أزمة الرياضيات في فرنسا.. درسٌ للجزائر!
لازلنا نواصل كشف مغالطات الجماعة التي تدافع عن كل ما يأتي من “الخبراء الفرنسيين” في مجال التربية والتعليم ويثمنونه. يُستثنى من حديثنا هذا مجال البحث الرياضياتي في فرنسا، فهو يُعدّ منارة علمية يعترف بتفوقها الجميع، وهي قبلة للباحثين المتميزين من داخل البلاد، ومن المغرب العربي، وأوروبا الشرقية، وبعض الدول الآسيوية والإفريقية خاصة. لكننا سنتكلم هنا عن المدرسة الفرنسية ومستوى تلاميذها في الرياضيات. وحتى لا يزايد علينا أحد سنقدم الحجة بالاعتماد على أراء كبار رياضياتيي فرنسا ذاتها وتقييمات الهيئتين العالميتين “بيزا” (PISA) و”تيمس” (TIMSS) وتغطيات الاعلام الفرنسي يساره ويمينه.
وما تكشفه هذه المصادر مجتمعة هو أن مستوى التحصيل في الرياضيات شهد ويشهد في فرنسا تراجعًا حادا. والمفارقة أن هذا التراجع لم يكن مفاجئًا؛ فقد حذّر منه، منذ مطلع القرن، عدد من كبار الرياضياتيين الفرنسيين، من دون أن تلقى تحذيراتهم استجابة رسمية. والأكثر إثارة أن مناهج الرياضيات عندنا كانت، في جانب كبير منها، مستمدة مما أملاه علينا هؤلاء “الخبراء الفرنسيون” أنفسهم.
1. “بيزا” و”تيمس” تكشفان التراجع المستمر للرياضيات في المدرسة الفرنسية
هناك هيئتان عالميتان بارزتان تتيحان تقييمات دورية عالمية واسعة وجادة للتحصيل الدراسي، ولا سيما في الرياضيات، تنخرط فيها كل الدول الراغبة في ذلك، وهما:
1) برنامج “بيزا” الذي تشرف عليه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) يُقيّم كل ثلاث سنوات مهارات التلاميذ البالغين سنّ 15 سنة، في الرياضيات وفهم المقروء والعلوم؛ وقد شارك في دورة 2025 أكثر من 760 ألف تلميذ من 91 دولة. ومن المقرر أن يتم الإعلان عن نتائج هذه الدورة يوم الثلاثاء 8 سبتمبر الجاري.
2) برنامج “تيمس” الذي تشرف عليه الجمعية الدولية لتقييم التحصيل التربوي (IEA)، ويقيس مكتسبات التلاميذ في الرياضيات والعلوم في السنة الرابعة والسنة الثامنة من الدراسة. وقد أعلنت نتائج دورة 2023 في ديسمبر 2024.
لم تكن فرنسا تعير أهمية لتصنيف هذين البرنامجين في مطلع القرن، وقد يكون ذلك لاعتقادها أن عراقتها في البحث الرياضياتي ومكانتها فيه كافيتان. لكن شيئا فشيئا صارت هذه التصنيفات الشغل الشاغل لفرنسا نظرا لما كشفته من تداعيات سلبية مرتبطة بالمناهج الفرنسية وبالمقاربات التعليمية المتبعة. لقد أدى هذا التراجع البطيء والمستمر في تحصيل المدرسة الفرنسية إلى اتساع الفجوة لدرجة أن “الفرق في المستوى يُقاس الآن بالسنوات: فمستوى تلميذ السنة الثالثة من التعليم المتوسط اليوم، يُعادل مستوى تلميذ السنة السادسة من التعليم الابتدائي في التسعينيات”. ذلك ما كتبته في ديسمبر 2023 صحيفة “لو فيغارو” في مقال بقلم أستاذ جامعي عنوانه “انخفاض المستوى في المدرسة ينذر بضعف اقتصادي وأخلاقي للبلاد”. والمقال جاء بعد صدور نتائج اختبارات برنامج “بيزا” لعام 2022. وطلب صاحب المقال أن “يعترف الرئيس أخيرا … وأن يدعو جميع المعنيين للدخول في حوار بدون محظورات بهدف تصميم نموذج جديد تماما من شأنه أن يضع المدرسة حقا في المكانة التي يتطلبها هذا العصر”.
