من وحي الملتقى الوطنيّ الرابع للمجاهد العقيد الحاج لخضر
كانت البداية أن عرض عليّ صديقي الكاتب بشير فريك -منذ أشهر- المشاركة في الملتقى الرابع المتزامن مع الذكرى الـ28 لرحيل المجاهد الحاج لخضر، المنظَّم من طرف كلية العلوم الإسلامية، جامعة باتنة 1، ولما أعطيت له الموافقة بفرح وسرور، رتّب لي لقاء مع د. عبد الحميد خزّار هنا في العاصمة -بصفته أحد الفاعلين في الملتقى- للنظر في موضوع مداخلتي (طمس الهوية الوطنية في ظل الاستعمار الفرنسي 1830-1962م). وتقرّر عقد الملتقى أخيرا يوم الثلاثاء 14 أفريل 2026م، بقاعة المحاضرات الدكتور طاهر حليس، بالكلية المذكورة آنفا.
قمت على هامش هذا الملتقى بجولات ثقافية مثمرة في مدينة باتنة وما جاورها، مكّنني منها د. خزّار مشكورا، بمرافقة أساتذة جامعيين قدّموا لي أثناءها شروحا مفيدة في مجالات التاريخ والجغرافيا والطوݒونيميا (أسماء الأماكن).
نبذة عن حياة الحاج لخضر
وُلد محمد الطاهر عبيدي (المدعو الحاج لخضر) بقرية عمارة، بلدية وادي الشعبة، ولاية باتنة، سنة 1914م من أسرة فقيرة. سافر إلى فرنسا سنة 1936م بحثًا عن العمل، ومكث هناك إلى أن اندلعت الحرب العالمية الثانية، فعاد إلى أرض الوطن حيث مارس عددا من المهن الحرة المختلفة. انضمّ خلال هذه الفترة إلى الحركة الوطنية التحررية بقيادة حزب الشعب الجزائري. التقى المناضلَ مصطفى بن بولعيد سنة 1941م وكلّفه بهيكلة فروع الحزب في مختلف مناطق الأوراس. وكان على صلة بأعضاء المنظمة الخاصة (OS) الذين نجوا من قبضة الاستعمار بعد اكتشافها.
شارك في إعداد ثورة أوّل نوفمبر 1954م بالمنطقة الأولى التي أشرف عليها الشهيد مصطفى بن بولعيد، وقام بعدة عمليات عسكرية لا يتّسع المجال لذكرها. وفي هذا السياق أكد د. عبد الحميد خزّار في محاضرته التي ألقاها في المؤتمر الوطنيّ الثاني المنعقد بتاريخ 26 فيفري 2024م مكانة المجاهد الحاج لخضر في الثورة بقوله: «… بعد استشهاد مصطفى بن بولعيد التحق بقيادة الولاية (المنطقة) الأولى رفقة عليّ النمر. كان رحمة الله عليه يرفض المناصب السياسية ويتنازل عنها لغيره ممن يراهم أهلا لها. عرض عليه عميروش رتبة نقيب فرفضها. وبعد استشهاد عليّ النمر عيِّن قائدا عسكريا للولاية الأولى بأمر من لعموري الذي قال له: يا عمّي الحاج هذا أمرٌ لا بد أن تطبِّقه».
وبعد مشاركته في جهاد الثورة والتحرير، شارك في معركة التعمير والتنوير كما هو مبيّن في عنوان أعمال الملتقى الوطنيّ الثاني (فيفري 2024م).
ولم يدّخر المجاهد الحاج لخضر أيّ جهد في عهد الاستقلال، من أجل بناء مؤسسات ثقافية وعلمية تعلّم الشباب وترشد الجمهور وتحصّن المجتمع بالوعي الوطني الجزائري، فتبرّع بماله لفائدة مشروع مجمع أوّل نوفمبر (مسجد ومعهد العلوم الإسلامية) الذي أقيم في أرض كانت في عهد الاستعمار مطارا عسكريا تنطلق منه الطائرات لقصف قرى جبال الأوراس، لتتحوّل بفضل هذا المشروع الحضاري إلى منار يشعّ منه نور العلم.
وبالنظر إلى مكانته الاجتماعية المرموقة في المجتمع، فقد كانت السلطات المحلية تحترمه وتستجيب لمطالبه المتعلقة بالتنمية المحلية. وكان يشرف على سير أعمال انجاز المشروع، إلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى سنة 1998م. وكانت جنازته من الأيام المشهودة في مدينة باتنة حضرتها شخصياتٌ وطنية كثيرة تمثل الطبقة السياسية والمجتمع المدني.
