه أن السجال الدائر اليوم بين بعض النخب والدوائر ينبغي ألا يُنظر إليه من زاوية الماضي والحاضر، بل بأبعاده الخارجية والمستقبلية؛ إذ بينما يتحسّر حراس الفرنسية أمام هذه التحولات، تتأهب النخب الأنجلوفونية من جهة أخرى للانقضاض على «الغنيمة» وتحويل القِبلة من باريس إلى نيويورك، كما لا يُستبعد أن تبدِّل النخب التي طالما نادت بالفرنسية ولاءها فتركب موجة الإنجليزية وتدعو إليها بذريعة “محاربة الرجعية والفاشية”.
تجارب الأمم السابقة.. ما لها وما عليها
لا ينبغي أن تمرّ بعض التحولات الجارية من دون تعليق استراتيجي، فأنْجَلزة مناهج العلوم التجريبية في الجامعات وإلغاء مسمى «الشهادة المؤقتة»، والانضمام إلى اتفاقية «الأبوستيل» التي تيسِّر هجرة حاملي الشهادات الجزائرية إلى الخارج، كلها أمور تستدعي ضبطًا ومراجعات، لا سيما مع تنامي الشعبوية واليمين المتطرف في الغرب، وعليه تسعى كل الأطراف في الخارج إلى تقديم بدائل لطلاب القارة الإفريقية داخل قارتهم عبر أنظمة تعليمية مؤهلة، بدلًا من فتح أبواب الجامعات الغربية أمامهم، وفي الوقت ذاته يبحث هذا التوجه عن خزان جديد لتصدير الكفاءات نحو السوق الدولية والمراكز العالمية حتى تستفيد من أبناء الوطن بدلًا من أوطانهم، سواء أكانوا من الطلبة المحليين أم الوافدين.
تستضيف فرنسا جالية تضم نحو مليون مقيم من مواليد الجزائر، بينما تستضيف كندا ما يقارب 100 ألف مقيم يتمركزون أساسًا في مقاطعة كيبك، وفي فرنسا يحمل ما بين ربع وثلث المقيمين الجزائريين شهادات عليا، بينما تحوز الأغلبية من المقيمين في كندا من مواليد الجزائر مؤهلات تعليمية عالية، ورغم أن أفراد هذه الجالية يقيمون غالبًا في كيبك، فإنه مع اتساع رقعة الإنجليزية في الجزائر لن تكتفي المناطق الناطقة بالإنجليزية في كندا بتوفير بيئة جاذبة لنزَف العقول والكفاءات فحسب، بل سيمتد هذا الانجذاب إلى بقية دول العالم.
بناءً على ذلك، تجدر الإشارة إلى حقيقة مفادها أن الإنجليزية قد يستفيد منها الفرد ولا يستفيد منها المجتمع، وقد ينتفع بها المواطن ولا ينتفع بها الوطن، لاعتبارات مبنية على واقع لم تتحدد رؤيته وملامحه بطريقة تعكس رسالة أول نوفمبر أننا حررنا الأرض وبقي أن نحرر العقل، فبعد الاستقلال تأتي مرحلة البناء، ولا بد ألا تكون «الأنْجَلزة» مجرد رد فعل جيواستراتيجي، أو أداة لكسب الرضا الاجتماعي، لا سيما لدى الشباب الراغبين في الهجرة إلى الخارج بعيدًا عن فرنسا، والذين اصطدموا بمعوقات لغوية تعوّضها الآن اللغة الإنجليزية، وهذه التوجهات والوجهات الجديدة يفرضها النظام الدولي، فالولايات المتحدة من أبرز الشركاء الاقتصاديين للجزائر، ولو أضفنا إليها حلفاءها لألفينا حجم ما تتداوله الجزائر مع حلفاء العالم الأنجلوفوني أكبر مما تتداوله مع الصين وروسيا.
