-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

حراكٌ دولي ضد الاستيطان الإسرائيلي

حراكٌ دولي ضد الاستيطان الإسرائيلي

في الوقت الذي ينتظر فيه العالم من الكيان الصهيوني تنفيذ التزاماته وتنفيذ بنود الاتفاقيات المبرمة مع الطرف الفلسطيني والعدول في المقابل عن سياسة الاستيطان، تكثف الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة بقيادة بنيامين نتنياهو هجماتها العدوانية على الضفة الغربية باقتطاع مزيد من الأراضي من خلال توفير الحماية لجماعات المستوطنين الذين يقومون تحت حماية جيش الاحتلال بهدم مباني الفلسطينيين وإرغامهم على المغادرة تحت وطأة الإكراه وبالذخيرة الحية في بعض الأحيان.

في ظل الصمت الدولي، ازدادت وتيرة البناء الاستيطاني في الضفة الغربية وبلغت مستويات قياسية، وخرج إيتمار بن غفير ليبرر هذا العمل الهمجي بحق الإسرائيليين في الوجود وفي ضم ما يشاءون من الأراضي طالما أن الله -كما يزعم- قد أعطى الأرض المقدسة لشعبه المختار خالصة له من دون العالمين!.

في الوقت الذي فقدنا فيه الأمل في موقف دولي صارم ضد إسرائيل، يطلع علينا بيانٌ شديد اللهجة من بريطانيا ولفيف من الدول منها فرنسا وكندا، يدين الاستيطان الإسرائيلي ويتهم إسرائيل بممارسة سياسة التطهير العرقي في الضفة الغربية، وما تبع ذلك من عقوبات تجارية وتحييد وتقييد لحركة الاستيطان الإسرائيلي، وشن حملة مقاطعة لما يصدَّر أو يورَّد من منتجات من المستوطنات أو إليها. وقال وزير الخارجية البريطاني إدميليباند في هذا الصدد: “الحكومة الإسرائيلية غضت الطرف عن هذا الوضع في كثير من الأحيان، والأسوأ من ذلك أن بعض أعضائها أدلوا بتصريحات واتخذوا إجراءات تهدف إلى دعم التهجير القسري للفلسطينيين”. وتابع: “لذلك، يمكنني أن أعلن اليوم أننا سنفرض حظرا على استيراد المنتجات الآتية من المستوطنات غير القانونية في الأراضي المحتلة”، موضحا أن الخطوة تأتي في إطار تحرك منسّق مع دول أخرى. وأضاف إن بلاده ستفرض أيضا عقوبات على شركات وأفراد يقدِّمون خدمات بناء وتمويل تساهم في توسيع المستوطنات، مؤكدا أن “المستوطنات الإسرائيلية غير مشروعة ويجب ألا يروَّج لها في بلدنا”.

إن الغاية التي تسعى إليها بريطانيا من وراء هذه العقوبات والقرارات غير المسبوقة هي الدفاع عن مقترح حل الدولتين الذي يتعرض –حسب تصريح وزير الشؤون الخارجية البريطاني- لتدمير منهجي لا يمكن القبول به لأن ذلك يعني العودة إلى نقطة الصفر ونسف كل الجهود التي بذلتها بريطانيا ودول أخرى في هذا الاتجاه.

وقد حذت فرنسا وكندا ودول أخرى حذو بريطانيا في فرض عقوبات على إسرائيل بما فيها تراخيص السلاح والصادرات التي تساهم بشكل كبير في الاحتلال وفي دعم مشاريع الاستيطان.

هل هو تكفير عن وعد بلفور؟

الكيان الإسرائيلي هو وليدُ وعد بلفور الصادر في 02 نوفمبر 1917م، الذي سمح لليهود المنتشرين في العالم بالعودة إلى ما يسمى “أرض الميعاد” وتأسيس وطن قومي لهم. لقد كان هذا القرار التاريخي المشؤوم سببًا في المآسي التي مر بها الشعب الفلسطيني ولا يزال يكابدها إلى اليوم في ظل محتل إسرائيلي لا يؤمن بالمحظور ويرى أنه يملك ما فوق الأرض وما تحتها في الأرض المحتلة طالما أنها “هِبة إلهية” لشعب إسرائيل كما يورد القرآن الكريم ذلك على لسانهم وهو في الحقيقة من محض الافتراء والهراء الذي لا يصمد أمام الأدلة التاريخية الموثقة.

وكانت لبريطانيا في الوقت الذي صدر فيه وعد “بلفور” الإمبراطورية القوية التي لا تغيب عنها الشمس، التي تتمتع بسطوة كبيرة لا ينازعها في ذلك أحد، وهو ما مكّنها من تكريس هذا الوعد وتحويله إلى واقع ملموس من غير رد فعل من الدولة العثمانية التي لم تكن من القوة آنذاك ما يسمح لها بالاعتراض على القرار أو رفضه ولا حتى مناقشة بنوده.

