-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

براءة السلف مما يفعله بعض “السلفيين”

محمد بوالروايح
  • 1718
  • 1
براءة السلف مما يفعله بعض “السلفيين”

نقرأ في كتب سلف هذه الأمة رضوان الله عليهم كلاما يفيض علما وأدبا وتواضعا، يحقر أحدُهم علمَه، ويهوِّن من شـأنه إذا رأى أن هناك من هو أعلم منه بالأحكام وأعرف منه بالإسلام وأكثر إلماما منه بالمسانيد وأحذق منه بالردود، وينظر أحدُهم في علمه فيراه مجلبة للتفاخر والتنابز فلا ينفق منه إلا بحذر خشية الوقوع في التعالم الذي هو آفة كل عالم.

ونقرأ في مقالات بعض مشايخ السلفية كلاما ينتقص المخالِف وينزع عنه صفة العالم ولو كان من أوعية العلم ومراجع الفتوى، بل يحشد بعضهم لتبكيت المخالف والتنكيت عليه ما وسعه من ألفاظ السخرية تزهيدا للناس في علمه وترهيبا له حتى لا يجرؤ مرة أخرى على منازلة شيوخ السلفية الذين هم في نظر أتباعهم أعلمُ الناس بالكتاب والسنة وأكثرهم نفعا للأمة.

قرأتُ في موقع الشيخ محمد علي فركوس مقطعا من رد سماه “تنبيه أولي البصائر في ردِّ مقولة: وماذا قدّم الدكتور فركوس للجزائر؟” جاء فيه: “..فإن كل منصف لم يحجب الحقدُ بصرَه غطاءً، ولم يمنع الحسدُ بصيرتَه غشاءً، لَيدرِك ـ بأدنى نظرٍ وأقلِّ تأمُّلٍ ـ أنَّ الشيخ أبا عبد المُعِزِّ محمَّد علي فركوس ـ حفظه الله ـ مِنْ أكثر الشخصيَّات الدِّينية في زماننا هذا ـ إِنْ لم يكن أكثرَهم ـ علمًا وعطاءً لبلده الجزائر، على وجه الإطلاق، لا فخرًا على الأقران، ولا عُلُوًّا في الأرض ولا ارتفاعًا بالنفس ولا ابتغاءَ شهرةٍ”.

أسأل إخواننا السلفيين: من بوَّأ شيخكم هذه المكانة ومن رفعه إلى هذه الدرجة ومن أنزله هذه المنزلة؟ هل هي شهادة علماء منصفين أم شهادة أتباع ومحبِّين؟ ألا يقترب هذا الإطراءُ المذموم شرعا من قول الشاعر المتنبي: أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي *  وأسمعت كلماتي من به صمم؟. من قال إن الشيخ فركوس أكثر الشخصيات الدينية في زماننا هذا؟ هل ناظر فأبهر وجادل فأفحم فسحق محدِّثيه ومناظريه فاستحق هذا اللقبَ من دون منازع؟ أليس هذا من قبيل المدح الزائد والاعتداد بالنفس؟ هلا تمعّنتم في مقولة الإمام الشافعي رحمه الله: “قولنا صوابٌ يحتمل الخطأ وقول غيرنا خطأ يحتمل الصواب”، فإن فيها ما يخفف من وطأة هذا الاستعلاء الذي يورِّث الكبر ويبعد الإنسان عن صومعة أهل العلم ومحراب أهل الذكر.

من قال إن فركوس أكثر الشخصيات الدينية في الجزائر علما؟ ما نعرفه عنه أنه التحق بالمعهد العالي لأصول الدين قادما من معهد الحقوق، وأنه درس ودرَّس كغيره، لا يفضلهم في علم ولا يتفوق عليهم في فهم، وأنه ألّف كما ألّفوا وأشرف على الرسائل كما أشرفوا فمن جعل منه رائدا ومعرفة ومن غيره نكرة؟ من ألبسه رداء المشيخة ونزعه عن غيره؟ أليس في هذا إبخاسٌ لا يستند إلى أساس ويخالف قول رب الناس: “ولا تبخسوا الناس أشياءهم”.؟.

من قال إن الشيخ فركوس أكثر الشخصيات الدينية في زماننا هذا؟ هل ناظر فأبهر وجادل فأفحم فسحق محدِّثيه ومناظريه فاستحق هذا اللقبَ من دون منازع؟ أليس هذا من قبيل المدح الزائد والاعتداد بالنفس؟ هلا تمعّنتم في مقولة الإمام الشافعي رحمه الله: “قولنا صوابٌ يحتمل الخطأ وقول غيرنا خطأ يحتمل الصواب”، فإن فيها ما يخفف من وطأة هذا الاستعلاء الذي يورِّث الكبر ويبعد الإنسان عن صومعة أهل العلم ومحراب أهل الذكر.

