-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

بين مـ”لائكية” الغرب وشيطانية الشرق

عمار يزلي
  • 29
  • 0
بين مـ”لائكية” الغرب وشيطانية الشرق

بدأ الغرب باكتساب تفوقه “نظريا”، الذي بدا واقعيا، من خلال ثورة المادية التي أنتجها قرن الأنوار: الانتقال من الفكر اللاهوتي إلى الفكر “العقلاني”، وإنهاء عهد الكنيسة والدين بشكل عام باعتباره “أفيون الشعوب”، الذي كان بسبب هذا البعد: الاكتشافات “العلمية” والاختراعات وابتكارات عصر النهضة وما قبله بقليل مع نهاية النظام الإقطاعي في أوروبا وفرنسا تحديدا. كان اختراع “المجهر”، مثلا، ثورة علمية وفكرية كادت، بل وشِكت على نسف كل المعتقدات “الدينية” والكنسية تحديدا رأسا على عقب، حتى إنها لعبت برؤوس كثير من المفكرين والفلاسفة والاقتصاديين قبل البيولوجيين والأطباء: إنكار كل شيء، إلا المادة، كحقيقة وحيدة. وهذه كانت بداية نهاية لمسار فكري واقتصادي، وبداية لعهد قلب الطاولة رأسا على عقب.

كان “ماركس” من بين عشرات ممن أنكروا كل شيء غير المادة والعالم المادي، فلسفيا على الأقل قبل أن يحاول تطبيق منهج “الديالكتيك” على الكل وعلى كل شيء، بأن صرح بأن “العالم كان يسير على رأسه، وقد صار معي يسير على قدميه”، مع أن العكس كان هو الأصح: كانت صرخته هذه ضد منهج أستاذه “هيغل”، وباقي فلاسفة عصر التنوير من “الفلاسفة المثالين” إيذانا بانتشاره كانتشار النار في الهشيم.

انتقل الغرب وجزء كبير من الشرق باتجاه هذا “الاكتشاف” العلمي الذي أوصل إلى إنكار خالق المادة، الحقيقية الوحيدة لدى المادية، وتقليص الكون كله في ما يرى ويسمع ويشم ويلمس ويُتذوق، التي هي الحواس الخمس، التي لخصت فيزيائيا حالات المادة إلى ثلاث حالات: صلبة، وغازية، وسائلة، وما دون ذلك، اعتبره العلم المادي الجديد “ما وراء الطبيعة”، أي غير علمي وغير مؤكد أو حتى منعدما أصلا، فكاد بذلك ميلاد “اللاأدرية، ثم الإلحاد”، حتى إنه عرف عن “لينين” مقولته “اخدش اللاأدري، ستجد المثالي”. هذا معناه أنه حتى الموقف الوسطي، كان يعتبر لدى المادية “نزعة مثالية”، أي روحية غير علمية.

الغريب، أن الغرب المادي، انقسم على نفسه وعلى ماديته وقسم معه العالم بأسره: عالم رأسمالي علماني “لائكي”، لا يعلن صراحة عن “إلحاديته”، محاولا التوفيق الظاهري بين اللائكية والإيمان من خلال “الفصل” المنهجي والنظري بينهما، لكن الجذر والأصل والمنبع والمدى واحد: الثورة على الدين والكنيسة وفصلهما عن الحياة السياسية والاجتماعية والعلمية، بما يفضي إلى تغييب الفكر الديني في التعليم وفي الأخلاق والقانون والثقافة والعلم وفي كل المجالات. كل هذا تحت شعار وغطاء “اللائكية” التي ترجمت عربيا إلى “العلمانية”. هذا فيما انشق عن هذه العلمانية الغربية فريق آخر أكثر تشددا، ممثلا في الماركسية، التي لا تتبنى العلمانية فحسب، بل العلمانية الإلحادية: لهذا بدا لنا في ما بعد، وإلى اليوم لُبس ظاهري: “علمانية حداثية رأسمالية”، لكون حداثة القرن الـ 20 وما بعده، هي “حداثة صناعية”، حداثة المجتمع الرأسمالي الصناعي المادي، تبدو لائكية “ملائكية” مؤمنة، حتى دون تطبيق وممارسة للدين، فيما تُظهر اللائكية الشرقية، ذات الأصل الغربي اليهودي بالأصل، مع ماركس وإنجلز ولينين وستالين وتروتسكي وباقي أساطين الفكر الماركسي اللينيني، اتجاها آخر معاديا للرأسمالية كنظام اقتصادي، ويعادي بعض أخلاقيات الرأسمالية الاستغلالية ومنها “جسد المرأة”، وينكر استغلالها ويواجه الرأسمالية في الحريات الفردية، ويدافع عن الجماعة والمجتمع بدل الفرد والمواطن وعن “الجماهير” بل “الشعب” وغيرها من المفارقات التي لا نكاد نفرق بينها وبين الأخرى إلا من حيث الموقع والموقف السياسي والأيديولوجي لهذا الفريق أو ذلك.

للأسف، نحن كعرب وكمسلمين، انقسمنا فكريا واجتماعيا فتم استقطابنا بين هذين الاتجاهين المتنازعين ظاهرين، المتناغمين باطنيا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!