وأما في مسألة هجرة الأدمغة، فحري بالخبراء والمسؤولين ألا ينظروا إليها بوصفها حالة زمنية أو آفة اجتماعية، بل طارئة وحصيلة تراكمات من قرارات وسياسات كان يجب أن تتخذ تدريجيًّا عبر العقود مع تقدير العواقب واستباق التبعات تفاديًّا لاستنزاف الأدمغة والعقول، لذلك لا بد من دراسة أسبابها وحلولها الموضوعية، كغياب التنمية المستدامة والمشاريع الاقتصادية والتمكين العلمي والمهني، ونقيض ذلك هو ما يشجع على الاغتراب النفسي والثقافي قبل الجسدي والإداري،ما يعرف أيضًا بـعقدة ما بعد الكولونيالية التي تتجلى بوضوح في كثير من دول ما بعد الاستقلال؛ فكينيا والهند، مثلًا، تعدان خزانًا كبيرًا في تصدير المهندسين والباحثين إلى الخارج، وحتى قبل ظهور نماذج الذكاء اللغوي كانتا رائدتين عالميًّا في كتابة البحوث والرسائل ومراجعتها على حساب الغير (ghostwriting) عبر خدمات الإنترنت.
قد تُطرح الإنجليزية لدى كثيرين بوصفها عصا سحرية للنهضة، غير أن الواقع يثبت أن دولًا كثيرة تتخذها لغة أولى أو ثانية لا تزال في أدنى التصنيفات العالمية، وطالما سيقت جنوب إفريقيا والهند مثالين على هذه المفارقات، إذ يعيش معظم السكان فيهما في فقر مدقع، بينما تُصنَّف الطبقة الغنية ضمن أثرى أثرياء العالم، ومن أشهر النماذج المستدعاة في هذا النقاش تجربة الرواندية، فرغم أنها حققت الاستقرار السياسي والاجتماعي عن طريق القطيعة النهائية مع فرنسا، فإنها لا تزال بعيدة عن الصدارة في التنمية والتقدم، ناهيك عن الإسهامات العلمية والتكنولوجية، وهي دولة ترتكز على مدينتين صغيرتين لا يزيد حجمهما على دائرة متوسطة من دوائر الجزائر، بيد أن ما تشكر عليه حقًّا هو قطيعتها التامة مع المنظومة الفرنسية، مما أحدث تغييرًا جذريًّا في الإدارة وقضى على البيروقراطية، فغدت من الأوائل عالميًّا في الشفافية المالية والمرونة الإدارية. أما في الجزائر فما يشكوه المواطن من الإدارة ليس وليد غياب الرقمنة فحسب، بل وليد التأثر بالمنظومة الفرنسية المعروفة عالميًّا ببيروقراطيتها الشديدة، التي لا تزال، رغم تحديثها المستمر، تحتفظ بمركزية القوانين النابليونية وجمودها.
رواندا ليست حالة معزولة في نجاح سياستها اللغوية، فجاراتها في شرق إفريقيا عمَّمت السواحيلية، ويُشار إلى أنها اللغة الأولى على مستوى القارة، وقد أضيفت لغة سادسة إلى اللغات الرسمية في الاتحاد الإفريقي (والخمس الأخرى: العربية والإنجليزية والفرنسية والبرتغالية والإسبانية)؛ فالأمر لا يقتصر على التجربة الرواندية، تجربة الدولة الشجاعة التي تخلت عن الفرنسية لصالح الانجليزية بعد الحرب الأهلية التي دعمتها فرنسا وبلجيكا، دون انتظار عقود، فسبقت فيها لغة الأفعال لغة الأقوال، وثمة دول تخلت عن الروسية لتعتمد الإنجليزية لغة ثانية، مثل جورجيا عقب أحداث 2008، ومثلها أرمينيا بعد 1990.
وثمة دول حققت نجاحات مشهودة في تمكين الإنجليزية لغة ثانية دون التفريط في هويتها وثقافتها، رغم انعدام الصلة التاريخية مع بريطانيا أو الولايات المتحدة، ومنها النموذج الإسكندنافي، مع أن تلك الدول كان بوسعها أن تختار لغات جاراتها كالألمانية أو الروسية لغة ثانية، وكذا نموذج جنوب شرق آسيا كماليزيا وسنغافورة، إذ نجحت تعليميًّا وتربويًّا في إدماج الإنجليزية من دون إحداث صراع بين الهوية واللغة الأم، ومن دون تدهور اقتصادي وثقافي.
وفي المقابل يجب تجنب السقوط في فخ «مالطا» التي يكاد أهلها يفقدون لغتهم المالطية (التي يصنفها اللسانيون اللغةَ السامية الوحيدة في أوروبا ويعدّها بعضهم من اللهجات العربية)، فلم يعد يتحدث بها اليوم سوى الجيل القديم، بينما ينطق الجيل الجديد بالإنجليزية، فأضاع لغته الأم بفعل العولمة والتبعية الثقافية.
