هكذا أسقط الأمن “إدارة موازية” لاستخراج جوازات السفر!
استخراج وثائق بيوميترية من دون حضور أصحابها مقابل الملايين
صور ومحادثات على “الواتساب” و”الفايبر” تفضح خيوط القضية
محكمة حسين داي تفصل في الملف وتصدر أحكامها هذا الاثنين
من الانخراط في جماعة إرهابية إلى تزوير جوازات السفر… هكذا تورط أفراد شبكة إجرامية منظمة في تأسيس “إدارة موازية” نسجت خيوطها داخل أروقة “المصلحة البيومتيرية” في بلدية حسين داي بالجزائر العاصمة، لاستخراج جوازات السفر دون حضور أشخاص يتواجدون خارج الوطن، مقابل مبالغ مالية تتراوح ما بين 5 و8 ملايين سنتيم.
ملف الحال تفصل فيه محكمة حسين داي بالعاصمة الاثنين (اليوم) 14 سبتمبر الجاري، حيث ستصدر أحكامها في حق المتابعين بتهم ثقيلة تتراوح ما بين الحصول بغير حق على وثائق سفر بشهادات كاذبة، استغلال النفوذ النقود، عرض ومنح مزية غير مستحقة لموظف عمومي، إلى جانب جنحة التسبب عمدا نتيجة عدم مراعاة القوانين والأنظمة أو قواعد الأمن المعمول بها في إتلاف وثائق أو سندات أو عقود وضعت تحت يده بمقتضى وضيفته أو بسبها.
هكذا تم تسليم الوثائق وتحصيل الأموال
انطلقت وقائع ملف الحال من التحقيق الذي باشرته المصالح الإقليمية للتحقيق القضائي لولاية الجزائر، ضد المشتبه فيه “ط. عبد القادر”، الذي تم إيداعه الحبس المؤقت بمؤسسة إعادة التربية والتأهيل بالقليعة من طرف قاضي تحقيق الغرفة الرابعة لدى محكمة الدار البيضاء، بتاريخ 29 أوكتوبر 2025، عن تهمة جناية الانخراط في جماعة إرهابية تنشط خارج الوطن، جناية السفر إلى دولة أجنبية بغرض ارتكاب أفعال إرهابية أو تدبيرها أو الإعداد لها أو المشاركة فيها أو التدريب وتلقي تدريب عليها، حيث تبين أن المشتبه فيه حصل على جواز سفر وبطاقة تعريف صادرين عن بلدية حسين داي في أثناء تواجده خارج الوطن مقابل مبلغ مالي.
وبناء على ذلك، تم إعلام وكيل الجمهورية لدى محكمة الدار البيضاء بهذه الوقائع التي قد تشكل جريمة عرضية، وبموجب تعليمة نيابية صادرة عن وكيل الجمهورية لدى محكمة حسين داي تتعلق بفتح تحقيق ابتدائي بخصوص وقائع استخراج وحصول المتهم “ط. ع” على جواز سفر وبطاقة تعريف من مصالح بلدية حسين داي مع استلام ملف الإجراءات من الفرقة المستقلة للشرطة القضائية بالقبة، ليتم استدعاء المشتبه فيها “ط. رتيبة” لغرض التحقيق معها، بخصوص قضية الحال، فتبين أنها متورطة في ارتكاب جريمة إساءة استغلال الوظيفة، ثم يتقرر وضعها تحت إجراء التوقيف للنظر.
