-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

لقاء مع المجاهد والمؤرخ محمد جندلي العنابي

لقاء مع المجاهد والمؤرخ محمد جندلي العنابي

النضال الثوري في الجزائر ملحمةٌ تاريخية كبرى، استلهم الثوار في كل بقاع الدنيا من تجربتها الرائدة في محاربة المستبد الفرنسي الذي جلب بخيله ورجله على الجزائر يراوده حلم العثور على الجنة الموعودة التي راودت مخيال ساساته وقادته ليجد نفسه أمام بنيان مرصوص متماسك يشد بعضه بعضا، بنيان ترعاه القيم ويذود عنه الثوار الذين بذلوا أرواحهم في سبيل نصرة الدين وعزة الوطن.

للوقوف على هذه المعاني الكبيرة والتضحيات الجليلة لرجال الجزائر الذين قادوا النضال وحرروا البلاد والعباد، كان لنا حوار مع أحد صناع هذه الملحمة الخالدة وهو محمد جندلي الذي دعوته للحوار عن طريق أخيه عبد المجيد المجاهد والإطار الجزائري الأسبق فلبّى الدعوة والتقيته في “ساحة مارس” بعنابة وطفقت أسأله أسئلة شتى حول تاريخ عنابة وبالأخص تاريخها الثوري فأفرغ كل ما في جعبته بلغة ماتعة وطريقة آسرة لا تكلُّف فيها ولا تصنُّع، استمعت إليه فاكتشفت لأول وهلة أن كلمات الرجل تخرج من أعماقه وتعبر عن حب كبير لهذا الوطن لم يتسنّه رغم أن الرجل قد جاوز التسعين سنة. كنت ألمحه وهو قادمٌ إلي، ممتلئا نشاطا يغالب المرض ويسارع الخطى فآنستُ منه حينما جلس إلي نفسا كبيرة وشخصية فذة ما زالت تعيش على وهج وعبيق الثورة التي صنعها هو وثلة من رفاقه المجاهدين الذين قضى بعضهم نحبه وما بدلوا تبديلا.

ينتمي محمد جندلي إلى عائلة ثورية ورثت الإباء أبا عن جد فهو كما عائلته سليل قبيلة جندل العربية من بني هلال التي كان لها امتدادٌ جغرافي من برّحال إلى عزابة، قبيلة يرجع نسبها –كما يقول المؤرخون- إلى حصن بن زغبة، التي قال عنها ابن خلدون: “وكان لحصين هؤلاء بطنان عظيمان هما جندل وحراش”.

لقد اجتمعت في المجاهد والمؤرخ محمد جندلي صفتَا المؤرخ الحامل لقضية والمناضل من أجل غاية نبيلة وهما الصفتان اللتان يستشفهما كل قارئ لكتابه: “مبعث الحركة الوطنية بالجزائر وامتداداتها بعنابة (1919-1954)، فهو في هذا الكتاب يتحدث عن الحركة الوطنية ليس من قبيل الشغف التاريخي بل يتحدث عنها لأنه عايشها وانخرط فيها وحمل قيمها ودافع عن مبادئها، وهذا ما يميزه عن المؤرخين الذين يكتبون عن الحركة الوطنية بناء على ما قرأوه في بطون الكتب وليس على ما عاشوه في الميدان وليس الناقل كالشاهد العيان الذي عاش أهم مفاصل هذه الحركة وعاين امتداداتها وبعض المعوقات التي اعترضتها من شاكلة ما كانت تتعرض له من كيد الكائدين وعمل الخائنين الذين كانوا يرقبون تحركات أفرادها وقادتها ويقدمون الوشايات المجانية للإدارة الاستعمارية.

لقد صال محمد جندلي وجال في قضايا كثيرة، فحدّثنا عن الحركة الإصلاحية التي قام بها الشيخ عبد الحميد بن باديس كما حدّثنا عن الحركات السياسية الأخرى، وهنا شدّد على التناغم والتعاون الذي طبع هذه الحركات الوطنية على اختلاف طرائقها ومناهجها لأنه كانت تجمعها غاية واحدة وهي تحرير البلاد من الاستعمار وإقامة أسس الدولة المستقلة عن فرنسا تاريخيا وجغرافيا وحضاريا. لقد حدّثنا أن عنابة لم تكن غائبة عن أجندة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فقد كان يأتيها علماء الجمعية لتنظيم بعض النشاطات ولجمع التأييد لعملها الإصلاحي الذي بدأ يتوسع منذ تأسيسها في 05 ماي 1931، وهذا رغم التضييق الذي كانت تمارسه سلطات الاحتلال ورغم إمكاناتها المادية المحدودة. كان محمد جندلي حدثا صغيرا في ذلك الوقت ولكن أباه إبراهيم رحمه الله كان يصطحبه معه ليغرس فيه القيم الدينية والوطنية وهو ما كان عاملا مهما في صقل شخصيته في مرحلة النضج والبلوغ. وهذه هي قيم التواصل التي نلحُّ على ترسيخها بين الآباء والأبناء فالوطن أمانة تتوارثها الأجيال وليست حكرا على جيل واحد.

حدّثنا المجاهد والمؤرخ محمد جندلي بإسهاب عن العمل الاستخباراتي اليقظ الذي كانت تقوم به الحركة الوطنية كشكل من أشكال مراقبة تحركات العدو ومراقبة أعمال الخيانة التي يقوم بها بعض عملائه، وقد مكَّنت هذه اليقظة رجال الحركة الوطنية من القيام بعدة عمليات فدائية استهدفت شخصيات استعمارية معادية للثورة لأن الرد على المعتدي أمرٌ واجب ومشروع واستدل في هذا بقوله تعالى: “أذِن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم إلا أن يقولوا ربنا الله ” الحج 39.

