-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

العلاقات الجزائرية الإماراتية… من الروح العربية إلى القطيعة الدبلوماسية

بقلم: عبد الوهاب جعيجع
  • 27
  • 0
العلاقات الجزائرية الإماراتية… من الروح العربية إلى القطيعة الدبلوماسية

لم يكن إعلان الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وإمهال سفيرها 48 ساعة للمغادرة، رد فعل انفعالي، ولا هو سحابة صيف عابرة في سماء الدبلوماسية العربية، بل جاء تتويجاً حتميا لمسار طويل من الاصطدام الاستراتيجي بين عاصمتين تباعدت خياراتهما إلى حد التناقض، بعد أن استنفدت الجزائر كافة مراحل التنبيه والتحذير لاحتواء ما بدى انحرافا ممنهجا في العقيدة السياسية لـ”أبوظبي”، وتعديا صريحا على المجال الحيوي للجزائر.

لفهم دوافع القرار الجزائري وأبعاده، لا بد من استحضار المفارقة التاريخية؛ فالعلاقات التي أرساها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان لدولته مطلع السبعينيات، قامت على روح عربية جامعة، ووجدت في الجزائر سندا ثوريا وحاضنة سياسية وازنة، دعمت ميلاد الدولة الاتحادية في المحافل الدولية، حيث كانت الجزائر وقتها؛ أحد أقطاب حركة عدم الانحياز، بما للحركة وقتها من ثقل سياسي.

رافقت الجزائر وضع اللبنات الأولى للقطاع الطاقوي الإماراتي بفضل مجموعة من المهندسين الجزائريين الذين أسسوا قطاع النفط هناك وأطلقوه، ثم واصلت الجزائر وفاءها لمبادئ الإخاء والتعاون العربي، فمع بداية الألفية فتحت الجزائر أرضها للاستثمارات الإماراتية التي بدأت تعرف طريقها نحو التدويل، فسلمت لها بثقة بوابة الاقتصاد الجزائري بتسيير ميناءي الجزائر و”جن جن”، وفتحت لها باب الاستثمار وسط العاصمة (مشروع دنيا بارك)، والاستثمار في العربات والمدرعات بالشراكة مع شركة مرسيدس، وقطاع البتروكيماويات، والشركة الوطنية للتبغ والكبربت..

لكن، ومع كل هذا التاريخ المفعم بعلاقات الأخوة والتضامن، إلا أن هذا الإرث شهد مع جيل “أبناء زايد” نكوصا عن سيرة الوالد، بما أظهر تحولا بنيويا في عقيدة ومؤسسات الدولة، واستبدل التضامن التاريخي وسياسات الوفاق، بسياسة عابرة للحدود قامت على عسكرة الأزمات، وعلى استخدام المال السياسي الضاغط، وعلى الاصطفاف ضمن محور التطبيع الصهيوني.. وهو ما وضع أبو ظبي في تصادم مباشر مع ثوابت الجزائر الثورية وعقيدتها الراسخة تجاه الأمن القومي والقضية الفلسطينية، القضية المحورية للأمة.

شكل البعد الأمني والجيوسياسي جوهر هذه القطيعة الدبلوماسية؛ فالجزائر لم تعد تقرأ التحركات الإماراتية في فضائها الإقليمي كمساعٍ تنافسية طبيعية بين بلدين، بل كاستراتيجية تطويق متعمدة، تهدف إلى إشعال النيران في محيط حدودها المترامية. تجلى ذلك في الدعم العسكري واللوجستي الموجه لأطراف النزاع المسلح في شرق ليبيا، والعبث بأمن السودان والتورط هناك في جرائم عسكرية مباشرة، وإلى دعم الانقلابات في مناطق الساحل في مالي والنيجر، سعيا لإجهاض المقاربات السياسية السلمية وإرباك الأمن الحدودي الجزائري. مع توظيف مكثف لأوراق الضغط المالي والاقتصادي في دول الجوار المغاربي، وبخاصة عبر تعزيز التحالف الأمني مع المغرب تحت المظلة الإسرائيلية، فيما عُرف بالاتفاقات الإبراهيمية.

