-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

بصوت واحد، متنافسُو الذكاء الاصطناعي: أوْقِفُوا سباقَهُ المَحْموم!

بصوت واحد، متنافسُو الذكاء الاصطناعي: أوْقِفُوا سباقَهُ المَحْموم!

اعتاد قطاع التكنولوجيات على المنافسة الشرسة، لكنه في مشهد غير مسبوق، وجد ثلاثة من أبرز قادة الذكاء الاصطناعي أنفسهم متفقين على رسالة واحدة: “يجب كبح وتيرة تطويره”. ففي 13 سبتمبر 2026، أعلن سام ألتمان (Altman)، الرئيس التنفيذي لشركة “أوبن إيه آي” (OpenAI)، وإيلون ماسك (Musk)، مؤسس “تسلا” (Tesla) و”سبيس إكس” (SpaceX)، دعمهما العلني لدعوة داريو أمودي (Amodei)، الرئيس التنفيذي لشركة “أنثروبيك” (Anthropic)، إلى “إبطاء وتيرة” تطوير الذكاء الاصطناعي. جاء هذا الموقف بعد سلسلة من التحذيرات الصادرة عن باحثين وعلماء بارزين. هذه التحذيرات لم تعد تقتصر على المتشائمين أو المناهضين لاستعمال التكنولوجيات، بل أصبحت تصدر من داخل مخابر البحث ، ومن أشخاص شاركوا في بناء هذه الأنظمة التي يحذرون منها اليوم. السؤال المطروح الآن: هل نحن أمام لحظة وعي حقيقية، أم مجرد مناورة في السباق المحموم نحو الهيمنة؟

1. أمودي يحذّر: الذكاء الاصطناعي يهدد بالاستيلاء على الإنترنت

انطلق هذا الجدل من مقال مطوّل لداريو أمودي بعنوان “لماذا يجب أن يُكبح قطاع الذكاء الاصطناعي؟” يصف فيه بناء الذكاء الاصطناعي “بسرعة كبيرة” بأنه “متهوّر”، ويقترح خطة من ثلاثة أجزاء لمعالجة الأمر. يبدأ الجزء الأول باقتراح منح مراقبين مستقلين وصولا دائما إلى عمليات البحث لدى المطورين، وهو ما يعتبره ضروريا لضمان الشفافية ومنع الانحرافات الخطيرة.

لكن ما أثار الجدل هو السيناريو الكارثي الذي طرحه أمودي. فبعد أن اخترق مئات من وكلاء “أوبن إيه آي” موقع “هَغينغ فِيس” (Hugging Face) هذا الصيف، حذّر أمودي من أن سربا من الذكاء الاصطناعي أكثر قدرة -لكنه سيئ التوجيه- قد يتسبب في أضرار تصل إلى مئات المليارات من الدولارات عبر “الاستيلاء على الإنترنت بأكملها باستخدام شبكة روبوتات خبيثة دائمة”. يقول أمودي أن هذا السيناريو ليس من نسج الخيال العلمي، بل هو احتمال حقيقي إذا استمر تطوير الذكاء الاصطناعي دون ضوابط. وقد سارع بعض الخبراء إلى التشكيك في جدية هذا السيناريو، معتبرين أنه غير واقعي. لكن أمودي لم يتراجع، بل أعلن أن شركته ستلتزم “من جانب واحد” بمنح مقيّمين خارجيين وصولا دائما إلى أنظمتها.

2. إجماع ظاهري… وتناقضات خفية

لم ينتظر إيلون ماسك طويلا للرد إذ كتب على منصة “إكس”: “داريو أمودي محقّ” ! ثم ذكّر متابعيه بأنه كان وجّه إنذارا منذ عام 2014 يقول: “علينا أن نكون حذرين للغاية مع الذكاء الاصطناعي. قد يكون أخطر من الأسلحة النووية”. هذا الموقف ليس جديدا من ماسك الذي طالما حذّر من مخاطر هذا العلم غير المنضبط، لكن موقفه يأتي هذه المرة في توقيت حساس. أما سام ألتمان، فقد سار على الخطى نفسها، وكتب: “أتفق مع داريو على ضرورة ضبط الحدود”، واعدا بمقيّمين مستقلين مماثلين لدى “أوبن إيه آي”. وذهب أبعد من ذلك، معلنا أن شركته لن تطرح أسهمها للاكتتاب خلال العام 2026، مستشهدا بقضايا السلامة. إن صحّ هذا القرار، فهو يشكل تحولا كبيرا في استراتيجية الشركة التي كانت تُعتبر الأكثر تسارعا في القطاع.