الإنجليزية بين الجزائر والصين وفرنسا
لا شك أن إقحام اللغات الأجنبية، سواء أكانت الفرنسية أم الإنجليزية، في الطور الابتدائي يُثقل كاهل الطفل ويُربك مسار استيعابه المعرفي في سن لا تزال فيها ملَكاتُه الفكرية قيد التكوين، فالمنطق البيداغوجي السليم يقتضي ترسيخ اللغة الأم بوصفها القاعدة التي تُبنى عليها كل عملية تعليمية، وتأجيل اللغات الأجنبية إلى مرحلة لاحقة تفاديًّا لتشتيت تركيز التلاميذ وهدر طاقتهم الذهنية، كما أن نظرية النحو الكلي أو القواعد الفطرية تؤكد أن الطفل قادرٌ على استيعاب أي لغة متى تمكّن من لغته الأم.
كما أن الإنجليزية لغة سلسة يسهل تعلمها في أي مرحلة عمرية، بخلاف الفرنسية المعقدة التي يجب ألا تُقحم في المرحلة الابتدائية إطلاقًا، فإزاحة اللغات الأجنبية من الابتدائي تتيح للأطفال وقتًا أطول للتعلم والنمو، لا سيما في مناهج دراسية شاقة تمتد من سبع إلى ثماني ساعات يوميًّا، ومن ثم فإن معركة «الحجم الساعي للّغات الأجنبية» ينبغي ألا تخاض في الابتدائي بل في المتوسط، بحذف الفرنسية من الابتدائي والمتوسط، وإدراج الإنجليزية من السنة الأولى متوسط.
وتشير تقديرات الإطار الأوروبي المرجعي الموحد للغات (CEFR) إلى أن الوصول إلى مستوى جيد يتطلب مئات الساعات في كلتا اللغتين، أقلّها في الإنجليزية (ما بين 500 و600) وأكثرها في الفرنسية (ما بين 700 و800 فأكثر)، ويتسع هذا الفارق لدى المتعلم العربي خاصة، إذ تلتهم قواعد اللغة الفرنسية وتصاريف أفعالها وإملاؤها المعقد أضعاف ما تتطلبه الإنجليزية؛ أما الواقع المعيش فشيءٌ آخر تمامًا، فمعظم الجزائريين لا يتقنون الفرنسية رغم أنهم قضوا في دراستها أكثر من 1000 ساعة من الابتدائي إلى الثانوي، وهي المدة الكافية بحسب المعهد الفرنسي للوصول إلى مستوى C2 أو ما يكاد يعادل مستوى دكتور أو خبير في هذه اللغة، لكن الواقع مختلفٌ تمامًا، وكما يجري على لسان المصريين «سيئات على الفاضي»، ليصبح الحال أكثر من «عذاب على الفاضي» بالنسبة للأجيال المولودة بعد الاستقلال، والتي قضت أكثر من ألف ساعة في تعلّم لغة أوشكت على الانقراض، فلم تنفعهم في دنيا ولا في آخرة.
وتذهب دراساتٌ كثيرة إلى أن تعليم لغة أجنبية في سن مبكرة قد يكون عديم الجدوى، بل إنها تُفنِّد بشدة مقولة »كلما بكرنا كان أفضل« في السياقات التي تُدرَّس فيها اللغة الأجنبية مادةً دراسية، لا وسطًا معيشيًّا وتعليميًّا، فالبيانات والدراسات التي تتبعت متعلمين تباينت أعمار بداياتهم التعليمية ضمن حجم ساعي محدود أظهرت أن المتعلم الأكبر سنًّا يتقدم أسرع بكثير من الأصغر، وأن أفضلية البدء المبكر تظهر مع الحصص المكثفة، ولا توفرها في كل الأحوال حصتان أسبوعيًّا، كما يشير خبراء اللغويات التطبيقية إلى أن» الاعتماد المتبادل بين اللغات« كالتمكُّن من القراءة والكتابة في اللغة الأم، هو ما ينتقل أثره الإيجابي إلى اللغة الثانية، فإضعافُ الأساس لن يسرِّع اكتساب الفرع بل يعطله، فضلًا عن أن تعلم لغة ذات أبجدية ورموز مغايرة، كما هو حال اللغات اللاتينية بالنسبة إلى الطفل العربي أو الصيني، يشكل عبئًا إضافيًّا في سن لا تزال فيها ملَكة القراءة والكتابة قيد التكوين.
