-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

كان لِلْعِلم الفرنسي مجدٌ… فأينَ هو اليوم؟

كان لِلْعِلم الفرنسي مجدٌ… فأينَ هو اليوم؟

نواصل في هذا المقال تفكيك الخطاب الفرنكوفيلي الذي يخوض هذه الأيام حملة سياسية وإيديولوجية مكشوفة ضد كل محاولة لدعم مكانة اللغة العربية في المدرسة، أو فتح المنظومة التعليمية الجزائرية على لغات أخرى، وفي مقدمتها الإنكليزية.

فالمسألة، بالنسبة إلى هؤلاء، لم تعد نقاشا تربويا حول مصلحة التلميذ ومستقبل المدرسة، وإنما تحولت إلى معركة للدفاع عن موقع تاريخي للغة الفرنسية وعن النفوذ الثقافي والسياسي المرتبط بها.

1. إلصاق التهم لكل معارض

والمثير للسخرية أن دعاة “الانفتاح” هؤلاء لا يترددون في ممارسة أقصى أشكال الإقصاء تجاه كل من يخالفهم. فمن يطالب بتعزيز العربية يُعَدّ عندهم “إسلامويا-بعثيست”، ومن ينتقد هيمنة الفرنسية يصبح “أصوليًا-ظلاميا” أو “جاهلا بلغة فولتير من قوم أبي جهل”، ومن يدافع عن الإنكليزية يصبح، حسب قاموس التخوين نفسه، أداةً لـ”الاستعمار الجديد” بقيادة الولايات المتحدة. أما إذا كان صاحب الرأي متقنًا للفرنسية، فهنا تُستخرج تهمة “المثقف الفرنكوفوني الممارس للبروباغندا”، وهلمّ جرا! إنها عقلية سياسية لا تهدف لمعرفة أيّ منظومة لغوية تخدم المدرسة الجزائرية بصورة أفضل، ولا مقارنة التجارب الدولية، ولا دراسة التحولات التي يعرفها العلم والاقتصاد والتعليم.

والحقيقة التي يرفض هؤلاء الاعتراف بها هي أن مدرستنا ليست ملكًا للفرنكوفونية، وأن الفضاء الثقافي الجزائري ليس امتدادا طبيعيا لفضاء فرنسي، وأن اللغة الفرنسية ليست جواز سفر إلى العلم والحداثة. مرة أخرى، نحن لا ندعو إلى إلغاء الفرنسية، ولا إلى الانغلاق على العالم، بل إلى العكس تمامًا: ندعو إلى مدرسة متعددة اللغات، قوية في اللغة العربية، منفتحة على الإنكليزية، ومحتفظة بالفرنسية كلغة أجنبية لمن يحتاج إليها. الفرق أن هذا التصور يجعل اللغات أدوات في خدمة البلاد، ولا يجعلها رهينةً لتاريخ لغوي فرضته ظروف استعمارية لم تعد قائمة اليوم.

والأكثر دلالة أن بعض المدافعين عن هذا الوضع يتحدثون عن “العالمية” وهم لا يرون من العالم إلا الجزء الذي يمر عبر باريس. لقد تغيّر العالم وكذا مواقع مراكز العِلم، وصارت الإنكليزية لغةً مركزية في البحث العلمي والاقتصاد العالمي والتواصل، بينما تتوسع العربية في مجالاتها وفضائها الجغرافي والثقافي. ومع ذلك، لا يزال البعض يتصرف وكأن مستقبل الجزائر يجب أن يُقاس حصريًا بمقدار قربها من فرنسا: الجزائر ليست ملحقة ثقافية فرنسية، والمدرسة الجزائرية ليست مؤسسةً فرنكوفونية، واللغة الفرنسية ليست معيار الوطنية ولا معيار الذكاء ولا معيار العلم في القرن الحادي والعشرين.

2. البداية كانت في القرن 16م

في هذا السياق دعنا نسلط بعض الضوء على واقع العِلم الفرنسي. وقد يقول قائل: لماذا العِلم الفرنسي بالذات وليس عِلم دول أخرى؟ فنجيب أن غرضنا هو محاولة إسقاط حجة من يقضون وقتهم في مغالطتنا حول وضع العِلم الفرنسي والعالم بغية التشبث بـ”غنيمة الحرب” .