غير أن السياق العام يثير الشكوك: أمودي يدعو إلى كبح الذكاء الاصطناعي، بينما تستعد شركته لجمع 2000 مليار دولار لتطرح أسهمها في البورصة. وتسعى خطته إلى إعفاء حكومي يسمح لشركات الذكاء الاصطناعي بالتنسيق دون الوقوع تحت طائلة قوانين مكافحة الاحتكار. هذا التناقض لم يفت على ديفيد ساكس (Sacks)، مستشار دونالد ترامب، الذي هاجم الدعوة قائلا: “لا تدّعوا أن سبب التمهّل هو الحرص على المصلحة العامة فقط؛ فأنتم تخشون أيضا المسؤولية الكبيرة التي قد تتحملونها إذا استُخدمت منتجاتكم في هجوم إلكتروني مدمّر”. ويشدد ديفيد كروغر (Krueger)، أستاذ الذكاء الاصطناعي والمدير المؤسس السابق لمعهد أمن الذكاء الاصطناعي البريطاني: “هذه الخطة لا تخفض الخطر إلى مستوى مقبول، وداريو أمودي يحرص على عدم القول إنها تفعل ذلك”. وهكذا، يبدو أن الدعوة إلى الكبح قد تكون راجعة لاعتبارات تنظيمية وتجارية أكثر منها أخلاقية.

3. إنذار العلماء… وارتباك الحكّام

لا تأتي التحذيرات من رؤساء الشركات وحدهم، فقد استقال جاكوب كوكسون (Cookson)، الموظف السابق في “أنثروبيك”، محذرا من أن الذكاء الاصطناعي قد يعجّل بانقراض البشرية بحلول 2030، ومنتقدا سوء تعامل “أنثروبيك” و “أوبن إيه آي” مع التهديد… ويؤيده أمودي في هذا الطرح بقوله: “أتفق مع جاكوب أكثر بكثير مما أختلف معه… لكنني لست متشائما. أعتقد أن هذه التقنية يمكن بناؤها بأمان”.

من جهة أخرى، نجد الطبقة السياسية الغربية قلقة أيضا. فقد حثّ باراك أوباما الديمقراطيين بشكل خاص على جعل الإشراف على الذكاء الاصطناعي أولوية قائلا: “هذا شيء يتقدم بسرعة كبيرة بين أيدٍ خاصة، وإذا لم نتحكم فيه، أعتقد أنه قد يكون خطيرا”. ويتحدث ريشي سوناك (Sunak)، مستشار “أنثروبيك”، عن “ناقوس الخطر”. ويستعد ملك بريطانيا تشارلز الثالث لجمع أبرز أسماء القطاع في لندن للتفكير في ذكاء اصطناعي “من أجل خير البشرية”. ويلخص الخبير ديميس هاسابيس (Hassabis) الوضع بالقول: “التفاصيل بحاجة إلى عمل، لكن الاتجاه صحيح في هذه اللحظة الحرجة”. كما دعا الرئيس الفرنسي ماكرون في مناسبات سابقة إلى “وقف إنساني” في تطوير الذكاء الاصطناعي، وهذا ما يعكس قلقا عالميا متزايدا.

4. الرياضياتيون: لا تجعلوا الآلة تُغْنِي عن الفهم

يحذّر الرياضياتي الأسترالي الأمريكي تيرنس تاو (Tao)، الحاصل على ميدالية فيلدس عام 2006، من أن الاستخدام الواسع للذكاء الاصطناعي لحل المسائل الرياضية المفتوحة قد يضرّ بتطور الرياضيات لأن هذه المسائل أشبه بمورد غير متجدد. ولذا فحلها بالذكاء الاصطناعي يفقد الباحثين فرصة استخدامها لاحقًا لقياس مستوى صعوبة المسائل وتطور قدرات البشر في حلها. كما أن تزويد أنظمة الذكاء الاصطناعي بالحلول قد يجعل من الصعب التمييز بين الإجابات الأصلية وما استند منها إلى ما سبق أن تعلّمته الأنظمة.