إن سياسة بريطانيا الحالية تختلف جذريا عن سياستها القديمة في زمن بلفور، فقد تحولت بريطانيا من المساندة المطلقة لليهود إلى المساندة المحدودة، ويتجلى ذلك من قراراها بتاريخ 05 جانفي 2026 فتح سفارة لفلسطين في لندن بصفة دبلوماسية وصلاحيات كاملة. وتحولت بريطانيا من موقف المتفرج والمتورط حيال الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الأرض المحتلة إلى داعم حقيقي للسلطة الفلسطينية ولفكرة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي على أراضي 5 جوان 1967 وإقامة الدولة الفلسطينية ضمن “حل الدولتين” الذي ساهمت بريطانيا في بلورته بشكل كبير.

اليوم، نحن في مرحلة فارقة من علاقة بريطانيا بالسلطة الفلسطينية وعلاقتها بالشعب الفلسطيني من خلال القرارات الشجاعة التي اتخذتها، واتبعتها في ذلك دول وازنة ضد الاستيطان الإسرائيلي الذي بلغ حدا لا يطاق والذي يمتد كالأخطبوط ليقتطع مزيدا من مساحة فلسطين التاريخية لصالح المستوطنات التي انتشرت كالفطريات في الضفة الغربية.

هل يوقَف مشروع إي 1 الاستيطاني؟

مشروع “إي 1 الاستيطاني”، هو مخطط استيطاني وضعته إسرائيل وصدقت عليه حكومة نتنياهو، يهدف إلى بناء عدد معتبر من الوحدات السكنية في منطقة جبلية شرق القدس، وذلك لقطع الاتصال الجغرافي بين شمال الضفة الغربية وجنوبها وعزل القدس الشرقية. ويمتد هذا المخطط على مساحة 12 كيلو مترا مربعا بين القدس ومستوطنة “معالي أدوميم”، ويتضمن بناء أكثر من 3400 مستوطنة جديدة، وهو رقم مخيف، يُجهض مقترح حل الدولتين بل يجهض كل مقترح آخر.

إن الأهداف الإستراتيجية التي يهدف إليها هذا المخطط الاستيطاني هي: تقسيم الضفة الغربية وعزل القدس وتهجير السكان، وإسرائيل ماضية في هذا المخطط غير عابئة بالقانون الدولي ولا مجلس الأمن ولا  غيره وهذا رغم ما يسمى “قرارات المنع القضائية” التي أصدرتها محاكم إسرائيلية برفض طلبات تجديد عطاءات البناء في المنطقة.

لا يمكننا الحكم على قرار في بداياته، وعلينا أن ننتظر ما تؤول إليه الأمور، هل سيوقف هذا القرار هذا المشروع، أم سنشهد مماطلات في ذلك قد تنتهي باستمرار الاستيطان وزوال أثر القرار وبالتالي استمرار إسرائيل في مخططاتها الاستيطانية التي ليست وليدة اليوم بل تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر، التي لم تتأثر بالتنديدات وبيانات الشجب الدولية واستمرت وازدادت واتسعت حتى تكاد تطوق الضفة الغربية من كل أقطارها وتأتي على القدس شرقها وغربها.

هل تتغلب بريطانيا وحلفاؤها على العنجهية الإسرائيلية؟

نأمل، رغم أن الراهن الدولي الحالي محبِط بكل المقاييس، أن تتغلب الصرامة الدولية على العنجهية الإسرائيلية، فبريطانيا وشركاؤها في قرار قطع الحبل السُّري للاستيطان الإسرائيلي جادون في مسعاهم ويملكون الآليات اللازمة لتنفيذه وما يشجع على ذلك عدم اعتراض الولايات المتحدة الأمريكية على عقوبات بشأن المستوطنات، لكن هذه الجدية قوبلت بالعنجهية الإسرائيلية المعهودة التي تكذِّب كل الروايات وتتهم كل الجهات ولا تعترف بالحقيقة ولا بالشمس الساطعة في كبد السماء. لم تنتظر الحكومة الإسرائيلية كثيرا للرد على القرارات البريطانية واصفة إياها على لسان رئيس الكيان الصهيوني بأنها تدخل فيما سماه “الانتخابات الديمقراطية” المزمع تنظيمها في إسرائيل في 27 أكتوبر القادم، ومقللا في الوقت نفسه من جدواها وتأثيرها على المخططات الاستيطانية. إن قطع دابر الاستيطان لا تكفي معه قرارات بل يتحقق بانتهاج  سياسة كسر العظم مع كيان لا يؤمن إلا بمنطق القوة فالقوة وحدها هي التي ترغم إسرائيل على وقف الاستيطان.

إن الغاية التي تسعى إليها بريطانيا من وراء هذه العقوبات والقرارات غير المسبوقة هي الدفاع عن مقترح حل الدولتين الذي يتعرض –حسب تصريح وزير الشؤون الخارجية البريطاني- لتدمير منهجي لا يمكن القبول به لأن ذلك يعني العودة إلى نقطة الصفر ونسف كل الجهود التي بذلتها بريطانيا ودول أخرى في هذا الاتجاه.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!