ما بين نارين
لم يكن العالم، لاسيما أوروبا، عشية الإعلان عن نهاية الحرب العالمية الثانية في 8 ماي 1945، وحده ليخرج فرحا مسرورا بنهاية الكابوس، بل كانت البلدان الواقعة تحت احتلال هذه الدول التي عانت من الاحتلال النازي هي الأكثر غبطة لما حلّ، وبما ارتحل، لكن لكل مبرراتُه ولكل أسبابه ودوافعه.
الجزائر، التي عانت الأمرِّين من احتلال مدمِّر شامل وغير مسبوق من حيث حجم القوى المسخَّرة للغزو والاستيطان، ومن حيث الشراسة والبشاعة الإجرامية والتدمير المنهجي لكل شيء يربط الإنسان بأرضه وإنسانيته، ستجد نفسها بين حربين عالميتين، فجَّرهما الغربُ الاستعماري بنفسه ضد نفسه، في محاولة لإعادة تشكيل خريطة تحالفات العالم الجديد لما بعد حقبة “الإمبريالية، التي هي أعلى مراحل الرأسمالية”.
ما بين نارين: هكذا يمكن توصيف وضع الجزائر ما بين حربين عالميتين، لم يكن لها في واقع الأمر لا ناقة ولا جمل، إذ أنها لم تكن لا في العير ولا في النفير. لكن، بحكم الاستعمار الفرنسي لها، وهذا الأخير الذي كان جزءًا لا يتجزَّأ من آلة الحرب العالمية الأولى، في تحالف محوري ضد المحور الألماني-التركي، وجدت الجزائر نفسها، وهي محتلة وتعاني ويلات الاستعمار والاستيطان، مجبرة على مشاركة المحتلّ حربه ضد الغير. حرب لا علاقة للجزائر فيها سوى أن أحد أطراف محوره مسلم وكان سابقا، حامي الأراضي الجزائرية من حملات الصليبية والروكنكستا الإسبانية. أُرغِم الجزائريون، لاسيما الشباب منهم، على الانخراط بشكل تعسفي في هذه الحرب “عن بُعد”، بأن أجبِروا، تحت قوانين التجنيد الإجباري سنة 1912، على الموت في سبيل المستعمِر. في موقف موغل في الظلم والحقارة والنرجسية: أن تُرغَم على قتال أخيك المسلم، حاميك سابقا منهم ومن أمثالهم، على بُعد آلاف الأميال من حدودك الجغرافية والإقليمية، في “الدردنيل”، فقط لأن من يحتلّك وينهب أرضك ويشرِّدك ويأخذ روحك وحقك، أراد ذلك، أراد أن يأكل الشوك بفمك.
رفض الجزائريون في معظمهم قوانين التجنيد الإجباري، وشهدت الجزائر عدة حالات رفض، قابلتها السلطات الفرنسية بموجة قمع واعتقالات وسجن، حتى قبل بدء الحرب في 1914.
النتيجة، أنه بعد فوز الحلف المعادي لألمانيا وتركيا، رمت فرنسا المحتلة عظما للجزائريين، وعدا غير صادق منها، كما ستفعل مع الجزائريين في حربها الكونية الثانية ضد ألمانيا النازية فيما بعد، أنها ستمنح لهم حقوقا وامتيازات، لقاء هذه “المساهمة” بالدم والنفس والنفيس، فكان أن فتحت لهم نافدة عبر “حرية صحافية” مراقَبة، وحرية أحزاب، موجَّهة، ومعارضة مروَّضة، وظفها الجزائريون في مقاومتهم وعلى علات القوانين التي تحكمها، لإرباك المستعمِر، فكانت حركة الأمير خالد وحركة الصحافة والأحزاب والنوادي والجمعيات، التي مهَّدت لما بعد انتفاضات 1930؛ سنة الاحتفال الفرنسي بالذكرى المئوية لاحتلالها للجزائر.
لم يكن الحديث الفرنسي، لا عن استقلال الجزائر، ولا عن حقوق سياسية سيادية خارج إطار الاحتلال، مع ذلك ضحى الجزائريون بأنفسهم من أجل “القشور”.
بعد هذه النار، جاء لهيبُ النار الثانية وكانت أشد، وجنّدت فرنسا الجزائريين تجنيدا إجباريا لا طوعيا عمليا، وكانت النتيجة ألعن من أختها: 45 ألف شهيد في أقلّ من أسبوع، في عزِّ أيام النصر على النازية وفي وهج الفرح والهتافات، في العالم كله: إلا في الجزائر، حيث تحولت هتافات النصر إلى عويل وبكاء ودم ومجازر مروِّعة وتقتيل بدم بارد.
بين نارين، وفي نار لم تخمد قطّ منذ انفجارها في 5 جويلية 1830، كان على الجزائر أن تعجن كل مرة من ترابها المخضَّب بالدم لمستقبلها اليوم.