-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
تحقيقات في شبهات فساد تحيط بشركات جزائرية وأجنبية

الفساد يلتهم الملايير من مشاريع محطات تحلية المياه

ب. يعقوب
  • 12637
  • 0
الفساد يلتهم الملايير من مشاريع محطات تحلية المياه
أرشيف

لم تضع الحرب على الفساد أوزارها في الجزائر، فمعركة استئصال سرطان الفساد، مستمرة وأخذت منعرجات جديدة، من خلال دخول الجهات الأمنية المختصة، في تحقيقات مباشرة في قضية جزائية تتعلق بإنجاز مشاريع صفقات محطات تحلية مياه البحر في أربع ولايات، أطرافها عديد المسؤولين من وزراء سابقين وولاة وشركات كبرى بعض أربابها يقبعون في السجن، حيث تخضع ملفات محطات تحلية مياه البحر في ماينيس بالشلف، المقطع في وهران، وسوق الثلاثاء في تلمسان، ومستغانم إلى تحقيقات كبرى حسبما أشار إليه ذات المصدر.
تفيد المعلومات التي تحصلت عليها الشروق، أن فرق التحري والبحث على مستوى أربع مجموعات إقليمية للدرك باشرت عملها في ملف لا يسقط بالتقادم، وصنف ضمن قضايا الفساد الثقيلة، وعلم أن ذات الفرق تلقت توجيهات هامة لرصد وضبط كافة المخالفات المتعلقة بتدبير الصفقات الكبرى وإنجازها وتجهيزها إلى غاية التوقيع على محاضر استلامها، علاوة على الاستعانة بمكاتب خبرات تقنية لها باع في صفقات قطاع الموارد المائية والطاقة بشكل خاص .
وقال المصدر إن التحقيقات في صفقات مشاريع مهيكلة ومبتكرة، بلغت مئات الملايير لتوفير مئات آلاف الأمتار المكعبة على مدار 24 ساعة من المياه المحلاة، تخص الفترة الممتدة بين 2008/2016، وأنها صفقات هامة للغاية، استهلكت مئات الملايير، قد تشمل التحقيقات عديد المسؤولين السابقين، بينهم وزراء في حالة إيقاف، تعاقبوا على وزارتي الموارد المائية والطاقة في الحقبة السابقة، ورجال أعمال كانوا على صلة بمسؤولين في الدولة في عهد الرئيس الراحل بوتفليقة .

مشروع مخالف للمقاييس الدولية

وبشيء من التفصيل، تم مباشرة تحقيق معمّق في محطة تحلية مياه البحر في المقطع في وهران، على ضوء إخطار والي وهران الجديد الجهات المختصة، ببدء التحقيق في اضطرابات تموين ساكنة وهران عبر محطة تحلية مياه البحر في الغرب الجزائري المنجزة بقيمة 468 مليون دولار، والتي أنجزت لتزويد 5 ملايين نسمة بغرب البلاد، لكن الفضائح التي عرفتها المحطة في الفترة الأخيرة في طاقة الإنتاج على وجه الخصوص، ومرور ساكنة وهران بأزمة عطش، جعلت الوالي الجديد ينتفض، ويأمر بفتح تحقيق لفضح كل من ثبت تورطه في انجاز محطة مخالفة لكل المعايير الدولية، مستغربا من بلوغ طاقة عمل محطة “ضخمة” 50% فقط في اليوم، بينما يحاصر العطش نصف ساكنة وهران، متسائلا في جلسة رسمية، إن كانت المصالح المعنية اتخذت قرارات صارمة لحظة ملامستها هذه التجاوزات التي أثرت سلبا على تموين ساكنة عاصمة الغرب الجزائري بمياه الشرب .
ووفق المصدر نفسه، فإن هذه الأعطاب المتكررة، كانت سببا كافيا في خروج الوالي عن صمته، داعيا المصالح المختصة للكشف الفوري عن أسباب تعثر محطة تحلية مياه البحر بالمقطع عن أداء دورها الكامل، بالنظر إلى التكلفة المالية “الفلكية” التي استهلكتها أشغال الإنجاز .ورفض الوالي في هذا السياق، كل الأعذار في تبرير الاختلالات التي طرأت على التموين، مضيفا أنه من غير المنطقي عدم ملامسة إنتاج قدره 230 ألف متر مكعب يوميا، في محطة ضخمة بهذا المستوى .
معلوم أن مشروع إنجاز محطة المقطع، تم في عهد الرئيس المدير العام الأسبق لمجمع سوناطراك محمد مزيان، وأنجز المشروع من قبل المجمع السنغافوري “هيفلوكس” بموجب عقد مبرم مع الشركة الجزائرية للطاقة، وهي فرع لشركتي سوناطراك وسونلغاز، بحضور وزير الطاقة والمناجم الأسبق الفار شكيب خليل المتابع بدوره في قضايا فساد.