وخلال التصريحات التي أدلت بها لجهة التحقيق، تبين تورط عدد من موظفات البلدية في ارتكاب جريمة إساءة استغلال الوظيفة، فيما أكدت الشاهدة “أ. كنزة”، بصفتها رئيسة مصلحة الوثائق البيومترية، أنه بالفعل قد تم إصدار جواز سفر بيوميتري بتاريخ 28 نوفمبر 2024 عن المصالح الإدارية لبلدية حسين داي لصالح المدعو “ط. عبد القادر”، من مواليد 1987، كما أوضحت أنه بحسب المعطيات التطبيقية الإلكترونية، فإن المعني بالأمر كان يحوز جواز سفر بيومتريا وجدده عن طريق التصريح بالضياع، وبخصوص ملف تجديد جواز السفر، فقد تم إبداع الملف البيومتري الخاص بالمتهم على مستوى مصالحها، والتي قامت بعملية تدقيق الملف هي الموظفة المشتبه فيها “ط. رتيبة”، التي لا تزال تباشر عملها بنفس المصلحة.
وأضافت الشاهدة أن مراحل معالجة الملف تكون في البداية مراقبة الملف ثم التدقيق فيها من خلال مقارنة المعطيات المثبتة على الشباك الإلكتروني مع المعلومات المدونة على الملف، ومن ثم تثبتها وتطبع وصل الإيداع على نسختين، الأول يسلم للمعني والثاني يتم ضمه مع الملف بعد توقيع المعني عليها، وبعد صدور جواز السفر ينتقل المكلف باستلام الوثائق المؤمنة التابعة لبلدية حسين داي إلى المقاطعة الإدارية بحسين داي من أجل استلام الوثائق المؤمنة ليقوم بعدها بوضع كل جواز سفر داخل ملفه الإداري وعند الانتهاء من وضع الملفات يقوم بتسليم الملفات إلى العون المكلف بتسليم الوثائق “ش. كريمة”، التي تعمل حاليا بمصلحة الحالة المدنية ببلدية حسين داي، وأنه بحسب الشباك الإلكتروني، فإنه لا يوجد أي إشارة لتسليم جواز السفر ولم تسجل عملية التسجيل عن طريق رخصة السياقة، من مقر الدائرة الإدارية لحسين داي.
كما تبين بحسب الشاهدة أن جواز السفر والملف القاعدي الخاص بالمدعو “ط. عبد القادر” غير موجود بالمصلحة البيومترية وغير موجود بأرشيف المصلحة المعنية، وأن جواز السفر الخاص بالمتهم لم يمر على مراحل التسليم المذكورة سابقا، المتمثلة في التسجيل عن طريق البصمة أو عن طريق الرجوع إلى تأكيد من رئيس مصلحة الوثائق البيومترية.
وخلال التحقيق مع المتهمة “ط. رتيبة”، صرحت بأنه خلال سنة 2022 تقدمت منها امرأة تدعى نجية تملك سيارة من نوع “إبيزا” سوداء اللون، تنحدر من الشراربة (الكالتيوس) من أجل استخراج الوثائق البيومترية، لفائدة أفراد عائلتها، وطلبت منها رقمها الهاتفي وأصبحتا تتبادلان الاتصالات، وبعد أن توطدت علاقاتها بالمدعوة نجية، أصبحت تطلب منها أن تساعدها في استخراج الوثائق البيومترية لمعارفها، وقد سبق لها أن أرسلت لها مجموعة من ملفات لأشخاص يتواجدون خارج أرض الوطن، بطريقة غير شرعية، لغرض استخراج وثائقهم الثبوتية. وهذا مقابل مبالغ مالية مختلفة، تصل إلى 50 ألف دينار جزائري.
كما صرحت المتهمة بأنه خلال سنة 2024، اتصلت بها المدعوة نجية، وأخبرتها عن شخص يسمى “ط. طيبي عبد القادر”، متواجد خارج أرض الوطن بطريقة غير شرعية، وتريد أن تقوم بإجراءات استخراج جواز سفره، وتمكينها منه عند إصداره، وهذا مقابل مبلغ مالي يقدر بـ 50 ألف دينار جزائري، فطلبت من المدعوة نجية إحضار الملف الخاص بهذا الأخير، وزيارتها بمكتب عملها، أين التقت بها بالقرب من مقر بلدية حسين داي، وعند ركوبها معها سلمتها الملف المتكون من قسيمة الضريبة وصورتين شمسيتين، ومبلغ خمسين ألف دينار جزائري المتفق عليه مسبقا لتفترقا بعدها، ثم توجهت إلى المصلحة البيومترية بحسين داي، وباشرت عملية التسجيل وإدخال معلومات “ط. عبد القادر”، وخلال عملية ملء بياناته، صرحت بأن جواز سفر المعني محل تصريح بالضياع، واستعملت رقم هاتفها السابق، من أجل إكمال مراحل ملء البيانات، كما أن المدعوة نجية طلبت منها عدم إدراج رقمها الهاتفي على استمارة جواز السفر والتخلص من الملف القاعدي.
