-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

عقوبة الإعدام في التشريع الجزائري

بقلم: علال معيزي
  • 42
  • 0
عقوبة الإعدام في التشريع الجزائري

الحق في الحياة من الحقوق الأساسية للإنسان، وعقوبة الإعدام هي أقصى عقوبة يمكن أن يتعرض لها الفرد، لأنها تؤدي إلى إزهاق روح المحكوم عليه تنفيذًا لحكم قضائي صادر بسبب ارتكابه إحدى الجرائم التي يحددها القانون.

ولهذا، ظلت عقوبة الإعدام محل جدل كبير على المستوى الدولي بين اتجاه يدعو إلى إلغائها حمايةً للحق في الحياة، واتجاه آخر يرى ضرورة الإبقاء عليها لمواجهة أخطر الجرائم.

أولًا: عقوبة الإعدام بعد استقلال الجزائر

بعد استقلال الجزائر سنة 1962، جرى إعداد أول دستور للجمهورية الجزائرية المستقلة سنة 1963، وفي إطار بناء المنظومة القانونية للدولة الجديدة، أبقت الجزائر على عقوبة الإعدام ضمن تشريعها.

ثم صدر القانون رقم 193-64 المتعلق بتنفيذ عقوبة الإعدام، والذي نظم كيفية تنفيذها، إذ نصت مادته الأولى على أن حكم الإعدام، الذي لا يصدر إلا طبقًا للمبادئ الإسلامية، ينفذ عن طريق الرمي بالرصاص.

كما أحاط المشرِّع تنفيذ هذه العقوبة بمجموعة من الضمانات والاستثناءات، إذ لا تنفذ في حق:

  • المرأة الحامل أو المرضع.
  • المصاب بالجنون.
  • المصاب بمرض خطير.
  • الحدث.
  • الشخص الذي استفاد من عفو رئاسي.

كما منع القانون تنفيذ عقوبة الإعدام في أيام الأعياد، ويوم الجمعة، وخلال شهر رمضان.

ثانيًّا: الجرائم الموجبة لعقوبة الإعدام

نص المشرع الجزائري على عقوبة الإعدام بالنسبة لعدد من الجرائم التي اعتبرها بالغة الخطورة، وتوزعت هذه الجرائم بين الجرائم الماسة بأمن الدولة، والجرائم الإرهابية، والجرائم الماسة بحياة الأشخاص والممتلكات.

ومن بينها:

  • حمل السلاح ضد الجزائر.
  • تسهيل دخول العدو إلى البلاد.
  • التخابر مع دولة أجنبية ودفعها إلى العدوان ضد الجزائر.
  • إفشاء أسرار الدفاع الوطني.
  • الإضرار بوسائل الدفاع الوطني.
  • الجرائم الواقعة على نظام الحكم والدستور.
  • جرائم التمرد المسلح.
  • بعض الأفعال الإرهابية.
  • بعض الجرائم المتعلقة بالنظام النقدي.
  • بعض الجرائم الواقعة على أموال الدولة.
  • الغش في المواد الغذائية والطبية المؤدي إلى الوفاة.
  • القتل العمد في الحالات التي يحددها القانون.
  • الخطف المؤدي إلى الوفاة.
  • تخريب المنشآت.
  • حرق المباني والمساكن المأهولة.
  • التفجيرات وخطف الطائرات.
  • السرقة باستعمال السلاح.

وقد ظلت عقوبة الإعدام مطبقة في الجزائر، إلى غاية أواخر سنة 1993، التي شهدت آخر عملية لتنفيذ هذه العقوبة.

وكانت تلك العملية في حق 13 شخصًا على خلفية القضية المتعلقة بتفجير مطار هواري بومدين.

ثالثًا: وقف تنفيذ عقوبة الإعدام

منذ سنة 1993، لم يعُد تنفيذ عقوبة الإعدام يجري فعليًّا في الجزائر، رغم أن العقوبة لم تُلغَ من التشريع الوطني، وظلت المحاكم تصدر أحكامًا بالإعدام متى توافرت شروطها القانونية.