تقرير صادم

مشروع محطة تحلية مياه البحر بماينيس في غرب تنس بولاية الشلف، لا يقل ضخامة من حيث الجدل الذي أثير حول بناء واستغلال وتمويل المحطة، التي حوّلت حياة ساكنة الولاية إلى جحيم بعينيه، بسبب التوقفات الفجائية في أكثر من مرة، إذ تشير مصادر “الشروق” إلى أن ملف المحطة ينتظر إحالته إلى العدالة بعد التقرير الصادم الذي رفعته لجنة الري بالمجلس الشعبي الولائي في الشلف، وذلك بعد موافقة وزارة الداخلية على وضع هذا الملف تحت تصرف الجهات القضائية للتحقيق في صفقات أبرمت مع شركات عديدة، قامت بتجهيز محطات بمضخات ضخ تقدر كلفتها بالملايير، من ضمنها شركة رجل الأعمال علي حداد المحبوس على ذمة قضايا فساد، والتي قامت بإنجاز خزانات ومحطات ضخ بقيصر في تنس وتجهيزها بالعملة الصعبة .
وكانت لجنة الري في المجلس الولائي الحالي، نبهت إلى سلسلة من العيوب والمخالفات للشروط التي تنظم عمليات تنفيذ المشاريع، لاسيما الخاصة بإمدادات مياه الشرب واستقبال المشاريع ومراقبتها، وتظهر نسخة من التقرير الذي بحوزة “الشروق”، أن لجنة الري، سلّطت الضوء على اضطرابات ندرة المياه التي تعاني منها عديد البلديات في الولاية، وعزا التقرير ذلك إلى الإخفاقات الواضحة التي لوحظت في تنفيذ ومراقبة الاستثمارات الضخمة التي تقوم بها الدولة لصالح الولاية في قطاع الري.

.. حدّاد مرة أخرى!

وذكر التقرير أن مجمّع حداد الذي اقتنى تجهيزات بالعملة الصعبة من الخارج بلا حسيب أو رقيب، وخارج معايير الجودة لتثبيتها في محطات ضخ محطة تحلية مياه البحر بتنس، كان استفاد من عدة صفقات في إطار مشروع محطة تحلية مياه البحر بماينيس، التي أنجزت بشراكة إسبانية جزائرية بنسبة 51 من المائة للمتعامل الجزائري “جزائرية طاقة” وبنسبة 49 من المائة للمتعامل الاسباني “بيفيسا” وتنتج نظريا 200 ألف م3 يوميا تحت وصاية وزارة الطاقة، ومنجزة بغلاف ضخم قدره 500 مليون دولار .
إذ أفضت التحقيقات إلى أن مجمع حداد، حصل بدوره على صفقة انجاز الخزانات الثلاث الرئيسة في المنطقة المسماة “الخربة” ببلدية بوزغاية والخزان الثالث الآخر بالشلف، بالإضافة إلى صفقة محطة الضخ بقيصر في مدخل مدينة تنس وتجهيزها بمعدات تم اقتناؤها بالعملة الصعبة قادمة من اسبانيا، علاوة على نظام التسيير عن بعد.
وحسب نتائج التحقيق، فإن المشروع الضخم كان يعول عليه ساكنة الشلف، للقضاء على أزمة التزود بالمياه وتوفيرها باستمرار، وأن محطة الضخ بقيصر بأعالي مدينة تنس، أنجزت من قبل مجمع حداد، وتم الاستلام المؤقت لهذه المحطة في جوان 2015 من قبل الجزائرية للمياه، ودخلت المحطة في مرحلة تجارب واستغلال بعد دخول محطة تحلية مياه البحر بماينيس حيز الخدمة الفعلية، وكشفت اللجنة عن أن محطة إعادة الضخ تضم 5 مضخات قوية من نوع “أوميق”، وجرى تسجيل عدة اختلالات جعلتها لا تشتغل بكل طاقتها القصوى.