إن إدراك هذه الحقيقة لا يتطلب جهدًا كبيرًا ولا شهادات عليا، فحتى الدول التي يستميت بعضهم في الدفاع عنها هي أول من يطبِّق هذا المبدأ الفطري الجامع بين الحكمة والوظيفية؛ ففرنسا مثلًا تفرض لغة أجنبية واحدة فقط من السنة الأولى إلى الخامسة في الطور الابتدائي، لكن بحجم ساعي لا يتجاوز ساعة ونصفًا أسبوعيًّا (54 ساعة سنويًّا) ثابتًا في السنوات كلها، ضمن أسبوع مدرسي مجموعه 24 ساعة، تخصص منها عشر ساعات للآداب والثقافة الفرنسية، أي أن اللغة الأجنبية لا تتعدى 6% من زمن التعلم مقابل 42% للغة الأم بوصفها مادة، فضلًا عن أن اللغة الأجنبية تُنتقى من بين سبع لغات معتمدة من وزارة التعليم الفرنسية، يحددها أولياء الأمر بحسب توفرها في المدرسة.
أما الصين فبدأت تدريس الإنجليزية من السنة الثالثة من التعليم الابتدائي، من ساعة ونصف إلى ثلاث ساعات أسبوعيًّا تدريجيًّا في المناهج القديمة بين 2001 و2022، أي في نطاق يتراوح بين 6% و8% من مجمل الحجم الساعي عبر جميع السنوات، المتراوح بين 22 و25 ساعة أسبوعيًّا، بينما يخصص الباقي للمواد العلمية وغيرها التي تدرَّس باللغة الأم، ثم شهدت بعد عام 2022 تحولًا وتراجعًا رسميًّا، إذ قلصت حصصها المدرسية وخففت إلزامية اختباراتها مع زيادة الاهتمام بالمواد العلمية واللغة الأم، وقد طال ذلك أيضًا فرض قيود صارمة على المعاهد والمراكز الخاصة باللغات الأجنبية، في إطار تخفيف الأعباء الدراسية وتعزيز الهوية الوطنية وثقافة البلاد.
وفي الحالة الجزائرية تتضح المفارقة بالأرقام، فبموجب القرار الوزاري الخاص بالدخول المدرسي المقبل، يبلغ الحجم الساعي الأسبوعي في السنوات الثلاث الأولى من الابتدائي 21 ساعة، ثم يرتفع في السنة الرابعة إلى 25 ساعة و30 دقيقة، وتُدرج الإنجليزية في السنة الثالثة بساعتين أسبوعيًّا، فينخفض نصيب العربية إلى سبع ساعات ونصف الساعة، ثم تنقلب المعادلة رأسًا على عقب في السنة الرابعة، إذ تضاف الفرنسية بساعتين إلى جانب الإنجليزية بساعتين، فتصير حصة اللغتين الأجنبيتين أربع ساعات (15.7% من الأسبوع)، أي أكثر من ضعفي نسبة الإنجليزية في فرنسا وقرابة ضِعفها في الصين، وإذا أضفنا إليها ثلاث ساعات للأمازيغية بلغ مجموع ما يدرَّس بغير العربية سبع ساعات، أي 27.5% من الأسبوع، مقابل ست ساعات ونصف الساعة للعربية (25.5%)، وبعبارة أوضح فإن التلميذ ابن العاشرة يقضي في تعلّم لغات أخرى غير لغته الأم وقتًا أطول مما يقضيه نظيرُه في فرنسا والصين، رغم عالمية اللغة العربية وتأثيرها في اللغات العالمية.
لذلك، وبناء على تلك المعطيات المتعلقة بالحالة الفطرية للمتعلم، وإلزامية عدم مزاحمة اللغات الأجنبية للغة الأم، وضبط الحجم الساعي المتوازن مع سهولة اللغة الإنجليزية، وتجارب الأمم السابقة، تغدو المراجعة الجذرية لكمّ تدريس اللغات الأجنبية ونوعيته أمرًا لازمًا، ومن ذلك العزل النهائي للفرنسية ودحرجتها إلى الطور الثانوي شأنها شأن سائر اللغات كالإسبانية والإيطالية، وبدء الإنجليزية في المتوسط، وإخلاء الابتدائي من أي لغة أجنبية، لتقتصر على اللغة العربية الإجبارية واللغة الأمازيغية لغة وطنية اختيارية، بما يضمن ترسيخ المواطنة والانتماء لدى الطالب منذ صغره ويحميه من الاغتراب النفسي والثقافي عن وطنه في سن مبكرة.
