-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

معاهد التكوين دعامة أساسية لمشروع الإصلاح التربوي

عومر بن عودة
  • 24
  • 0
معاهد التكوين دعامة أساسية لمشروع الإصلاح التربوي

يشكل التكوين أحد أهم الركائز التي يقوم عليها أي مشروع جاد لإصلاح المنظومة التربوية، لأن الإصلاح لا يمكن أن ينجح بالنصوص والمناهج والهياكل وحدها مهما كانت أهميتها، وإنما يحتاج إلى أستاذ وموظف يمتلكان الكفاءة والمهارات والقدرة على تحويل التوجهات الإصلاحية إلى ممارسات فعلية داخل المؤسسة التربوية.

ومن هذا المنطلق يمثل الدخول التكويني لموسم 2026–2027 فرصة مهمة لإعادة التفكير في طبيعة التكوين الذي يحتاجه الأستاذ والموظف، بما يجعله جزءا من مشروع إصلاح المنظومة التربوية، وليس مجرد مرحلة إدارية أو إجراء مرتبط بالتوظيف أو بداية المسار الوظيفي.

وتأتي هذه الرؤية في سياق الجهود التي تبذلها وزارة التربية الوطنية بقيادة الوزير الدكتور محمد الصغير سعداوي، سعيا إلى تطوير قطاع التربية والارتقاء بأدائه وتجويد التعليم، وتجسيدا لتوجهات الدولة وبرنامج رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، لاسيما من خلال الاستثمار في العنصر البشري وتحسين أداء مختلف مكونات المنظومة التربوية.

فإذا كان الإصلاح التربوي يستهدف بناء مدرسة أكثر جودة وفعالية وقدرة على الاستجابة لمتطلبات الحاضر والمستقبل، فإن التكوين يجب أن يكون الأداة التي تمكن الأستاذ والموظف من فهم هذا الإصلاح واستيعاب أهدافه وتجسيده في الميدان.

ومن هنا تبرز أولا ضرورة فتح المعاهد الجديدة للتكوين وتجهيزها وتأطيرها، وتوفير الظروف المناسبة لأداء مهامها، مع ضمان التأطير الإداري والبيداغوجي النوعي، والاستعانة بمكونين يمتلكون الكفاءة العلمية والخبرة الميدانية.

لكن الأهم من فتح الهياكل هو تحديد ماذا نريد من التكوين؟ وما الذي يحتاجه الأستاذ والموظف فعلا حتى يكونا قادرين على مواكبة مشروع إصلاح المنظومة التربوية؟

بالنسبة إلى الأستاذ ينبغي أن ينطلق التكوين من القسم ومن علاقته اليومية بالمتعلم، فالأستاذ يحتاج إلى تكوين يساعده على تحويل المناهج والبرامج إلى ممارسات تعليمية فعالة، ويمنحه الأدوات التي تمكنه من تحقيق الكفاءات وصقل مهارات المتعلمين.

فالتكوين المطلوب ليس مجرد تزويد الأستاذ بمعلومات نظرية إضافية، وإنما تدريبه على بناء وضعيات التعلم، وتشخيص المكتسبات، واكتشاف الصعوبات، ومراعاة الفروق الفردية، وتنويع طرائق التدريس، وتوظيف التقويم، وتقديم الدعم والمعالجة البيداغوجية، وإدارة القسم، وتحفيز المتعلم على التفكير والبحث وحل المشكلات.

كما ينبغي أن يساعد التكوين الأستاذ على فهم التحولات التي يعرفها التعليم، خاصة في مجالات الرقمنة والذكاء الاصطناعي والموارد التعليمية الرقمية وطرائق التقويم الحديثة، مع الحفاظ على خصوصية المدرسة الجزائرية وثوابتها وأهدافها التربوية.

أما الموظف بمختلف أسلاكه، فهو أيضا عنصر أساسي في نجاح الإصلاح، لأن المؤسسة التربوية منظومة متكاملة لا يقوم أداؤها على الأستاذ وحده.

فـالمقتصد يحتاج إلى تكوين يرتبط بالتسيير المالي والمادي والمحاسبة وتسيير الممتلكات والمطاعم المدرسية، ومواكبة النصوص والإجراءات والرقمنة.

ومستشار التوجيه والإرشاد المدرسي والمهني يحتاج إلى تكوين متخصص في مرافقة المتعلمين، وتشخيص الصعوبات، والتوجيه وبناء المشاريع الدراسية والمهنية، والتواصل والإرشاد.

أما مدير المؤسسة التربوية، باعتباره المسؤول الأول عن تسيير المؤسسة وقيادتها، فيحتاج إلى تكوين متخصص ومستمر يتناسب مع حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقه. فمدير المدرسة اليوم لا يحتاج فقط إلى معرفة النصوص، وإنما يحتاج إلى مهارات القيادة التربوية والإدارية والتخطيط، وإدارة الموارد البشرية، وحل النزاعات، والتواصل، واتخاذ القرار، ومتابعة الأداء البيداغوجي والإداري، وإدارة الأزمات، وتوظيف الأنظمة الرقمية، وبناء علاقات إيجابية مع الأسرة التربوية والشركاء ومحيط المؤسسة.