قرأت بيان فركوس في الردّ على شمس الدين بوروبي الموسوم: “التحذير من شمس الدين بوروبي وبراءة السلفيين مما اتّهمهم به”، فخيِّل إليّ أنه يرد على الجهم بن صفوان لما في رده من فظاظة ظاهرة وغلظة بارزة، ووجدت كذلك في ردّ شمس الدين فظاظة وغلظة ولكن بدرجة أقل مما جاء في بيان شيخ السلفيين. ولتحري الإنصاف والعدل بين “الخصمين”، رجعت إلى ما قاله شمس الدين وما كتبه فركوس، فوجدت أن بعض ما قاله شمس الدين أقلّ بكثير من التهويل الذي جاء في البيان والذي صحبه تجهيلٌ وتضليل كاد أن يصل إلى إخراجه من الملّة، فالقضية لا تستحق كل هذا وهي أشبه بقضية دم البرغوث أو أهون، صحيحٌ أن شمس الدين بوروبي ليس من العلماء المبرزين ولكن حسبه أنه يتلقى الرسائل فيعود فيها إلى أمَّهات الكتب لإجابة السائل وتفصيل المسائل. من الكلام الذي استفز به شمس الدين السلفيين مخالفتهم في تبديع درس يوم الجمعة إذ قال: “لا يجوز أن تكذبوا على الجزائريين وتقولوا لهم درس يوم الجمعة بدعة استنادا إلى حديث أبي داود: “و نهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة”، فقال شمس الدين بوروبي “إن الرسول نهى عن التحلق قبل الصلاة وليس عن التحلق قبل خطبة الجمعة”. هذه في اعتقادي مسألة يسيرة لا تستحق كل هذه الثرثرة ولا تستحق كل هذه الثورة من السلفيين على شمس الدين حتى “كادوا يكونون عليهم لبدا”، ففي كتب الشروح ما يشفي وما يغني، وقد كفانا ابن حجر العسقلاني همَّ هذه المسألة وفصَّل فيها تفصيلا مملًّا يقنع شمس الدين وفركوس وكل باحث عن الحق وملتمس للحقيقة، فلمَ هذا الإسراف في السب والثلب الذي يُفسد الأخوّة ويُذهب المودة؟.

أشجِّب وصف شمس الدين للسلفيين بـ”الفراكسة الاثني عشرية” فليس لهذا الوصف مبررا في شرعنا وآدابنا وأخلاقنا، فالاختلاف يُحسَم بالدليل وليس بهذه الطريقة التي تُشمِت بنا الأعداء وتجعلهم يطلقون العنان لألسنتهم الحداد للطعن فينا والضحك على أذقاننا. ليس من المقبول أن يقول شمس الدين عن إخواننا السلفيين بأنهم “اثنا عشرية”، فهؤلاء رغم اختلافنا معهم نحتفظ لهم بحق الأخوَّة الدينية والرابطة الوطنية. قال شمس الدين”فضَّلتُ أن أجعل هذه الحصة ردا على البيان الذي أصدره طائفة الفراكسة الاثنا عشرية. أنا لا أحب الدفاع عن نفسي ولكن حينما يتعلق الأمر بعقيدة الأمة وبالتوحيد وبعلمائنا عليهم الرضى والرضوان وبالمرجعية الوطنية التي حفظت الأمة الجزائرية لا يحوز السكوت. إن كتابي “جذور البلاء” يفضحهم فضحا ويبيِّن بالدليل القاطع أنهم زوَّروا عقائد السلف وأنهم على المنهج اليهودي في الاعتقاد”.

كان أحرى بشمس الدين أن يعرض عن هذا الكلام لأنه يغير الصدور ويفتح باب الفتنة بين علماء وأبناء هذه الأمة فنحن ننتمي -على اختلافنا- إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلّم، أمة التوحيد، ولا نقبل من يهوِّدنا أو يُخرجنا عن الملة أو يقول فينا ما يتنافى مع آداب الاختلاف. إن قول شمس الدين عن السلفيين بأنهم “على المنهج اليهودي في الاعتقاد” كلمة كبيرة وخطيرة لو مُزجت بماء البحر لمزجته، فإخواننا السلفيون ليسوا من المجسِّدة ولا من المنكِرة ولا من المُرجئة ولا من السبئية المغالية.. إنهم طائفة من أهل السنة ولو جارت علينا في بعض الأحيان أقلامُهم ونال منا بعض أتباعهم عن جهل أو قلة علم بردود لو راجعوها ورجعوا إلى أنفسهم لأدركوا أنهم قد حادوا عن الجادة.

جاء بيان السلفيين حول التحذير من شمس الدين بوروبي طافحا بلغة التنكير والتحقير والتصغير والتهوين وهو أمرٌ لا يليق ولا يتفق مع أخلاق السلف، وحتى لا أتَّهم بالافتراء عليهم أنقل مقطعا من هذا الرد: “.. ومن العجب العجاب أن يتصدر الدعوةَ إلى الله الرويبضة، وينتحل ظلما وزورا اسم “الشيخ” و”المفتي” و”الواعظ”، ممن تصدر بعض القنوات الإعلامية بضاعته المزجاة، وهو في الحقيقة  مفتئِتٌ على مقام العلم والإرشاد، مندسٌّ في صفوف الأئمة والدعاة، وسببٌ من أسباب الصد عن دين الله والتنفير منه”.

ليس من عقيدة السلف ولا من أخلاقهم وصفُ رجلٍ مؤمن موحِّد بأنه “سببٌ من أسباب الصد عن دين الله” بسبب أنه قال في مسألة بما يخالف منهجنا وما “وجدنا علينا شيوخنا”، ليس هذا من منهج السلف في شيء. ينبغي أن نتعلم من السلف أدبَ الرد على المخالف، ومن هذه الآداب ألا يستبدّ بنا الغرور فنعتقد أننا أهل العلم وبابه وغيرنا غير مؤهَّلين لذلك، وأن الحق إلى جانبنا وغيرنا مجانبٌ للصواب. ومن هذه الآداب أن تكون الغاية من الاختلاف معرفة الحق من أي وعاء صدر؛ فالحق أحق أن يتبع فقد قال رجلٌ لابن مسعود رضي الله عنه “أوصِني بكلماتٍ جوامع”، فكان مما أوصاه به كما جاء في (الإحكام في أصول الأحكام): “.. ومن أتاك بحق فأقبل منه وإن كان بعيدا بغيضا، ومن أتاك بالباطل فاردده وإن كان قريبا حبيبا”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • دحمان

    هذا هو العدل