تمكين البحث العلمي بين الحقيقة والخيال
لا شك أن تدريس الإنجليزية خطوة مباركة، وامتداد للمعجزة الجزائرية في التعليم غداة الاستقلال، لكنها ليست حلًّا سحريًّا لمشكلات البلد والأمة عامة، ولا للبحث العلمي والتطور خاصة، فذلك مرهونٌ بإصلاحات شاملة مرافِقة ذات رؤية وأهداف استراتيجية، حتى لا تقول الأجيال المقبلة، كما قال العرب قديمًا «قميص عثمان» (رضي الله عنه)، أي أن التعديلات الوزارية قد تبدو محايدة في ظاهرها، لكنها انتقائية في أثرها، فحين يُمسّ تخصُّصان متقابلان في القرار نفسه كالفلسفة والعلوم الإسلامية يفقد كل من الطرفين مصداقية الحجة، ويتحول الجدل من مساءلة القرار إلى اقتتال بين الطرفين رغم العلاقة الوطيدة بين الفلسفة والدين، ويكتمل المشهد بقضايا موازية كجدل الفرنسية والإنجليزية، تستهلك المساحة التربوية كاملة من دون النظر إليها من زوايا مختلفة.
ورغم تصنيف نحو 3000 جامعة من بين 30 ألفًا عالميًّا، ووجود بعض الجامعات الجزائرية ضمن الترتيب من 500 إلى 1500، فإن العدد الحقيقي للجامعات المنتِجة والمصدِّرة للعلوم والتكنولوجيا عالميًّا، أي التي تعدُّ مرجعًا تعتمد عليه أغلب الجامعات في العالم بما يوصف بالتأثير ذي الاتجاه الواحد لا العكسي، أو بالتبعية المعرفية أحادية الاتجاه، من دون أن تحدث جامعاتنا بدورها تأثيرًا عكسيًّا يغيّر في واقع الإنسان والتكنولوجيا العالمية، يظل محدودًا؛ إذ يقتصر عدد الجامعات العالمية الفاعلة على ما بين 100 و200 جامعة فقط حول العالم، بل إن بعض الإحصاءات تحصرها في أقل من 50جامعة عالمية منتِجة ومصدِّرة للأفكار والتكنولوجيا والبحوث غير المسبوقة، ويمكن تمييزها بسهولة عبر معيار الاستشهادات، إذ تستأثر النسبة البالغة 1% من جامعات العالم (أي 300 جامعة من أصل 30 ألفًا) بنحو 70% من الاستشهادات المرجعية في المجالات التقنية والاقتصادية، بينما تتوزع الـ30% المتبقية على بقية المؤسسات البحثية، والمصنفة غالبًا ضمن الألف الأولى.
تبقى العبرة الحقيقية بمدى استفادة البلاد من هذه البحوث وتطبيقها ميدانيًّا، عبر تنفيذ إصلاحات جذرية لا حلولٍ تجميلية تزيد الوضع تعقيدًا، ومن ثم ينبغي التمييز بين البحث النظري والتطبيقي، وبين التبعي والريادي، وربط التميز العلمي بأثره لا بعدده وصداه.
ورغم أن الإنجليزية تظل لغة البحث في الدراسات العليا، فإن الإنتاج الأصيل يرتبط ارتباطًا وثيقًا باللغة الأم، وهي وحدها التي يعود إتقانها والعمل بها بالفائدة على اقتصاد الوطن، بدلًا من الاكتفاء بالبحوث النمطية المعتمِدة على جهود الجامعات الأخرى، إذ يجب إدراك أن كثرة الكم وحدها ليست معيارًا للتقدم الاقتصادي والاجتماعي، فثمة دول عديدة لا تحظى جامعاتها بتصنيفات عالمية متقدمة، ومع ذلك تظل في طليعة البلدان الأكثر تطورًا ونماءً، ومنها أستراليا والدول الإسكندنافية وبعض دول الخليج العربي.