كما أن تكوين المدير ينبغي أن يجمع بين الجانب القانوني والتنظيمي والجانب القيادي والتربوي، وأن يرتبط بالوضعيات التي يواجهها يومياً داخل المؤسسة، بما يسمح له بالانتقال من مجرد تسيير الإجراءات إلى قيادة مشروع المؤسسة وتحسين أدائها.

وبالنسبة لمفتشي التربية الوطنية بمختلف تخصصاتهم، فإن التكوين المستمر يعد أكثر أهمية بالنظر إلى أدوارهم في التأطير والمرافقة والتقييم والتكوين، فمفتش الإدارة يحتاج إلى مواكبة المستجدات في التشريع والتسيير والقيادة، ومفتش المادة يحتاج إلى مواكبة التطورات العلمية والبيداغوجية وطرائق التدريس والتقويم، بينما يحتاج مفتش التسيير المالي والمادي إلى مواكبة المستجدات في التشريع المالي وآليات التسيير والرقابة.

كما تحتاج مجالات التوجيه المدرسي والتربية الوطنية وغيرها من مجالات التأطير والتفتيش إلى برامج متخصصة تراعي طبيعة المهام وتطور احتياجات المدرسة.

وعليه فإن التكوين لا ينبغي أن يكون نسخة واحدة لجميع الموظفين، بل ينبغي أن يجمع بين تكوين مشترك في القضايا العامة للمنظومة التربوية، وتكوين متخصص يتلاءم مع مهام كل سلك واحتياجاته الفعلية في الميدان.

ومن أهم ما ينبغي إعادة النظر فيه كذلك طبيعة العلاقة بين التكوين والعمل، فالتكوين الأكثر نجاعة هو الذي يحقق التوازن بين النظري والتطبيقي، بحيث يتلقى الأستاذ أو الموظف المعارف والأدوات خلال فترة التكوين، ثم يعود إلى المؤسسة لتجريبها وتطبيقها، قبل أن يعود مرة أخرى إلى فضاء التكوين لمناقشة الصعوبات وتبادل الخبرات وتصحيح الممارسات.

وبذلك يصبح الميدان جزءا من عملية التكوين، ويصبح التكوين وسيلة لتحسين الممارسة، وليس مجرد دروس تلقى داخل قاعة.

كما ينبغي تحيين برامج التكوين باستمرار، وربطها باحتياجات المدرسة الجزائرية وبالتطورات العلمية والتكنولوجية العالمية، حتى لا يتحول التكوين إلى محتوى ثابت في منظومة تربوية متغيرة.

وتبرز كذلك ضرورة تحيين النصوص التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالتكوين، بما يوضح أهدافه ومراحله وآليات تنظيمه وتقييمه، ويربطه بالمسار الوظيفي والتطور الفعلي في أداء الموظف.

إن المعيار الحقيقي لنجاح التكوين لا ينبغي أن يكون عدد ساعات التكوين أو عدد الدروس المقدمة، وإنما أثره في الميدان: هل أصبح الأستاذ أكثر قدرة على تحقيق الكفاءات وصقل مهارات المتعلم؟ هل أصبح الموظف أكثر قدرة على أداء مهامه؟ هل أصبح المدير أكثر قدرة على قيادة مؤسسته؟ هل أصبح المقتصد أكثر كفاءة في التسيير؟ هل أصبح مستشار التوجيه أكثر قدرة على مرافقة التلميذ؟ وهل أصبح المفتش أكثر قدرة على التأطير والمرافقة والتقييم؟

إن تطوير منظومة التكوين أصبح ضرورة، والانتقال من التكوين المناسباتي إلى التكوين المستمر، ومن التلقين إلى بناء الكفاءة، ومن المعرفة النظرية إلى الممارسة التطبيقية، ومن البرامج الجامدة إلى التكوين المبني على الاحتياجات الحقيقية للميدان.

وفي هذا السياق، فإن الجهود التي تبذلها وزارة التربية الوطنية بقيادة الدكتور محمد الصغير سعداوي في سبيل تطوير القطاع وتجويد التعليم تكتسب أهمية خاصة، لأن نجاح الإصلاح يتطلب مواصلة الاستثمار في تكوين وتأهيل العنصر البشري، باعتباره أساس كل تغيير مستدام داخل المدرسة.

إن إصلاح المنظومة التربوية ليس مشروعا ظرفيا، وإنما مسار متواصل يتطلب رؤية واضحة، وتخطيطا، وتقييما وتكوينا مستمرا للذين يحملون هذا المشروع إلى الميدان.

ومن ثمّ، فإن الدخول التكويني 2026–2027 ينبغي أن يكون فرصة لبناء نموذج تكويني أكثر ارتباطاً بمشروع الإصلاح، يجعل من الأستاذ محورا في العملية التعليمية، ومن المدير قائدا للمؤسسة، ومن الموظف شريكا في تحسين أدائها، ومن المفتش مؤطرا ومرافقا وداعما لجودة الممارسة.

فالمدرسة التي نريد بناءها غدا ينبغي أن نبدأ بتكوين رجالها ونسائها اليوم، تكوين الأستاذ من أجل متعلم أكثر كفاءة، وتكوين المدير من أجل مؤسسة أكثر قيادة وفعالية، وتكوين الموظف والمفتش من أجل أداء أكثر جودة، والتكوين في مجمله من أجل إصلاح تربوي يتحول من الأفكار والنصوص إلى واقع ملموس داخل المدرسة الجزائرية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!