ولم يكن الحضور الفرنسي غائبا عن هذا التموضع الجديد؛ إذ تقاطعت الرغبة الفرنسية في تعويض نفوذها المتآكل في إفريقيا وحلمها في كبح استقلال الجزائر، مع المال الوظيفي الإماراتي والاندفاع المغربي، لينشأ حلف هجين خلط الأجندات العابرة للقارات بالنزاع في الصحراء الغربية، وبتمويل حركة الماك الانفصالية، التي تستوطن الأراضي الفرنسية، محولا بذلك منطقة المغرب العربي من فرصة للتكامل؛ إلى ساحة لصراع المحاور، وهو ما رصدته الجزائر كمحاولة تطويق ممنهجة لقرارها السيادي ولعمقها الإفريقي..

وعلى الصعيد الاقتصادي، لم يكن القرار السياسي إلا إسدالا للستار على مسار تفكيك وتطهير بدأته الدولة الجزائرية منذ فترة مبكرة، لحماية منافذها ومواقعها الحيوية. فقد تخلت الجزائر عن أوهام الإمارات في الاستثمار غير المشروط، بعد ما تبين تحول التدفقات المالية إلى أوراق ضغط ومنافذ ارتهان سياسي، ومواقع الاستثمار إلى نقاط هشاشة أمنية، فسارعت إلى استرجاع ميناء “جن جن” الإستراتيجي، وتقييد حركة موانئ دبي في العاصمة، واستردت حصصها السيادية في صناعة التبغ عبر تدقيق مالي صارم، واسترجعت الأوعية العقارية الحساسة كمشروع دنيا بارك، وجمّدت مشاريع البتروكيماويات غير المجدية، وصولا إلى إلغاء اتفاقية النقل الجوي. هذا الفرز الاقتصادي الدقيق جعل من خطوة قطع العلاقات الدبلوماسية إجراء واقعيا مدروسا، محصنا ضد أي ارتدادات أو ابتزاز اقتصادي.

ومن الناحية المجتمعية، فقد تفاقمت هذه المبررات مع تصاعد مؤشرات استهداف الأمن المجتمعي للبلاد؛ حيث أوقفت الأجهزة الأمنية في العديد من المرّات عمليات إغراق مروعة على الحدود وفي الداخل بكميات قياسية من المؤثرات العقلية، قادمة عبر المحورين الشرقي والجنوبي، وهي مسالك تأتي من خلف الحدود لمناطق تخضع لنفوذ مباشر لحلفاء الإمارات ووكلائها الميدانيين، أين الحديث عن مصانع إماراتية سوداء في الصحراء الشرقية لليبيا. وباتت تلك الحصائل الهائلة في الداخل الجزائري تُنبئ عن تخريب ممنهج يستهدف الجبهة المجتمعية. وزاد طغيان هذا النهج العدواني أكثر، بالتدخل في الشؤون الداخلية للجزائر، ومنها محاولة التأثير على الانتخابات الرئاسية في نسختيها الأخيرتين.

كما أن الاكتشافات الدولية المتوالية لارتهان شخصيات نافذة في منظومة القرار الإماراتي، لصالح شبكات ابتزاز خارجية، على غرار انكشاف تورط المدير العام لموانئ دبي في فضيحة ابستين، عزز القناعة لدى الجزائر أن النزعة العدائية التي تديرها أبوظبي، لم تعد تمثل سياسة دولة سيدة، بل تحولت إلى أداة وظيفية تعمل على تنفيذ أجندات مدمرة، لا يمكن التعاطي معها وفق الأعراف الدبلوماسية التقليدية.

وهو ما يُؤكد في هذا القرار، أن الجزائر اختارت تحصين سيادتها وأمنها القومي على أي حسابات سياسية أو اقتصادية أخرى، وأن محاولات اللعب في الداخل الجزائري وفي الفناء الخلفي للجزائر لن يقود إلا إلى إغلاق المنافذ بالكامل، وإلى التحول نحو “اللادبلوماسية”، ولتوجه رسالة عملية بأن خطوطها الحمراء غير قابلة للمساومة، على غرار ما أكده الرئيس تبون في عدة تصريحات سابقة.

كما يدفع هذا القرار، إلى صياغة مرحلة جديدة لا تقبل الالتباس في الفضاء الإقليمي والعربي، فالسكوت عن نشاط دويلة وظيفية تعمل لصالح أجندة مضادة للمصالح العربية ولمقومات الأمة الإسلامية؛ لم يعد خيارا تسامحيا، بل هو حالة من التماهي مع مخططات أجنبية هدامة، حيث لم يعد مقبولا السكون إلى المنطقة الرمادية، وهو ما بدأت بعض البلدان العربية تنتبه إليه بعد التنبيهات المتعددة للجزائر، على غرار المملكة العربية السعودية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!