ومما يعكس حجم الأزمة في المدرسة الفرنسية، هذه العينة من عناوين مقالات صاردة في وسائل الإعلام الفرنسي التي تلت، خلال السنوات الأخيرة، نشر نتائج “بيزا” و”تيمس”. وقد أجمعت على رصد الانخفاض المذهل في مستوى الرياضيات لدى التلاميذ الفرنسيين خلافا لما يوهمنا به معشر “مستشارينا”: “لماذا أصبح التلاميذ الفرنسيون سيئين إلى هذا الحد في الرياضيات؟” (L’Humanité, 2020)؛ “التلاميذ الفرنسيون ما زالوا من بين الأواخر في الرياضيات” (Brut, 2025)؛ “التلاميذ الفرنسيون ما زالوا في ذيل الترتيب في الرياضيات” (Le Figaro, 2025)؛ “الرياضيات: فرنسا هي أسوأ تلميذ في البلدان المتقدمة” (La Nouvelle République, 2025)؛ “المركز القومي للبحث العلمي (CNRS) يدرس ضعف الفرنسيين في الرياضيات” (Les Echos, 2025)؛ “في المرحلة الإعدادية، مستوى تلاميذ السنة الثالثة في اللغة الفرنسية والرياضيات يدعو للقلق” (Huffpost, 2025)؛ “ضعف مستوى التلاميذ الفرنسيين في الرياضيات: كيف نحلّ المشكلة؟” (La croix, 2024)؛ “الرياضيات: مستوى الفرنسيين في أسفل السلم” (CNews, 2024)؛ “الرياضيات: فرنسا ما زالت الأخيرة في أوروبا وبطلة التفاوتات الاجتماعية” (Le Monde, 2024)؛ “مستوى التلاميذ في الرياضيات: هل ينبغي، مثل النرويجيين، تغيير أداة القياس؟” (Le Monde, 2025)، “مستوى التلاميذ الفرنسيين في الرياضيات: غرق مدرسة ‘مساواتية'” (Contrepoint, 2025) ؛ “مستوى التلاميذ في الرياضيات: فرنسا ما زالت في ذيل المتسابقين” (Le Parisien, 2024)؛ “التربية الوطنية: بينما يتراجع المستوى، يتجاهل ماكرون الأمر” (Le JDD, 2026)…
2. فرنسا تتجاهل تحذيرات علمائها
تعيش الرياضيات في فرنسا هذا المأزق رغم أن عددا من رياضياتييها ونخبها أشاروا إلى قرب حلول الكارثة منذ مطلع القرن. فهذا أندريه ريفوز Revuz (1914-2008)، الرياضياتي الفرنسي الذي يُعتبر أحد أبرز مهندسي إصلاح تدريس الرياضيات في فرنسا خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين قد دق ناقوس الخطر عام 2001 حين كتب “”ليس من قبيل التشاؤم المفرط… أن نلاحظ أن تدريس الرياضيات، وما وراءه التعليم العلمي، يعيش أزمة”.
وفي نفس السنة، وجّه الرياضياتي الفرنسي، عضو أكاديمية العلوم جان بيير Demailly (1957-2022) رسالة إلى رئيس بلاده، وأكاديمية العلوم، والجمعيات العلمية، والأحزاب السياسية الكبرى، والنقابات التعليمية ووسائل الإعلام يبدي فيها قلقه الشديد بشأن وضع تعليم الرياضيات في فرنسا، مؤكدا أن بلاده لم تعد تكوّن، كما وكيفا، علماء في القطاعات الاستراتيجية.