واعترفت المتهمة أيضا بأن المدعوة “نجية” توسطت عندها من أجل استخراج جوازات سفر لأشخاص متواجدين خارج أرض الوطن، “أي دون حضور المعنيين”، مقابل مبالغ مالية مختلفة.
وبالمقابل، فإن المتهمة الثالثة في ملف الحال المدعوة “ب. إيمان”، التي تم تعيينها للعمل بمكتب تسليم الوثائق البيومترية ومهامها تتمثل في تسليم الوثائق البيومترية التي تم استخراجها وتمكين الشخص المستلم من وضع بصمته الخاصة على جهاز ماسح بصمات الأصابع، قد اعترفت بأنها توسطت لأحد الأشخاص المتواجدين في دبي بالإمارات العربية، لأجل استخراج جواز سفر لشخص من معارفه بإيداع ملف تجديده بعد انتهاء مدة صلاحيته، مقابل مبلغ مالي قدره 50000 دج، كما صرحت بأنها قامت باستخراج 5 جوازات سفر لأشخاص يتواجدون في الخارج دون حضورهم. وهو ما يعتبر خرقا للقانون. وهذا بتواطؤ مع صديقتها “رتيبة” التي تتقاسم معها الغنيمة.
كما توصلت التحقيقات إلى أن المتهمة تسلمت مبلغ 80 ألف دج، وهذا في آخر جوازي سفر قامت باستخراجهما لصالح المدعو “ب. عباس”، وصرحت بأنها لا تتذكر أسماء الأشخاص الذين استخرجوا لهم جوازات سفر، لكونها لا تعرفهم وليست لديها أي مصلحة معهم، إذ كانت تقدم خدماتها للمشتبه فيه بن صافية عباس مقابل مبالغ مالية.
صور ومكالمات… مواجهات بالأدلة الإلكترونية
واستكمالا للتحقيق، واجهت المصالح الإقليمية للتحقيق القضائي لولاية الجزائر المتهمين بنتائج التفتيش الإلكتروني لهواتفهم النقالة، أين ثبت تورطهم في العديد من عمليات إعداد واستخراج وكذا تسليم وثائق بيومترية بطرق مخالفة للقانون، وذلك دون مثول المعنيين بالأمر أمام مصلحتهم وإخضاعهم للإجراءات الإدارية اللازمة، من بينهم المدعو عصام. هذا الأخير الذي كان يسعى لاستخراج جواز سفره الذي سبق أن تم رفضه لأسباب تجهلها، فقامت باستخراج جواز سفره وتسليمه له مقابل مبلغ مالي قدره 2000 دينار جزائري، ومبلغ 20.000 دينار جزائري مقابل بطاقة التعريف البيومترية سلمتها لشقيق المتهم.
كما اعترفت المتهمة، خلال استجوابها، بتواصلها مع المتهم “ق. عصام”، عبر تطبيق “الفايبر”، بخصوص ملف جواز سفره الذي أدرجه ضمن ملفه الخاص باستخراج بطاقة التعريف الوطنية، وكذا استلامه من طرف شقيقه، الذي منحها مبلغ 10.000 دينار جزائري، ومنح مبالغ مالية لبقية الموظفين.