وبداية هذا العِلم ولغته كانت عند المنعطف القانوني الأبرز للغة الفرنسية سنة 1539م حين صدر مرسوم في عهد الملك فرانسوا الأول يفرض تحرير الوثائق الإدارية والقضائية بـاللغة الفرنسية عوض اللغة اللاتينية. ومن ثم تطورت اللغة والعِلم الفرنسيين وتواصل في القرن السابع عشر، مع أمثال ديكارت وباسكال، وتم تأسيس أكاديمية العلوم عام 1666م. وازداد هذا التقدم خلال القرنين المواليين حيث أحدث علماء أمثال أمبير ولافوازييه وفورييه وباستور ثورات في الفيزياء والبيولوجيا والكيمياء، جاعلين من فرنسا واحدة من أكثر الأمم العلمية نفوذًا وازدهارا في العالم.

وفي القرن العشرين حافظ علماء فرنسا على هذا التميّز، ونالوا جوائز عالمية كثيرة على هذا الإشعاع العلمي، بينما كان المركز القومي للبحث العلمي (CNRS)، الذي أُنشئ في فرنسا عام 1939، يُهيكل البحث العلمي الريادي. وفي مجال الرياضيات، أحدثت مجموعة بورباكي، التي تأسست عام 1935 على أيدي نخبة من الشباب اللامع نقلة عميقة في هذا العلم امتدّ خارج الحدود الفرنسية، جاعلا من المدرسة الرياضياتية الفرنسية مرجعا عالميا حتى نحو ثمانينيات القرن العشرين.

وهكذا كانت فرنسا من بين أوائل الدول العلمية في العالم، تنافس ألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي واليابان. غير أن الرياح التي كانت تحمل العلم الفرنسي غيرت اتجاهها نحو دول في آسيا، وعلى رأسها الصين. وبدأت فرنسا في العقود الأخيرة تفقد مكانتها المتقدمة، ليس لأنها تنتج أقل فحسب، بل لأن دولا أخرى شهدت نموا أسرع منها بكثير، مما أدى إلى تراجع نفوذها العلمي مع تقلص نفوذها الاستعماري.

3. 1943: العِلم الاستعماري

يتناسى الفرنكوفيل أن فرنسا أنشأت عام 1943 هيئة علمية باسم “ديوان البحث العلمي الاستعماري” (ORSC)، ثم تحوّل هذا الديوان عام 1953 فصار يسمّى “ديوان البحث العلمي والتقني لما وراء البحار” (ORSTOM)، قبل أن يتغير اسمه مجددا عام 1998 ليصبح “معهد البحث من أجل التنمية ” (IRD). واللافت أن هذه الهيئة مؤسسة تديرها وزارتان: الوزارة المكلفة بالبحث العلمي ووزارة الشؤون الخارجية. كان هدف المؤسسة واضح، وهو استغلال ثروات المستعمرات اقتصاديا.

وقد صيغ هدف المعهد بأنه مؤسسة بحثية تعمل بالشراكة مع بلدان الجنوب. لكن الهدف واحد منذ البداية. رغم أنه يقول اليوم أن مهمته الحالية تمثل “النقيض تمامًا” لما كانت عليه مهمته خلال أربعينيات القرن العشرين!

يضم الآن المعهد أكثر من 2300 موظف، منهم 946 باحثًا. ويشير التقرير السنوي لنشاط المعهد لعام 2025 إلى أنه يوظف نحو 2250 شخصا خارج فرنسا في مختلف أنحاء العالم. ويعمل مع أكثر من 50 دولة، وأن لديه 26 تمثيلية خارج أوروبا. وتتركز شراكاته في إفريقيا، وأمريكا اللاتينية وآسيا، ومنطقة المحيط الهادئ، ومنطقة البحر المتوسط. أما ميزانيته المعلنة سنة 2025، فكانت تقدر بنحو 230 مليون أورو. لكن ميزانيته الإجمالية تشمل أيضًا مصادر إيرادات أخرى. ولذا تُقدر ميزانيته الحقيقية بـ 275 مليون أورو.