لذلك يقترح تاو إنشاء نوع من “المحميات الرياضياتية” تُستثنى فيها بعض المسائل من استخدام الذكاء الاصطناعي، خصوصًا المسائل التي لها قيمة في تدريب الأجيال الجديدة من الرياضياتيين. ولا يعني ذلك رفض الذكاء الاصطناعي في الرياضيات، بل الحفاظ على مجال يتيح للإنسان أن يبحث ويجرب ويخطئ ويكتشف بنفسه. ويشبّه الرياضياتي الفرنسي هوغو دومينيـل-كوبان (Duminil-Copin) الاستخدام العشوائي للذكاء الاصطناعي في هذا المجال بآلات حفر تستخرج كنوزا أثرية، لكنها تدمّر في الوقت نفسه السياق الذي يمنحها قيمتها.

وفي نفس السياق، يرى 25 عالِما من الحائزين على ميدالية فيلدس في بيان مشترك نشر يوم 11 سبتمبر أن التطور السريع للذكاء الاصطناعي في حلّ المسائل الرياضياتية يطرح سؤالا أساسيا حول مستقبل الرياضيات. فحل المسألة ليس الغاية الوحيدة من العمل الرياضياتي: تقوم الرياضيات أيضا على فهم البنى والأفكار، واكتشاف طرق جديدة في التفكير، ومعرفة لماذا تكون النتيجة صحيحة، وكيف يمكن تعميمها وربطها بما سبقها من أعمال. لذلك فإن قدرة الذكاء الاصطناعي على الوصول بسرعة إلى نتائج صحيحة لا تعني بالضرورة أنه حقق الفهم الرياضياتي الذي يسعى إليه الباحثون.

ويحذر الموقعون من أن التركيز المتزايد لشركات الذكاء الاصطناعي على سرعة إنتاج النتائج قد يؤدي إلى اختزال الرياضيات في الحصول على إجابات صحيحة أو خاطئة. كما أن إنتاج نظريات كثيرة بهذه السرعة يثير مشكلات تتعلق بالتحقق من براهينها، وتحديد أصحاب الأفكار الجديدة وإسنادها إليهم، وربط النتائج بالأعمال السابقة. فالعمل الرياضياتي يحتاج عادة إلى وقت للمناقشة والتدقيق والتفسير لأن قيمة الاكتشاف لا تكمن في النتيجة وحدها، بل في الفكرة التي تقف وراءها وفي قدرتها على فتح طرق جديدة للبحث.

ومع ذلك، لا يدعو هؤلاء العلماء إلى رفض الذكاء الاصطناعي، بل يرون فيه أداة يمكن أن تكون قوية جدا في خدمة البحث الرياضياتي إذا استُخدمت بطريقة مناسبة. بعبارة أخرى، فهم يدعون إلى ألا تتحوّل هذه الأدوات إلى بديل عن التفكير والفهم البشري.

قد يشكل التحالف المعروض بين ألتمان وماسك وأمودي منعطفا قويا: اللحظة التي يعترف فيها متنافسو الذكاء الاصطناعي أنفسهم بضرورة تأطير سباق الأداء لحظة تاريخية… لكن التناقضات كثيرة. أما علماء الرياضيات فيشيرون إلى تحذيرات من نوع آخر، ويدركون أن الوقت يداهم الجميع لاستدراك الأمر. ويبقى السؤال: هل ستترجم هذه الدعوات إلى أفعال ملموسة، أم ستظل حبرا على ورق؟ السؤال اليوم أصبح على طاولة الحكومات والمتنافسين في هذا العلم… وينتظر الجواب. وهنا ينبّه البعض إلى أن “التاريخ يعلّمنا أن الفرص لتفادي الكوارث نادرة، وأن التأخير في اتخاذ القرارات المصيرية قد يكون باهظ الثمن”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!