وبالإضافة إلى ذلك، توصلت مصالح الأمن، خلال تفتيش الهاتف النقال الخاص بالمتهمة، إلى دليل إلكتروني تمثل في محادثات صوتية جمعتها بالمدعو “ق. عصام”، مرفقة بصور لجوازات سفر وبطاقات بيومترية، كما تضمنت المحادثات تفاصيل عن “الأمانة”، واحتجاج المتهمة على تسلمها نصف المبلغ، قبل أن تشكره وتعده برد الجميل، وهي المعطيات التي اعتبرتها التحقيقات قرائن على تلقيها مزية غير مستحقة واستغلال نفوذها، إلى جانب نفوذ المتهمة “ط. رتيبة”، المكلفة بحجز معلومات جوازات السفر.
وبحسب ما كشفته التحقيقات، فإن الغرض من ذلك كان استخراج وتسليم جوازات سفر وبطاقات هوية بيومترية بغير وجه حق لفائدة أشخاص، مقابل مبالغ مالية، من شأنها تمكين أصحابها من التنقل إلى الدول الأوروبية التي هاجروا إليها، مقابل مبلغ 50000 دج كانت تتقاسمها مع المتهمة “ط. رتيبة”، المكلفة بحجز معلومات جوازات السفر.
وأسفرت التحقيقات الميدانية أيضا عن استرجاع عدد من الهواتف والشرائح الهاتفية، أين تم التوصل إلى محادثات عبر تطبيق واتساب بين عدد من المتهمين، كشفت، عن طرق تسليم جوازات السفر والبطاقات البيومترية، وكذا كيفية تسلم الأموال المتفق عليها.
كما أظهرت محادثات عبر التطبيق ذاته بين المتهمة “ب. إيمان” والمتهم “ب. عباس”، حوارا حول تجديد جواز سفر هذا الأخير، والاتفاق على المقابل المالي، إلى جانب العثور على صور لجوازي سفر خاصين بكل من “ب. عبد النور” و”ع. سيف الدين”.
كما تضمنت إحدى المحادثات، إرسال المتهمة “ب. إيمان” صورة لمحادثة جمعتها بأحد الأشخاص، سألهـا خلالها عن كيفية إرسال الأموال وقيمة المقابل الذي يمكنه دفعه، لترد المتهمة بأن صاحب جواز السفر شخص يقيم في فرنسا ولا توجد لديه مشاكل، قبل أن تحدد صاحبة الحساب المقابل 80.000 دينار جزائري، وبحسب المحادثة التي استرجعتها المصالح الأمنية، ردت المعنية بأنها ستأخذ 4 ملايين سنتيم، على أن تمنح صاحبة الحساب المبلغ ذاته، وهو ما قوبل بالموافقة.
مبالغ تصل إلى 10 ملايين سنتيم مقابل جواز سفر
وإلى ذلك تضمن الملف محادثة بين المتهمة “ب. إيمان” وصاحبة الحساب العائد، بحسب التحقيقات، إلى المتهمة “ط. رتيبة”، تمحورت حول كيفية استخراج جوازات السفر والمقابل المالي الذي يتم تحصيله من أصحاب الملفات، وبحسب مضمون المحادثة المسترجعة، تراوح المقابل المالي ما بين 8 ملايين و10 ملايين سنتيم، مع الاتفاق على اقتسام المبلغ المحصل مناصفة بين الطرفين.
وفي محادثة لاحقة، أبلغتها بجاهزية جواز السفر، مطالبة إياها بتجهيز “الأمانة”، قبل أن تحدد قيمتها بـ10 ملايين سنتيم، مع إصرارها على دفع المبلغ كاملا مقابل تسليم جواز السفر لصاحبه.
ومن بين الوثائق التي تم العثور عليها صورة لجواز سفر خاص بالمسمى “ب. عبد النور”، إلى جانب رقم التعريف الوطني، وهي المعطيات التي أدرجتها مصالح الأمن ضمن الأدلة الرقمية والقرائن التي تم حجزها في إطار التحقيق في القضية.