وهنا يطرح سؤالٌ جوهري: لماذا توقفت الجزائر عن تنفيذ عقوبة الإعدام؟ هل كان ذلك نتيجة للاتفاقيات والمعاهدات الدولية؟

الواقع أن الجزائر أصبحت طرفًا في عدد من الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، وأصبحت جزءًا من التوجُّه الدولي الداعي إلى الحد من تطبيق عقوبة الإعدام.

وينص الدستور الجزائري على أن المعاهدات التي يصادق عليها رئيس الجمهورية، وفقًا للشروط المنصوص عليها دستوريًّا، تسمو على القانون.

لكن، رغم ذلك، فإن الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان التي صادقت عليها الجزائر لا تفرض عليها إلغاء عقوبة الإعدام نهائيًّا، وإنما تؤكد على حماية الحق في الحياة، وتدعو إلى حصر عقوبة الإعدام في أضيق نطاق ممكن وقصرها على الجرائم الأشد خطورة، مع توفير الضمانات التي تمنع التعسف في الحكم بها وتنفيذها.

رابعًا: تضييق نطاق عقوبة الإعدام

استجابة لهذا التوجه، لم يقم المشرِّع الجزائري بإلغاء عقوبة الإعدام، وإنما اتجه إلى تضييق نطاقها، فحذفها من بعض الجرائم التي كان معاقبًا عليها بالإعدام، واستبدالها بعقوبة السجن المؤبد، ومن بينها بعض جرائم السرقة باستعمال السلاح، وحرق المباني والمساكن المأهولة، وجرائم النظام النقدي، وبعض الجرائم الواقعة على أموال الدولة، والغش في المواد الغذائية والطبية المؤدي إلى الوفاة.

وبذلك حافظ المشرع الجزائري على عقوبة الإعدام بالنسبة للجرائم التي اعتبرها الأشد خطورة، وفي الوقت نفسه ضيّق مجال تطبيقها تماشيًّا مع التوجه الدولي نحو حماية الحق في الحياة.

خامسًا: بين الإبقاء ووقف التنفيذ

يتضح من هذا التطور أن المشرِّع الجزائري لم يتبنَّ سياسة الإلغاء الكامل لعقوبة الإعدام، بل اختار سياسة تقوم على ثلاث مراحل:

أولًا: الإبقاء على العقوبة ضمن التشريع الجزائري.

ثانيًّا: تضييق نطاق الجرائم المعاقَب عليها بالإعدام.

ثالثًا: وقف تنفيذ العقوبة فعليًّا منذ سنة 1993، رغم استمرار القضاء في النطق بها.

وبذلك، فإن عقوبة الإعدام موجودة من الناحية القانونية، لكنها لم تُنفَّذ من الناحية العملية منذ أكثر من ثلاثة عقود.

وهذا التمييز مهم جدّا، لأن العودة إلى تنفيذ عقوبة الإعدام لا تعني إعادة استحداثها أو إدراجها من جديد في التشريع، فهي لم تُلغَ أصلًا، وإنما تعني إنهاء سياسة وقف التنفيذ الفعلي والانتقال إلى تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة بها، وفقًا للشروط والإجراءات القانونية.

وعليه، فإن الجزائر لم تتخلَّ عن عقوبة الإعدام، بل ضيّقت نطاقها وأوقفت تنفيذها، مع الاحتفاظ بها ضمن منظومتها القانونية.

ويبقى السؤال المطروح اليوم: هل يشكل التوجُّه الجديد للمشرِّع الجزائري بداية العودة إلى التنفيذ الفعلي لعقوبة الإعدام، بعد توقف استمر منذ سنة 1993؟

ذلك ما ستكشف عنه النصوص القانونية والتعديلات التشريعية القادمة.

عقوبة الإعدام موجودة من الناحية القانونية، لكنها لم تُنفَّذ من الناحية العملية منذ أكثر من ثلاثة عقود.

وهذا التمييز مهم جدّا، لأن العودة إلى تنفيذ عقوبة الإعدام لا تعني إعادة استحداثها أو إدراجها من جديد في التشريع، فهي لم تُلغَ أصلًا، وإنما تعني إنهاء سياسة وقف التنفيذ الفعلي والانتقال إلى تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة بها، وفقًا للشروط والإجراءات القانونية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!