-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

المولد النبويّ…. عَبَق ذكرى ونبض أشواق

سلطان بركاني
  • 35
  • 0
المولد النبويّ…. عَبَق ذكرى ونبض أشواق

ربّما يكون “ربيع الأوّل” أحبّ الشهور إلى قلوب عباد الله المؤمنين، بعد رمضان، وبعد ذي الحجّة. وكيف لا يكون كذلك وقد أذن الله فيه بولادة أفضل من مشى على الغبراء وخير من أظلّته السّماء، أتقى عباد الله لله وأعرفهم بربّه ومولاه وأحبّ خلق الله إلى الله… من صارت محبّته شعارا لأهل الإيمان، والشّوق للقياه شعورا يملأ جوانح المسلمين مدى الأزمان.
علم أصحابه أنّه أحبّ خلق إلى الله، ورأوا من طيب معشره وحيائه وحلمه وعفوه وجوده وحسن كلامه وبهاء منطقه وجمال ابتسامته، ما أذهلهم وأسر قلوبهم، فأحبّوه حبا فاق حبّهم لآبائهم وأمّهاتهم وأبنائهم وأموالهم وكلّ ما يملكون، قال علي بن أبي طالب -رضـي الله عنه-: “كان –والله- أحبَّ إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظمأ”، وقال أنس بن مالك –رضـي الله عنه-: “كان رسول اللَّه -صلَّى اللَّه عليه وسلّم- يُقبل وما على الأرض شخص أحبّ إلينا منه”… وكان الواحد منهم من شدّة حبّه وإجلاله له والحياء منه، لا يملأ عينيه بالنّظر إليه، يقول عمرو بن العاص: “لو سُئلتُ أن أَصفه ما أطقت، لأنّي لم أكن أملأ عينيّ منه”.
كانوا لا يصبرون على فراقه ولا يطيقون طول البعد عنه، حتى كان الواحد منهم يعود إلى بيته بعد العشاء، فما يحين وقت الفجر حتى يشتاق للقيا حبيبه المصطفى –عليه الصلاة والسّلام-… كان أكثر ما يخشاه أحدهم أن يفرّق الموت بينه وبين حبيبه المصطفى –عليه الصّلاة والسّلام-؛ فهذا ثوبان بن بجدد مولى الشفيع –عليه السّلام-، يأتي النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- يوما وقد تغيّر لونه، فيسأله النبيّ: ما غيّر لونك يا ثوبان؟ فيقول: يا رسول الله ما بي من مرض ولا وجع، غير أني إذا لم أرك اشْتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتّى ألقاك، ووالله إنك لأحبّ إلي من نفسي وأهلي وولدي، وإني لأكون في البيت، فأذكرك فما أصبر حتى آتيك، فأنظر إليك، وإذا ذكرت الآخرة عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك”. فنزل قول الله –تعالى-: ((وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا)).
وهذا أنس بن مالك -رضـي الله عنه- يروي عن واقعة كانت من أكثر الوقائع التي فرح بها الصحابة –رضـي الله عنه-؛ يروي أنّ رجلا من أهل البادية أتى النّبيّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- فقال: يا رسول الله، متى السَّاعة؟ قال: ويلك! وما أعددتَ لها؟ قال: ما أعددتُ لها إلَّا أنّي أُحبّ الله ورسوله، قال: “إنّك مع من أحببت”. فقال الصّحابة: ونحن كذلك؟ قال: “نعم”. ففَرِح الصّحابة يومئذ فرحا شديدًا.