وللتجاوز الفعلي لهذه الإشكالية والتحرر من أعباء الماضي والحاضر، ومن أجل الخروج من عنق الزجاجة بسلام، لا بد من مواجهة المشكلات بإصلاحات جذرية شاملة بعيدًا عن الحلول الترقيعية والتجميلية، لأن الأمر ليس بالضرورة رهين اللغة وحدها، بل رهين شروط النهضة التي يجب توفيرها لإنجاح العملية التربوية والتعليمية من الابتدائي إلى العالي، ويكفينا فخرًا أن دولًا عربية كسوريا والأردن نجحت في تعريب مجال الطب، حتى إن من أفضل الأطباء في الخارج من حملة الجنسيتين الأردنية والسورية، وهي التجربة نفسها التي خاضتها دولة كوبا مع اللغة الإسبانية، فرغم الحصار الاقتصادي والعسكري المفروض عليها، فإنها تُصنَّف ضمن الأوائل عالميًّا في المنظومة الصحية، اعتمادًا كاملًا على لغتها الأم، وقد أضحت من أكبر الدول المصدِّرة للأطباء والمكوِّنة لهم في العالم.
إن الخروج من هذه المعضلة وتجنُّب هذه الاختلالات ممكنان بحلول عملية وإرادة سياسية، منها استقدام أساتذة ومكونين من الخارج لفترات محددة لتدريس الإنجليزية في مراكز البحث الجامعية، ويمكن جلب أساتذة الإنجليزية من كينيا والهند وباكستان وتنزانيا، فلها تجارب تعليمية مشهودة، ومستويات أجور مقاربة لنظيرتها في الجزائر أو أقل منها، وما دام بمقدورنا استقدام عمالة أجنبية لمشاريع البنية التحتية و من أجل التعريب في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، فمن باب أولى استقدام كفاءات لتدريس الإنجليزية وتكوين المكونين والباحثين والأساتذة محليًّا، وهذا الخيار أنجع وأوفر من ابتعاث الأساتذة والباحثين إلى الخارج بتكاليف باهظة من دون ضمان عودتهم، وفيه كذلك تجنبٌ لتأثرهم باللوبيات الخارجية، على أن توفر الشروط اللازمة للنجاح العلمي والاقتصادي.
الأمر لا يقتصر على التجربة الرواندية، تجربة الدولة الشجاعة التي تخلت عن الفرنسية لصالح الانجليزية بعد الحرب الأهلية التي دعمتها فرنسا وبلجيكا، دون انتظار عقود، فسبقت فيها لغة الأفعال لغة الأقوال، وثمة دول تخلت عن الروسية لتعتمد الإنجليزية لغة ثانية، مثل جورجيا عقب أحداث 2008، ومثلها أرمينيا بعد 1990.
ثمة دول حققت نجاحات مشهودة في تمكين الإنجليزية لغة ثانية دون التفريط في هويتها وثقافتها، رغم انعدام الصلة التاريخية مع بريطانيا أو الولايات المتحدة، ومنها النموذج الإسكندنافي، مع أن تلك الدول كان بوسعها أن تختار لغات جاراتها كالألمانية أو الروسية لغة ثانية، وكذا نموذج جنوب شرق آسيا كماليزيا وسنغافورة، إذ نجحت تعليميًّا وتربويًّا في إدماج الإنجليزية من دون إحداث صراع بين الهوية واللغة الأم، ومن دون تدهور اقتصادي وثقافي.
الإنجليزية لغة سلسة يسهل تعلمها في أي مرحلة عمرية، بخلاف الفرنسية المعقدة التي يجب ألا تُقحم في المرحلة الابتدائية إطلاقًا، فإزاحة اللغات الأجنبية من الابتدائي تتيح للأطفال وقتًا أطول للتعلم والنمو، لا سيما في مناهج دراسية شاقة تمتد من سبع إلى ثماني ساعات يوميًّا، ومن ثم فإن معركة «الحجم الساعي للّغات الأجنبية» ينبغي ألا تخاض في الابتدائي بل في المتوسط، بحذف الفرنسية من الابتدائي والمتوسط، وإدراج الإنجليزية من السنة الأولى متوسط.
بناء على تلك المعطيات المتعلقة بالحالة الفطرية للمتعلم، وإلزامية عدم مزاحمة اللغات الأجنبية للغة الأم، وضبط الحجم الساعي المتوازن مع سهولة اللغة الإنجليزية، وتجارب الأمم السابقة، تغدو المراجعة الجذرية لكمّ تدريس اللغات الأجنبية ونوعيته أمرًا لازمًا، ومن ذلك العزل النهائي للفرنسية ودحرجتها إلى الطور الثانوي شأنها شأن سائر اللغات كالإسبانية والإيطالية، وبدء الإنجليزية في المتوسط، وإخلاء الابتدائي من أي لغة أجنبية، لتقتصر على اللغة العربية الإجبارية واللغة الأمازيغية لغة وطنية اختيارية.