بداية تأسيس مدينة باتنة
يمكن أن ألخِّص المعلومات التي قدِّمت لي في عجالة في هذه الزيارة، أن منطقة باتنة كانت مزارع وبساتين تندرج ضمن أملاك أولاد الشليح في معظمها، وأولاد سيدي يحيى ناحية تازولت. لكن نظرا لموقف القبيلتين المعادي للاحتلال الفرنسيّ، فقد قام الجيش المعتدي بمصادرة أراضيهما، وباستقدام عنصر بشري من مناطق بعيدة، لاستغلالهم في بناء الثكنة والسجن والمستوطنة الفرنسية. وقد أصدر وزير الحرب الفرنسيّ كافينياك قرارا يقضي ببناء مستوطنة سنة 1848م، تستوعب نحو 5000 مستوطِن، أطلق عليها في البداية اسم “لامبيز الجديدة” قبل أن يتحوّل إلى باتنة. وهي ذات موقع استراتيجي يربط بين الشمال والجنوب (بين قسنطينة وبسكرة).
برنامج الملتقى
تضمَّنت الجلسة الافتتاحية تلاوة آيات بيّنات من الذكر الحكيم/ السلام الوطني/ كلمة السيّد رئيس الملتقى/ كلمة السيّد عميد الكلية/ كلمة السيد مدير الجامعة/ عرض شريط وثائقي عن سيرة المجاهد الحاج لخضر/ كلمة الشيخ محمد الهادي الحسني.
وقد تشرَّفتُ بإلقاء المداخلة العلمية الافتتاحية بعنوان: مظاهر طمس الهوية الوطنية في ظل الاستعمار الفرنسيّ 1830-1962م.
كان برنامج الملتقى الرابع ثريا من حيث المداخلات العلمية التي قدَّمها أساتذة مشاركون قدِموا من ولايات عديدة:
- أ. د. نصر سلمان (جامعة الأمير عبد القادر، قسنطينة).
- أ. د. نور الدين طوابة (جامعة أدرار).
- أ. د. أمينة بوبصلة (جامعة جيجل).
- د. العربي إسماعيل (جامعة تلمسان).
بالإضافة إلى أساتذة من جامعة باتنة 1. وجامعة باتنة 2 وهم: السادة: أ. د. أحمد عيساوي/ أ. د.عبد القادر عبد السلام/ أ. د. عبد الحق ميحي/ ط. د. فتحي قرازة./ د. إبراهيم رحموني (جامعة باتنة 2).
الجولة الثقافية الأولى
حللتُ بمدينة باتنة يوم الاثنين 13 أفريل 2026م صباحا، أي قبل انطلاق أشغال الملتقى بيوم واحد، وكان ذلك فرصة لزيارة بعض معالم باتنة وما جاورها. استقبلني في مطار مصطفى بن بولعيد السادة الأساتذة الجامعيون:
- أ. د. عبد الحميد خزار(علوم التربية).
- أ. د. عليّ براجل (علوم التربية).
- أ. د. إسماعيل زردومي (أدب عربي).
وبعد استراحة قصيرة في مقهى قريب من المطار، انطلقت بنا سيارة سي عبد الحميد خزار بطلب منّي، نحو قرية نارة لزيارة قبر الشهيد مصطفى بن بولعيد الذي يبعد عن مدينة باتنة بنحو 83 كلم. عرّجنا بأحد أحياء مدينة باتنة حيث التحق بنا الأستاذ نصر الدين معاشي (موثّق)، ثم توكلنا على الله.
مررنا عبر مدينة تازولت التاريخية التي تقع في سهل منبسط تحيطه جبال تبعد عن باتنة بنحو 10 كلم، والتقينا هناك جماعةً من مواطني ولاية بجاية جاؤوا لزيارة معالم ولاية باتنة التاريخية، وانتهزنا هذه السانحة لأخذ صور تذكارية جماعية بجنب أحد المعالم التاريخية القديمة في منطقة مركونة، التي أنجِزت في زمن الاحتلال الروماني بسواعد جزائرية (بوابة مدينة أو قوس نصر).