كان الواحد من الصّحابة على أتمّ الاستعداد لأن يفدي حبيبه المصطفى –عليه الصّلاة والسّلام- بروحه وأهله أجمعين؛ وقد سجّلت كتب السّير كيف كانوا يتدافعون بين يديه في الغزوات حتّى لا يشاك بشوكة، وكانوا يرون كلّ مصيبة دونه هيّنة، وكان الواحد منهم يقول بكلّ صدق: “بأبي أنت وأمّي يا رسول الله”… ومن روائع ما سجّلته كتب السير من مواقفهم ما رواه ابن هشام في السيرة، عن سعد بن أبي وقاص –رضـي الله عنه- قال: “مرَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بامرأة من بني دينار وقتَ أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله –صلـى الله عليه وسلم- في أُحُد، فلما نُعوا لها، قالت: ما فعل رسول الله –صلـى الله عليه وسلم-؟ قالوا: خيراً يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين، قالت: أرونيه حتى أنظر إليه، قال: فأشير لها، حتى إذا رأته قالت: “كلّ مصيبة بعدك جَلل (صغيرة)”.
لما مات الحبيب –عليه الصّلاة والسّلام- أظلمت المدينة كلّها على الصّحابة، وطاشت عقول كثير منهم حتّى ما دروا ما يقولون ولا ما يفعلون، وبعضهم من هول الصّدمة لم يصدّق أنّ حبيبه قد مات، وقد وصل الأمر بعمر بن الخطّاب أنّه تهدّد من يقول إنّ النبيّ –عليه السّلام- قد مات. حتى قام الصدّيق –رضـي الله عنه- خطيبا فيهم ووضعهم أمام الحقيقة التي لا مفرّ منها؛ فحزنوا حتّى أنكروا قلوبهم، وحتى عزّ عليهم كيف يدفنون من ملأ بالنّور حياتهم.
ما كان لهم أن ينسوا ذكراه، بل قد عاشوا بعده يتذكّرونه في كلّ موقف وفي كلّ مكان… وهذا واحد من أقربهم إليه، بلال بن رباح، مؤذّن النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-، لم يستطع أن يمكث في المدينة بعد رحيل خليله عليه الصّلاة والسّلام، فانتقل إلى الشّام، حتى كانت خلافة عمر بن الخطّاب –رضـي الله عنه- وقدم إلى الشام فسأله المسلمون أن يسأل بلالاً أن يؤذن لهم بعد أن انقطع عن الأذان سنوات، فسأله عمر، فأذن يوماً، فلم يُرَ يومٌ كان أكثر باكياً من يومئذ، وهم يتذكّرون أيام شفيعهم -عليه الصّلاة والسّلام-… وعاش بلال بعد رحيل حبيبه –عليه الصّلاة والسّلام- 9 سنوات يملأ الشّوق والحنين عليه جوانحه، وحين حضرته الوفاة استبشر وتهلّل وقال: “غدا ألقى الأحبّة محمّدا وصحبه”.
وعلى نهج الصّحابة سار التابعون وأتباعهم في محبّتهم وشوقهم للقاء النبيّ –صلّى الله عليه والسّلام-. هم لم يروا النبيّ –صلّى الله عليه وآله وسلّم- ولكنّهم رأوا آثاره، وسمعوا عنه من الصّحابة ما ملأ قلوبهم محبّة وإجلالا له ولحديثه وشوقا له وللقياه… فهذا أحدهم، عامر بن عبد الله بن الزبير، كان إذا ذكر عنده النبي –صلـى الله عليه وسلم- بكى حتى لا يكاد يبقى في عينيه دموع… وهذا صفوان بن سليم، كان إذا ذُكر النبي –صلـى الله عليه وسلم- بكى، فلا يزال يبكي حتى يقوم الناس عنه ويتركوه… وهذا أيوب السختياني، يروي الإمام مالك –رحمهما الله- عن عظيم شوقه للحبيب المصطفى –صلّى الله عليه وسلّم- فيقول: “حجّ أيوب السختياني حجتين، فكنت أرمقه، ولا أسمع منه، غير أنه كان إذا ذُكر النبي –صلـى الله عليه وسلم-، بكى حتى أرحمه ، فلما رأيت منه ما رأيت، وإجلاله للنبي –صلـى الله عليه وسلم- كتبت عنه”… وهذا الإمام مالك بن أنس نفسه، كان إذا ذُكر النبي –صلـى الله عليه وسلم- يتغير لونه وينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه، فقيل له يوماً في ذلك، فقال: “لو رأيتم ما رأيت –يعني من شوق من قبلي- لما أنكرتم عليَّ ما ترون”… وهذا الإمام جعفر بن محمد الصّادق –رحمه الله- كان كثير الدعابة والتبسم، فإذا ذُكر عنده النبي –صلـى الله عليه وسلم- انقطع وتغيّر لونه… وكان الإمام الزهري –رحمه الله- من أهنأ الناس وأقربهم، فإذا ذُكر عنده النبي –صلـى الله عليه وسلم- فكأنه ما عرفك ولا عرفته.