ملايير تبخّرت والأزمة مستمرة

ولم تستبعد مصادر “الشروق”، أن يتم التحقيق في مشروع عملية جرّ المياه من الشط الغربي لدعم شمال النعامة وجنوبي تلمسان وبلعباس، الذي أوكلت مهام أشغاله لشركة حداد بالشراكة مع شركات أجنبية، وهو المشروع الضخم الذي كلف خزينة الدولة مئات ملايير الدينارات، على النقيض، لم يقوَ سكان هذه المناطق على مغادرة محنة العطش التي أخرجت الكثير منهم إلى الشارع، مطالبة بالتحقيق في هذه الصفقات وتحديد المسؤوليات في إدامة محنهم المستمرة.
كما تشتغل جهات تحقيق مركزية على ملف محطة تحلية مياه البحر في سوق الثلاثاء، إحدى بلديات دائرة باب العسة الحدودية في تلمسان، وذلك بعد ورود أسماء “الإخوة كونيناف” من جديد في محاضر للضبطية القضائية، تخص عقود شراء مشبوهة وتحويل غير مشروع لرؤوس أموال إلى الخارج والتي تقدر بأكثر من 8 ملايين دولار .
ومعلوم أن صفقة محطة تحلية المياه في هذه المدينة الحدودية في تلمسان أنجزت بالشراكة بين المجموعة السنغافورية “هيفلوكس” ومجموعة “مالاكوف” الماليزية وشركة سوناطراك، وفق قاعدة الشراكة الاقتصادية 51/49، فيما أوكلت عقود الشراء لشركة الإخوة كونيناف .
ويصنف هذا الملف الذي لم يطو لحد الساعة ضمن ملفات الفساد الثقيلة، وتقول المعلومات التي حصلت عليها “الشروق” إن المحطة تم تشغيلها في عام 2011، بإنتاج أولي قدره 160 ألف متر مكعب في اليوم، وكلفت الخزينة العمومية 251 مليون دولار، وقد تعطلت المحطة في شهر أكتوبر 2019، ما أدى إلى تعطيل إمدادات 20 بلدية في الولاية، تحصي أكثر من 300 ألف ساكن.

ملفات جديدة تحت المجهر!

المعركة ضد الفساد التي استعرت في المدة الأخيرة في الجزائر، ستطال ملفات أخرى لها صلة بالأمن المائي في غرب البلاد على وجه الخصوص، خصوصا ملف تهيئة سد فرقوق بمعسكر، الذي استهلك ما يزيد عن 160 مليار دج، إذ تبرز معطيات، أن الأموال صرفت في حسابات الشركات المنجزة دون التمسك بحق الضمان المعمول به في مجال الصفقات العمومية، بدليل أن الغلاف الذي خصص لإنجاح هذا المشروع لا ينسجم بالمرة مع ما تشهده ولاية معسكر من أزمات متعددة في ندرة المياه.
هذه التحقيقات الأمنية والقضائية، في معايير إنجاز محطات تحلية مياه البحر في هذه الولايات من تراب الجمهورية، تندرج ضمن مخطط فك شفرة الفساد وتنفيذ إجراء ربط المسؤولية الذي نصت عليه القوانين الجديدة، في وقت رسمت الجزائر إستراتيجية مائية في آفاق 2030، لتحقيق أمن مائي يسمح بمواجهة حرب المياه القادمة التي ظهرت معالمها في عدد من دول المنطقة العربية .

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!