قرى تقليدية مهجورة
وفي طريق ثِيزِي العابد (ثنية العابد) أخبرني د. عليّ برّاجل أنّنا وصلنا إلى مكان مرتفع يسمى “المحمل” يزيد علوُّه عن ألفين وثلاثمائة متر، ويعدُّ ثاني قمّة بعد قمة شيلية في جبال الأوراس، وهناك وقفنا أمام شجرة نادرة لا تنبت إلَّا في المعالي، وأخبرني د. إسماعيل زردومي في عين المكان أنها تسمى بالأمازيغية أيْوَالْ أو هَزَنزْنَة، وهي في طريق الانقراض، لكن هناك جهودا تبذل في المخابر العلمية لاستنباتها. ثم مررنا بمجموعة من أطلال قرى قديمة تقع على منحدرات إغْزَرْ نايث (وادي عبدي) تحمل أسماء أمازيغية قديمة، لكن اللافتات كُتبت في معظمها باللغة العربية، منها على سبيل المثال لا الحصر قرية “ثِيزي أنْسِيرْثْ” (ثنية المطحنة)، وقرية إنُورَارْ (ثنية أنْوادَر)، ثم مررنا بأطلال قرية أخْرِيبْ. هذا وقد أخبرني د. زردومي أن القرية تسمى باللسان الشاوي الأمازيغي (هَقلِيعْثْ).
عندما وصلنا إلى قرية أرْبِيعْ، تجاذبنا أطراف الحديث مع بعض السكان -الذين وجدانهم على حافة الطريق- باللسان الشاوي الذي لا يختلف كثيرا عن اللسان الزواوي. هذا وقد فضّل السكان في عهد الاستقلال بناء منازلهم الحديثة على مقربة من الطريق المعبَّد الذي تتوفر فيه أسباب الحياة العصرية (كهرباء/ ماء/ غاز المدينة/ قنوات تصريف المياه/ مدارس..) تاركين القرى القديمة المبنية بالحجارة والطين ذات السقوف الأفقية، أثرا بعد عين.
ظواهر مميّزة
من الظواهر التي جلبت انتباهي أثناء السّير، وضع عدد من أحجار فوق بعضها في بعض الحقول المخضرَّة، وأخبرني د. عليّ برّاجل أن معناها، ممنوع الرعي فيها لغير مالكها. وشاهدت أيضا عدة رعاة من أعمار مختلفة (ذكورا وإناثا) يرعون قطعانا من الماعز كما هو الحال عندنا في منطقة القبائل. ورأيت بستانا رائعا صُمِّم على شكل مصاطب لانحداره الشديد، وصدق من قال: الحاجة أمّ الاختراع. واستخلصتُ ممّا رأيت أن حوض إغْزَرْ وادي العابد الخصب، يشكل عصب الحياة في هذه المنطقة، لذلك تركّز حوله العمران بكثافة. مررنا بمكان يسمى محليا باللسان الشاوي الأمازيغي “مَالو وَزْلافْ” أي منحدر نبات وَزْلافْ، وهو نباتٌ ينبت حيث يكثر الماء، لذلك جاء في المثل الشاوي الأمازيغي (مارْثْ وَمَانْ ذزْلافْ) أي أن أمَارة (علامة) الماء هو وجود نبتة أزْلافْ.
قرية نارة
وصلنا في نهاية الرحلة إلى قرية نارة حيث دُفن الشهيد القائد مصطفى بن بولعيد، الواقعة على سفح جبل إشْ أزِيزَا أو أذرَارْ أزِيزَا (الجبل لزْرَڤ)، الواقعة في بلدية منعة. وتبعد عن مدينة باتنة بنحو 83 كلم. واستغرق السفر نحو ساعتين بسبب التضاريس الصعبة. وجدنا باب مقبرة الشهداء –من حسن حظنا– مفتوحا، فدخلنا مسرورين، ثمّ توجهنا مباشرة إلى قبر الشهيد مصطفى بن بولعيد، وقبر الشهيد عبد الحميد عمراني، اللذين يقعان في قلب المقبرة تحت الجدارية التي كُتبت عليها أسماء شهداء المنطقة. قرأنا سورة الفاتحة ترحّما على أرواح الشهداء، ثم أخذنا صورا تذكارية في مواقع مختلفة. وعندما هممنا بالخروج دخل شخص بمعية زوجته قادما من فرنسا خصّيصا لزيارة قبر البطل الشهيد مصطفى بن بولعيد، فأرشدناه، وتجاذب أطراف الحديث معنا استخلصتُ منه أنه من أقارب الشهيد.