لمحمد جندلي كتب قيمة أهدانا بعضها، وتتوزع على عناوين شتى نذكر منها كتاب: “البربر والعرب وما بينهما من صلة ودخيل”، وهو من أجزاء، وكتاب: “عنابة في سياق التاريخ وعمق الجغرافية” وهو من أجزاء، تتناول تاريخ عنابة في القديم والوسيط، وكتاب: “تاريخ عنابة الحديث والمعاصر وتاريخ الحركة الوطنية وامتداداتها في عنابة”، وكتاب: “السياسة الشعوبية الاستعمارية في تاريخ المغرب العربي الحديث” وهو من أجزاء أيضا.

وعلاوة على الاهتمام التاريخي، لمحمد جندلي اهتماماتٌ أخرى عربية وشعرية ودينية، وقد لمست منه اطلاعا على النصوص الإسلامية وقدرة على الاستدلال بها على بعض القضايا، وهذه في الحقيقة هي ثمرة التكوين الشرعي الذي تلقاه في جامع الزيتونة بتونس الذي نال به شهادة الأهلية في العلوم الشرعية واللغوية ما بين 1949 و1953.

وعن سيرته النضالية، كان محمد جندلي عضوا في جمعية الطلبة الجزائريين الزيتونيين من 1949 إلى 1953، وهي الفترة التي قضاها في جامع الزيتونة -كما أسلفت- وكان عضوا في حزب حركة الانتصار للحريات الديمقراطية 1948-1954، ثم عضوا بجبهة التحرير الوطني 1954-1962. تعرّض محمد جندلي للإيقاف من قبل السلطات الاستعمارية لبضع سنين بسبب نشاطه النضالي المكثف، وقد تعرّض كسائر إخوانه ورفاقه في النضال لشتى أصناف التعذيب. كما تولى جندلي مسؤوليات بعد الاستقلال، كعضو مسير لجبهة التحرير الوطني بدائرة عنابة وعضو ممثل لجبهة التحرير في الغرفة التجارية 1963، ومقرر لمنظمة المجاهدين عن ولاية عنابة 1963،كما اشتغل أستاذا للتعليم من 1963 إلى 1993، ثم تقاعد بعدها واشتغل بالكتابة والبحث والتأليف، وهو لا يزال إلى الآن رغم سنه المتقدم شغوفا بذلك، بل يعتزم إصدار مؤلفات أخرى وهي رسالة لتكريس ثقافة الاجتهاد بين الأجيال لأن العلم لا عمر له، وقد قرأنا في التاريخ عن سيرة بعض العلماء الكبار أنه بقي يكتب ويؤلف وقد بلغ من الكبر عتيا.

والتمست من المجاهد والمؤرخ محمد جندلي توجيه رسالة إلى الجيل الحاضر من الشباب الجزائري فقال إنه يجب على المثقفين والمؤرخين أن يعرِّفوا الشباب الجزائري بالحقائق المرة للاستعمار الفرنسي وأن يعرِّفوهم بأن النضال الثوري الذي قدناه وقاده غيرنا قبلنا كان بسبب الظلم البشع الذي تعرَّضنا له والذي سلبنا حقنا في حرية العيش وحرية التعبير. لا ينبغي أن تبقى هذه الحقائق مغيَّبة أو تقدَّم إلى الشباب الجزائري بضبابية بل ينبغي أن تقدم بطريقة مدروسة ومن أفواه من عاشوا مرحلة الكفاح الثوري ليستلهم منها هذا الشباب القدوة لقيادة الجزائر المعاصرة التي هي في أمسِّ الحاجة لكل أبنائها وخاصة عنصر الشباب الذي تقع على عاتقه المسؤولية الأكبر في مواصلة أداء الأمانة وهي خدمة الوطن بكل تفان وبعلم أيضا.

رسالتي في ختام هذا المقال إلى المشتغلين بتاريخ الثورة التحريرية المظفرة وبتاريخ الحركة الوطنية أن يلتفتوا إلى مؤلفات محمد جندلي التي تحمل معلومات قيمة ومهمة عن المراحل المختلفة والمعقدة التي مرت بها الثورة والحركة الوطنية وهي المؤلفات التي تستند إلى مراجع كثيرة ومتنوعة تجشم فيها محمد جندلي مشقة التنقل بين الجزائر وبعض مراكز البحث والأرشيف في أوروبا وكلما ينتهي إلى علمه وجود مصدر أو مرجع يخدم موضوعه ويقدم إضافة للكتاب الذي هو بصدد تأليفه.

اجتمعت في المجاهد والمؤرخ محمد جندلي صفتَا المؤرخ الحامل لقضية والمناضل من أجل غاية نبيلة وهما الصفتان اللتان يستشفهما كل قارئ لكتابه: “مبعث الحركة الوطنية بالجزائر وامتداداتها بعنابة (1919-1954)، فهو في هذا الكتاب يتحدث عن الحركة الوطنية ليس من قبيل الشغف التاريخي بل يتحدث عنها لأنه عايشها وانخرط فيها وحمل قيمها ودافع عن مبادئها، وهذا ما يميزه عن المؤرخين الذين يكتبون عن الحركة الوطنية بناء على ما قرأوه في بطون الكتب وليس على ما عاشوه في الميدان.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!