العقوق الصامت للوالدين.. إساءة خفية تعمقها التكنولوجيا
عقوق الوالدين كبيرة من الكبائر، التي لطالما تم التنبيه والتحذير من صورها وعقوبتها في داري الدنيا والآخرة. ولكنه نادرا ما يتم التطرق إلى العقوق الصامت، الذي يقترفه الأبناء في حق الأب أو الأم، عبر صور خفية غير صريحة تؤذيهما، لكن دون أن يظهر ذلك جليا.
عقوق صامت
العقوق كلمة مشتقة من العق، وتعني القطع والشق. وعقوق الوالدين يعني قطعهما وجحودهما ومخالفتهما. وهو يشمل كل قول أو فعل يتأذيان به، كالسب والشتم، الهجر والتخويف، الضرب والتطاول، إيداعهما دور العجزة، البخل عليهما إلخ.. وهي كلها أشكال إيذاء صريحة واضحة، يمكن ملاحظتها ولوم أو محاسبة الأبناء عليها. لكن، هناك نوع آخر من العقوق الصامت الذي يشمل سلوكات خفية غير بيّنة ولا واضحة. وبالتالي، يمكن ألا يتنبه مُرتكبها لأنه عاق لوالديه اللذين قد لا يشتكيان منها، رغم أنها تُؤذيهما في العمق. فبرّ الوالدين يكون بتحرّي ما يُدخل السرور لقلبيهما وفعله، مع الحرص على تفادي كل ما يؤذيهما. لكن، أن نقف موقف المتفرج أو غير المبالي وننتظر منهما طلب الإحسان إليهما أو مساعدتهما، فهذا ليس من تمام البرّ، وإنما هو صورة من صور العقوق الصامت.
خالتي خمايسية
ما دفعني إلى الخوض في هذا الموضوع، هو مأساة حقيقية لسيدة عجوز، صادفتها بأحد الأماكن العمومية، حيث كانت تجلس وتستجدي المارة كي يدفعوا عنها أجرة الحافلة التي ستقلها إلى بيت ابنها القاطنة معه منذ أن طلقها زوجها بعد إصابتها بسرطان الثدي الذي استأصله الأطباء وشُفيت منه، لتُصاب بداء السكري. خالتي خمايسية كانت في غاية الحرج، وهي تطلب ثمن تذكرة النقل. وبررت ذلك بكون ابنها مسافرا وزوجته ترفض أن تمنحها مبلغ 50 دج، رغم أنها تذهب غالبا للتجول والتسوق وتتركها رفقة أطفالها.. لا، بل، إنها كثيرا ما تذهب في عطلة لأيام رفقة ذلك الابن، وعندما يعودان تدخل مباشرة خالتي خمايسية في غيبوبة سكر، جراء ثقل مسؤولية الاعتناء بهؤلاء الأحفاد. خالتي خمايسية لم تلم ابنها، وقالت إنه يُحسن إليها، وإنها لا ترغب في شكوى زوجته إليه لأنه مثلها مريض بالسكري، ولا تريد لصحته أن تتأثر. ولكن ذلك الابن، وإن لم يعقها صراحة، فإنه يعقها بطريقة صامتة، لكونه لا يتحرى راحتها، ويترك لها أولاده لتعتني بهم، وهي المرأة المريضة المتقدمة في السن.
إما يبلغن عندك الكبر..
آيات القرآن الكريم الحاثة على برّ الوالدين والمحذرة من عواقب وعقوبة عقوقهما في الدنيا والآخرة، جاءت عامة ثم مخصصة للوالدين عند كبر سنهما، لما يخلفه تقدم العمر من ضعف وعجز ومرض. ولهذا، فمن باب أولى حينها أن يحرص الأبناء على بر والديهم. ولكن، للأسف، قد لا يلقى الأبوان المتقدمان في العمر سوى أنواع من العقوق الصامت، كأن يركن الشاب للنوم والراحة ويرضى لنفسه أن يعمد والده إلى الاستمرار في الإنفاق عليه والتسوق بدلا عنه، لتوفير حاجيات المنزل، أو أن تنشغل البنت الشابة بصويحباتها وخروجاتها أو مشاهدة التلفاز، وتترك والدتها المريضة أو الطاعنة في السن تنوب عنها في أعمال المنزل المرهقة، أو أن تأتي البنت المتزوجة إلى بيت أهلها لترتاح وتترك أولادها لأمها كي تعتني بهم وتلاحقهم طوال اليوم. ومن صور العقوق الصامت كذلك، التي زادها التطور التكنولوجي الحديث انتشارا في أسرنا ومجتمعنا، انشغال الأبناء بهواتفهم المحمولة وشاشاتهم الإلكترونية وإهمال والديهم، بعدم الحديث معهم وتركهم مثل كمّ مهمل، ما يشعرهم بالضجر والملل والحزن، ناهيك عن صورة أخرى للعقوق الصامت للوالدين التي قد يغفل عنها الكثير من الأبناء، المتمثلة في إخبار الابن والديه عن همومه ومشاكله بكل تفاصيلها، ما يكدر خاطريهما ويحملهما همّ القلق والانشغال بحال ذلك الابن، الذي كان عليه أن يحرص على إخفاء ذلك عنهما، بقدر استطاعته، ويكتفي بطلب الدعاء منهما لتجاوز محنه. والواقع، أن للعقوق الصامت صورا أخرى عديدة، وجب الانتباه إليها، لأنها قد تكون أخطر من العقوق الصريح.