مطاعم في الهواء الطلق
مررنا أثناء عودتنا إلى باتنة بسهل منبسط يسمى إڤلمَامَنْ، وهي تسمية أمازيغية تعني حواجز مائية، وبالفعل وجدنا في هذا السهل بساتين غنّاء ذات حواجز مائية كثيرة تُستغل في سقي الأشجار وري المحاصيل الزراعية. وقد استغل بعض المواطنين جمال الطبيعة فأقاموا عددا من المطاعم في الهواء الطلق، يقصدها المواطنون والسياح للأكل وللتنزُّه والراحة خلال فصول السنة. وفي حضن هذا المكان الخلاب تناولنا الغداء (اللحم المشوي وطبق من السلاطة).
الترحُّم على أرواح العلماء
عندما وصلنا -أثناء العودة- إلى مدينة تازولت طلبتُ من مرافقي د. عبد الحميد خزار تمكيني من زيارة قبر العالم المصلح عمر دردور الملقب بـ”ابن باديس الأوراس” للترحم على روحه الطاهرة. والجدير بالذكر أنه خصّص له كتابا بعنوان: “معهد التعليم الأصلي من النشأة إلى الاغتيال” أهدى لي نسخة منه. وأخبرني د. إسماعيل زردومي ونحن في المقبرة، أن عائلة الشيخ عمر دردور تنتمي إلى قرية ثامَضْرُونْتْ (مَضْرُونة، أو مَدْرُونة بالنطق الفرنسي)، حيث كانت تملك زاوية علمية تنتمي إلى الطريقة الرحمانية الجهادية.
تجسّدت المرحلة الأخيرة من خرجة اليوم الأول الثقافية، في زيارة مقبرة بوزوران الواقعة وسط مدينة باتنة حيث يرقد عددٌ من الأعلام البارزين رحمهم الله، منهم الحاج لخضر وكذا الرئيس الأسبق اليامين زروال، والدكتور الشهيد الطاهر حليس الذي اغتاله الإرهاب سنة 1994م، وقد خصّص له أ. د. مسعود بن موسى فلوسي كتابا بعنوان: “الأستاذ الطاهر بن مبارك حليس.. لمحاتٌ من سيرته ونماذج آثاره” جاء في مقدمته قوله: «كان رحيله فاجعة ومفجعا لأهله ولطلبته ومحبّيه من أبناء مدينة باتنة، الذين عرفوا فيه الرجل العامل لدينه ووطنه، الحريص على خدمة الناس، الساعي في الخير والإصلاح ونشر العلم والهداية». وترحمت أيضا على روح الدكتور محمد خزّار مدير سابق لجامعة الحاج لخضر ومسؤول مجلة “الإحياء” وهي مجلة علمية محكّمة، كانت تصدرها كلية العلوم الإسلامية وكلية العلوم الاجتماعية. رحم الله جميع الرّاقدين في هذه المقبرة.
وفاة الأستاذ الساسي عابدي
كنت أنوي زيارة قبر الباحث المتخصِّص في التراث الأمازيغي لمنطقة الأوراس الأستاذ الساسي عابدي، الذي فارق الحياة قبل حلولي بالمدينة بأيام قليلة، لكن مع الأسف لم أجد من يدلُّني على قبره. هذا وقد خصَّص له الأستاذ نوار لمباركية مقالا تأبينيا يليق بمقامه، نشره في جريدة “الشروق اليومي” يوم الخميس 23/4/2026م جاء فيه قوله: «إن فقدان الأخ السّاسي عابدي هو خسارة للفكر الموسوعي المدهش وللموقف المعتدل وللرأي السديد وللنظرة الثاقبة والمتوازنة والجامعة لمقوِّمات الهوية الوطنية وعناصرها في هيئتها الكاملة». وفي الأخير رافقني د. خزار إلى فندق شاكر ذي 4 نجوم حيث قضيت ليلتين، تمتّعتُ خلالهما بخدمات راقية وأطباق غذائية لذيذة.