ونظرا لدوافع كثيرة، أبرزها ترشيد نفقات الدولة الفرنسية -التي تجاوزت ديونها العمومية 3500 مليار أورو- أوصت محكمة الحسابات في سياق مراقبتها لاستخدام الأموال العمومية عام 2021 بضم هذا المعهد للمركز القومي للبحث العلمي. وظل الأمر بين أخذ وردّ لأن المعهد يؤدي وظيفة خاصة في مجال “التعاون العلمي والدبلوماسية العلمية”. لكن الملف اكتسى بعدا جديدا خلال الفترة 2025-2026، مما جعل مديرة المعهد تُستقبل من قبل أعلى سلطات البلاد قبل شهر للبحث عن مخرج لهذه القضية. والجدل لا زال قائما بين مؤيدي دمج المعهد في مركز البحوث والمعارضين.

4. تقرير وزارة التعليم العالي يكشف…

ومع كل هذه الترتيبات يعرف البحث العلمي في فرنسا أزمة ثقيلة إذ أظهرت إحصائيات وزارة البحث العلمي الصادرة في جوان 2026 ضمن تقريرها “واقع التعليم العالي والبحث والابتكار في فرنسا” أن الصدى العلمي للعِلم الفرنسي في العالم قد تناقص كثيرا حيث يبيّن مؤشر هذا الصدى أنه انخفض بنسبة 33% بين عامي 2010 و2024. كما تشهد مساهمة فرنسا في المنشورات العلمية العالمية انخفاضا حادا أيضا إذ تراجعت من 3.6% في عام 2010 إلى 1.9% في عام 2024. وجاء في التقرير: “يُقدَّر الحضور العلمي لفرنسا في العالم، عبر قياس نسبة الإشارات إلى أعمال صادرة عن البحث الفرنسي من مجموع الإشارات المذكورة في المنشورات العلمية العالمية. لقد انتقلت هذه النسبة “من 4.0% إلى 2.7% من مجموع الاستشهادات بين عامي 2010 و2024، أي بتراجع نسبته 33%؛ …. أما مسار الصين فهو مختلف تمامًا، إذ تضاعف حضورها ثلاث مرات خلال الفترة ليصل إلى 17.7% في عام 2024”.

هذه الأرقام، التي شهد بها أهل الدار، ليست مجرد معطيات تُقدّم في سياق عابر، بل هي مرآة تعكس تحولا عميقا في الإنتاج العلمي على المستوى العالمي. وهي تكشف بوضوح أن صورة “مركزية فرنسا” في هذا الإنتاج التي يصرّ بعض “مستشارينا” وأتباعهم على تقديمها للجمهور لم تعد تعكس الواقع العلمي الراهن. ومع ذلك، يواصل بعض أصحاب الصفحات والقنوات ترويج هذه الصورة القديمة، وتقديم معلومات مضللة أو مبتورة عن مستوى البحث العلمي في فرنسا. والأسوأ من ذلك أنهم يفعلون هذا بنبرة استعلاء، وبخطاب ينطوي على احتقار للمتلقّي الجزائري “الجاهل والكسول الذي يعيش بالريع البترولي”.

فمن يتناول للحديث عن ترتيب الدول ومراكز البحث والإنتاج العلمي مطالب بأن يعرف واقع البحث العلمي العالمي كما هو اليوم، لا كما كان قبل عقود، وأن يستند إلى بيانات ومؤشرات قابلة للتحقق، لا إلى صور نمطية تحتفظ بها الذاكرة من عهد عاد. إن الاستدلال بمجد علمي فرنسي ليس إلا محاولة يائسة لتبرير موقف لا ينطلق من موضوعية علمية، بل من عقدة لغوية وتاريخية تجعل النموذج الفرنسي فوق النقد.

تملك الجزائر إرثا لغويا متنوعا، وموقعا استراتيجيا، وطاقات شبابية هائلة، ولذا فهي بحاجة اليوم إلى نظرة موضوعية لمستقبل مدرستها. فلا يمكن بناء جيل صاعد قادر على المنافسة العالمية، ونحن نصرّ على تقليد نموذج بدأ يفقد بريقه، بينما نغفل عن نماذج أخرى حقّقت قفزات نوعية في التعليم والبحث العلمي، سواء في آسيا أو أمريكا الشمالية وفي بعض الدول الأوروبية غير الفرانكفونية. ومن يريد للجزائر أن تكون فاعلة في المستقبل، فعليه أن ينظر إلى الشرق والغرب والشمال والجنوب بعين ناقدة، لا بعين منقادة لوصاية ثقافية أو لغوية انقضى زمانها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!