ماذا عن أشواقنا؟!
هكذا كان الصّحابة والتابعون والصّالحون في محبّتهم وشوقهم للنبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-؛ فماذا عنّا نحن؟ هل نجد في قلوبنا أنّه أحبّ إلينا من والدِينا وأولادنا وأموالنا وأنفسنا والنّاس أجمعين؟ هل تنشرح قلوبنا وتصغي أسماعنا عند سماع أحاديثه؟ هل نسلّم لكلامه ونعظّمه أم إنّنا نجادل ونناقش ونعرض آراءنا وأهواءنا وأذواقنا في مقابل حديثه؟ هل تحنّ قلوبنا إذا ذكرت سيرته؟ هل نتمنّى أن يطول الحديث عنه في الخطب والدّروس، أم إنّنا نشعر بالملل عند تكرار الحديث عن مواقفه وغزواته وأيامه؟ هل نهتمّ بتعلّم سنّته والعمل بها في أنفسنا وبيوتنا؟ هل نحرص على الاقتداء به في تهوينه من شأن الدّنيا وحرصه على الآخرة وفي علوّ أخلاقه وزكاء معدنه؟
من حقّنا أن نفرح بذكرى مولده، لكن ينبغي ألا يكون مبلغ سعينا في هذه الذّكرى عشاء دسم نأكله ودرس قصير نحضره! بل ينبغي لنا أن نراجع أنفسنا وننظر في أحوالنا، ونبحث عن حبيبنا -عليه الصّلاة والسّلام- في قلوبنا وأرواحنا، وفي أخلاقنا وعبادتنا وأعمالنا.
ليحرصْ كلّ واحد منّا على أن يكون من أولئك الذين أخبر عنهم الحبيب –عليه الصّلاة والسّلام- حين قال: “مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِه” (مسلم). وليحرص على أن يكون من إخوان النبيّ –صلّى الله عليه وآله وسلّم- الذين لم يرهم واشتاق إليهم وتمنّى لقاءهم؛ حيث قال: “وددتُ أني لقيتُ إخواني”، فقال أصحابُه: أوليسَ نحنُ إخوانَك؟ قال: “أنتم أصحابي، ولكن إخواني الذين آمنُوا بي ولم يَرَوْنِي”.
وحتّى نبلغ هذه المنزلة العظيمة، ونكون ممّن اشتاق الحبيب –صلّى الله عليه وسلّم- للقائهم، يتعيّن علينا أن نخرج حبّ الدّنيا من قلوبنا، وأن تكون الآخرة أكبر همّنا، وتكون طاعة الله وطاعة رسوله مقدّمة على كلّ طاعة أخرى في حياتنا، ويكون السّجود بين يدي الله أحبّ إلينا من الدّنيا وما فيها؛ عن ربيعة بن كعب الأسلمي –رضـي الله عنه- قال: كنت أبيتُ مع رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- فأتَيتُه بوَضوئه وحاجته، فقال لي: سَلْ، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنّة. قال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك. قال: “فأعنّي على نفسك بكثرة السّجود”… إنّه لا يتعلّق قلب عبد مؤمن بالصّلاة وبالسّجود إلا وامتلأ قلبه بمحبّة الله –جلّ وعلا- والشّوق للنّظر إلى وجهه الكريم، وبمحبّة النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- والشّوق للقياه والسّكنى قريبا منه في الجنّة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!