زيارة مسقط رأس الحاج لخضر
بعد أن أنهينا أشغال الملتقى المنعقد يوم الثلاثاء 14 أفريل 2026م، انطلقت بنا سيارة د. خزار نحو قرية عمارة، بلدية وادي الشعبة، مسقط رأس المجاهد الحاج لخضر التي تبعد عن مدينة باتنة بنحو 18 كلم، رفقة د. الحاج دواق اُوحمنه والأستاذ الموثق نصر الدين معاشي. والجدير بالذكر أن سكان هذه البلدية ينتمون إلى قبيلة أولاد الشلِيحْ التي تمتدّ أراضيها من المعذر إلى عين توتة حسب ما جاء في شرح د. خزار، وهو من أحفادها (آيت شعبان الذين تفرّعوا إلى عائلتين عائلة خزار، وعائلة شعبان)، كما ينتسب إليها أيضا آيث عبيد (عائلة الحاج لخضر)، وعائلة بن فليس، وغيرُهم.
كانت البداية أن قمنا بزيارة مقبرة الشهداء لبلدية وادي الشعبة التي تضم رفات 720 شهيد، يشرف عليها السيد التُّهامي بن فليس متطوّعا، شاهدتُ في هذه المقبرة بقايا طائرة حربية جلبها هذا الأخير من جبل حيث أسقطها المجاهدون إبّان ثورة أول نوفمبر 1954م. ثم غادرنا المكان بعد قراءة سورة الفاتحة على أرواح الشهداء.
عملية فدائية يوم 14 جوان 1955م
بعد أن قطعت بنا السيارة مسافة معينة، وصلنا إلى المكان المسمى أم لحبال بقرية عمارة، قدّم لي د. خزار شرحا وافيا حول العملية الفدائية التي نفذها المجاهد الحاج لخضر أودت بحياة “جاك فياما” وهو ابن مُعمّر فرنسيّ كان بصدد القيام بعملية الحصاد يوم 14 جوان 1955م، وما نجم عنها من ردّ الفعل للجيش الفرنسيّ الذي انتقم من سكان القرية، فقتل عددا من أفراد العائلات القاطنة هناك، منهم 7 شهداء من عائلة خزار، و5 شهداء من عائلة بلقاضي، وشهيدان من عائلة بن عبيد (عائلة الحاج لخضر)، وآخرين. على إثر ذلك هجَّر بقية السكان، فاتجهت عائلة خزار نحو بلدية سڤانة ببريكة.
وتكريما لهؤلاء الشهداء أقيم لهم نصبٌ تذكاري يليق بمقامهم، قرأنا في رحابه سورة الفاتحة ترحّما على أرواحهم. هذا ولم أتمكّن من الوصول إلى بيت عائلة الحاج لخضر العتيق، لعدم وجود طريق معبّد، ولأن الوقت كان يقترب من الغروب، لذا اكتفيتُ بالتقاط صورة له من مسافة بعيدة نسبيًّا.
… يُتبع
لم يدّخر المجاهد الحاج لخضر أيّ جهد في عهد الاستقلال، من أجل بناء مؤسسات ثقافية وعلمية تعلّم الشباب وترشد الجمهور وتحصّن المجتمع بالوعي الوطني الجزائري، فتبرّع بماله لفائدة مشروع مجمع أوّل نوفمبر (مسجد ومعهد العلوم الإسلامية) الذي أقيم في أرض كانت في عهد الاستعمار مطارا عسكريا تنطلق منه الطائرات لقصف قرى جبال الأوراس، لتتحوّل بفضل هذا المشروع الحضاري إلى منار يشعّ منه نور العلم.
مررنا بمجموعة من أطلال قرى قديمة تقع على منحدرات إغْزَرْ نايث (وادي عبدي) تحمل أسماء أمازيغية قديمة، لكن اللافتات كُتبت في معظمها باللغة العربية، منها على سبيل المثال لا الحصر قرية “ثِيزي أنْسِيرْثْ” (ثنية المطحنة)، وقرية إنُورَارْ (ثنية أنْوادَر)، ثم مررنا بأطلال قرية أخْرِيبْ. هذا وقد أخبرني د. زردومي أن القرية تسمى باللسان الشاوي الأمازيغي (هَقلِيعْثْ).
قرأنا سورة الفاتحة ترحّما على أرواح الشهداء، ثم أخذنا صورا تذكارية في مواقع مختلفة. وعندما هممنا بالخروج دخل شخص بمعية زوجته قادما من فرنسا خصّيصا لزيارة قبر البطل الشهيد مصطفى بن بولعيد، فأرشدناه، وتجاذب أطراف الحديث معنا استخلصتُ منه أنه من أقارب الشهيد.