أما الرياضياتي الفرنسي لورانت لافورغ Lafforgue، عضو أكاديمية العلوم الحائز على ميدالية فيلدس (المعادلة لجائزة نوبل) عام 2002 فكان له صراخ أشدّ وقعًا في هذا الموضوع؛ وكانت له قصة غريبة حيث عيّنه الرئيس شيراك عام 2005 عضوا في المجلس الأعلى للتربية، ولم يمرّ أسبوعان على هذا التعيين حتى طُلبت منه الاستقالة بسبب تحريره رسالة شديدة اللهجة حول التعليم في فرنسا. واستقال وشكّل لجنة تتابع بمرارة أزمة تدريس الرياضيات، وكتب ما كتب في الموضوع. بالنسبة إلى هذا العالم، فقد قامت فرنسا تدريجيًا بتدمير منظومتها التعليمية التي كانت تتمتع بكفاءة عالية جدًا، ولا سيما خلال الفترة الممتدة من ثمانينيات القرن التاسع عشر إلى ستينيات القرن العشرين. وفي شهادته أمام مجلس الشيوخ الفرنسي سنة 2015، أوضح أن المدرسة الابتدائية الفرنسية كانت “على الأرجح، قبل خمسين عامًا، الأفضل في العالم”، وأن تدهورها حدث تدريجيًا على مدى عدة عقود. ويؤكد أن إعادة بناء هذه المنظومة التعليمية ستتطلب هي الأخرى عدة عقود.
لم تكن كل هذه التحذيرات وغيرها، الصادرة منذ مطلع القرن، كافية لدفع المسؤولين الفرنسيين إلى التحرك نحو إعادة النظر بصورة جذرية في منظومتهم التعليمية التي واصلت مسارها في التراجع. فوفق نتائج اختبار “بيزا “، احتلت فرنسا المرتبة 26 عالميًا بين المشاركين سنة 2022، بعدما كانت ضمن المراتب الأولى في بداية الألفية.
3. تراجع النموذج الذي نقتدي به !
والمؤسف في حالتنا أن “الخبراء الفرنسيين”، في مطلع القرن، كانوا حينها يرشدوننا إلى وضع المناهج، ولا سيما في الرياضيات، وفق ما كانوا يعتمدونه في بلدهم. واللافت أن هؤلاء الخبراء لم يكونوا يعيرون وزنا لآراء كبار علمائهم الذين أشرنا إليهم أعلاه، بل كانوا يستخفون بتحذيراتهم. وها هي فرنسا اليوم تبلغ هذه الدرجة من التراجع في مستوى تدريس الرياضيات والتحصيل فيها. أما نحن، فقد تلقّفنا آنذاك توصياتهم وطبقناها بإشراف “خبرائهم” وفق ما سطروه هم من برامج وإصلاحات لبلدهم وبلدنا.
ومن هنا يحق لنا أن نتساءل: ماذا عن الجزائر في هذه الاختبارات العالمية؟ والجواب، مع الاعتراف بأن منظومتنا التربوية تواجه مشكلات عديدة، وأن المسؤولية عنها تقع على عاتقنا، هو: ماذا يمكن أن ننتظر إذا كان تلاميذ فرنسا أنفسهم قد أصبحوا ضحية لإصلاحاتها المتعاقبة، في حين ظلت إصلاحاتنا التعليمية وثيقة الصلة بإصلاحاتهم؟ لقد شاركت الجزائر في اختبارات ‘تيمس’ عدة مرات، ولم تكن النتائج والترتيبات مشرفة أبدا للبلاد. كما شاركت في اختبارات “بيزا” سنة 2015، فجاء ترتيبها في ذيل القائمة، قبل أن تتوقف عن المشاركة لاحقًا لستر عيوبنا. وهذا جزاء من جعل نفسه تابعًا لغيره في رسم سياساته التعليمية.
واليوم ينتظر المسؤولين والتربويين الفرنسيون على أحرّ من الجمر صدور نتائج اختبارات “بيزا” لعام 2025، والمقرر نشرها صباح يوم الثلاثاء القادم، لمعرفة ما إذا كانت الإصلاحات التي انتهجتها منظومتهم التعليمية قد أوقفت مسار التراجع في الرياضيات. ولعل النتائج المرتقبة ستكون مناسبة أخرى لقياس حصيلة تلك الخيارات، ليس لفرنسا وحدها، وإنما أيضًا لمن استلهم منها إصلاحاته التعليمية عندنا.