-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

شَحذُ الهمم بذكْر اللّقاء الأهمّ

سلطان بركاني
  • 20
  • 0
شَحذُ الهمم بذكْر اللّقاء الأهمّ

المتأمّل لأحوالنا بعد مرور ما يقرب من ستّة أشهر على رحيل رمضان، بينها ثلاثة أشهر من عطلة صيفية نكاد ننسى فيها أنفسنا وواجباتنا، يرى أنّ الفتور والوهن قد أخذا منّا مأخذهما؛ فتُرتِ الهمم وخارت العزائم، وتناقصت صفوف الصّلاة وهجرت المساجد بصورة مؤسفة ومحزنة؛ تقام صلاة العشاء، فلا يكتمل الصفّ الثّالث. وأمّا صلاة الفجر فقد أصبحت بيوت الله تئنّ وتشكو حالها إلى الله من قلّة عمّارها في هذه الصّلاة المشهودة. وأمّا الجمعة فقد تناقصت صفوفها هي الأخرى لحساب حشود الشّواطئ. وأمّا المصاحف فقد عادت هي الأخرى إلى الرفوف وطالها النّسيان والهجران!

إنّنا لو بحثنا عن الأسباب التي أدّت بنا إلى هذه الحال، لوجدنا أنّ أهمّ سبب هو ذهولنا عن أنّنا في دار امتحان واختبار، وأنّنا في هذه الدّار على سفر، ونوشك أن نحطّ الرّحال في دار القرار… إنّنا نطلب الراحة من طاعة الله لأنّ أنفسنا تنسينا أنّ الرّاحة كلّ الرّاحة في لزوم طاعة الله وأنّ الرّاحة الكاملة والتامّة لا تكون إلا عند أوّل قدم توضع في الجنّة… إنّ سبب هذا الفتور الذي يتكرّر كلّ عام بعد مواسم الخير هو أنّنا ننسى هدفنا الذي يفترض ألا يغيب عن أذهاننا، ننسى أنّنا طلاب جنّة عرضها السّماوات والأرض… ننسى دارنا التي سنخلد فيها إلى أبد الآبدين، ونركن إلى دار ما نحن إلا ضيوف فيها، ونوشك أن نرحل عنها… إنّنا لو جعلنا الجنّة نصب أعيننا ما نمنا عن صلاة الفجر ولا أصرّينا على مقارفة المحرّمات، ولا تكاسلنا عن الطّاعات… لو جعل كلّ واحد منّا الجنّة نصب عينيه، ما زلّت عينه بالنّظر إلى الحرام على الهاتف أو على شاشة التلفاز أو في الواقع، لأنّه كلّما عرضت عليه نظرة محرّمة، تذكّر نظر الله إليه، وتذكّر أنّ العين التي تنظر إلى ما حرّم الله، ربّما تحرم لذّة النّظر إلى وجه الله الكريم في الجنّة، وتذكّر ما أعدّه الله لأوليائه من النّعيم في دار الجزاء، وتذكّر قول الله جلّ وعلا: ((قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا * لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولا)).

نعم أخي المؤمن… عندما تجعل الجنّة نصب عينيك، وتجعلها هدفك الأهمّ والأوّل، فإنّك لن تستسلم لنفسك الأمّارة بالسّوء عندما تغريك بالنّوم عن صلاة الفجر، ولن ترضى لزوجتك وأبنائك بأن يكونوا من الذين أضاعوا الصّلاة واتّبعوا الشّهوات، لأنّك تريد أن تجتمع بهم في الجنّة كما اجتمعت بهم في هذه الدّنيا. لأنّك تعلم أنّ عشرتكم في هذه الدّنيا قصيرة، وعمّا قريب سيفرّق بينكم الموت، وأنّكم لن يلتئم شملكم في الجنّة إلا إذا اجتمعتم على طاعة الله في هذه الدّنيا… إنّه لا أروع من أن نعيش في بيوتنا على هذا المبدأ! وعلى هذه الأمنية، أمنية أن يكون لقاؤنا الأبديّ في الجنّة، وأن نتعاون على أن نجتمع جميعا في الجنّة ولا يتخلّف منّا أحد. إن رأينا تقصيرا من أحد أفراد الأسرة ذكّرناه ووعظناه، وقرعنا سمعه بقولنا: “إنّنا لا نريد أن نفتقدك في الجنّة. نريد لك أن تكون معنا في الجنّة بإذن الله”. ما أروع أن يقرع الأب سمع أبنائه وتقرع الأمّ سمع بناتها بمثل هذه الكلمات! كلّما رأت الأمّ من ابنتها تهاونا في الحجاب قالت لها: “لا يا ابنتي، إنّي لا أريد أن أفتقدك في الجنّة”، كلّما رأت منها عكوفا على الهاتف وعلى مواقع التواصل قالت لها: “لا يا ابنتي، إنّي لا أريد أن يفرّق بيني وبينك الموت فلا نلتقي بعدها أبدا، إنّي أريد أن ألقاك في الجنّة، فكوني يا ابنتي عفيفة أبية، واصبري على طاعة الله، فرضا الله خير لك من عبارات المجاملة والإعجاب التي تسمعينها أو تقرئينها من زميلات وخليلات لا همّ لكثير منهنّ إلا الدّنيا”.

إنّه لا أروع من أن تكون بيوتنا على هذا المنوال ووفق هذا المثال، وهذا ليس بالأمر العسير متى ما صدقنا مع الله واستعنّا به، وجعلنا هذه الآية نصب أعيننا: ((وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ)). قال ابن عباس –رضـي الله عنه- في تفسير هذه الآية: “إن الله ليرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه في العمل لتقر بهم عينه”، وتذكّرنا قول الحقّ سبحانه: ((جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ)). قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: “وقوله تعالى: ((وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِم))، أي: يجمع بينهم وبين أحبابهم فيها من الآباء، والأهلين، والأبناء، ممن هو صالح لدخول الجنة من المؤمنين؛ لتقر أعينهم بهم، حتى إنه ترفع درجة الأدنى إلى درجة الأعلى، من غير تنقيص لذلك الأعلى عن درجته، بل امتنانا من الله وإحسانا، كما قال تعالى: ((وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْء))”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!