-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

محطاتٌ لتحلية الحضارات

محطاتٌ لتحلية الحضارات

نعم، فهم الأصل أصل وإسقاطه على الواقع فرع عن تصوره، كما يذهب إلى ذلك الأصوليون. لكن الأمرين يحتاجان إلى متضلعين في علوم الدين، وهم قلة اليوم. وإن في التدين الموروث فطريا لدى المجتمعات المحافظة وخاصة في القرى والأرياف أسرارا إلهية لا تخطر على البال، وتفعل فعلها الساحر في النفوس، من دون أن يدرك الملقي بها عفويا -أي المسلم الذي ينظر إليه بعض المتفيقهين باحتقار- وكذا المتلقي “الكافر” كنهها الساحر. وأظن بأن هذا الواقع الخيّر هِبة ربانية تحفظ دينه وتنشره. الغربيون على تنوعهم لا يخرجون عن مصطلح “الكافر”، الذي أصابه الخفوت فالتبس على الناس تصنيف البشر. والكفار بمشاربهم المتنوعة تلك أمة دعوة ونحن أمة استجابة، فلا تمنعنّ أصنافهم المتعددة مواقعهم كمحتاجين دوما لمن ينقذهم، كما عبّر صاحب الرسالة: “اسلم تسلم”.

والحديث بالحديث يذكر ها هنا، فقد وفدت رومية إلى مناطق أولاد نائل موظفة في شركة أجنبية، وكانت موظفات جزائريات من المنطقة يشاركنها في العمل، ولطول الصحبة كنّ يدعونها إلى الطعام، فوقعت الألفة بينهن بمخالطتها العجائز في البيوتات، اللواتي عاملنها بحنان وكرم، حتى أسلمت، وتعلمت أحكام الحجاب. وروت لي من تعرف قصتها، أنها كانت ذات مرة في المطبخ تساعد نسوة في تحضير الطعام، فدخل رجلٌ من أهل البيت عليهن فجأة، فما كان منها إلا أن أدخلت رأسها الحاسر في الثلاجة، وطلبت منه مغادرة المكان فورا!

هنالك مرتكزات حسب علمي وتجربتي أراها نقاط قوة للمسلم أنَّى كان، قناعته بأن إسلامه حق وغيره باطل، وقدرته على التمييز بين بضائع الغرب الفاسدة في معظمها، فلا يركن بما يمتلكه الغرب من مناهج تُذبذب الآخر وتُضعف معتقداته. الحركة في الحوار مع الآخر في إطار “الكلمة السواء” ضمانة حقيقية لمن يخالط المِلل والنِّحل، وتحتاج إلى أساطين لهم باع طويل في هذا المضمار. بقي أن أشير إلى أن كثيرا ممن نظر إلى التثاقف من المنظور الإسلامي لا يملك ذلك الوعي المطلوب. وللناس البسطاء قدرة تتجاوز قضية التثاقف إلى التعايش، ولها مفاعيل في انتشار الإسلام أكثر من المنابر بكثير.

اللوذ بالعقيدة لمناقشة قضايا المنهج والأداة هو أول بند في النهضة، نهضتنا كأمة مسلمة لها خصوصيتها الفارقة عن الأمم في كل الميادين. ولا بد من استصحاب حقيقة أن الغرب بنى حضارة من حطيم الأندلس تاركا الجوهر أي الإسلام وراءه ظِهريًّا، ولم تنجده التعاليم الكنسية المناقضة للعلم ليتم نهضته فثار عليها وأتمها برِجل واحدة هي المادة، حتى تشكلت لديه فلسفة سماها “تنويرية”؛ فشرد ثلاث مرات في متاهة لم يخرج منها إلى الآن، ولا أظنه خارجا منها إلا بالله أو هو الفناء.

لا يملك الغرب نظرية متكاملة في العلوم الاجتماعية إلا الماركسية، وهي نظرية تكرّس الانغلاق المنهجي على الملموس وتفتقد إلى نور الوحي الصحيح. وأحد الأساطين الذين وضعوا إصبعهم على هذا الخلل الجوهري هو الشيخ البوطي (رحمه الله).

ولا يعسر بعد ذلك على من يدرس المنتوج الاجتماعي أن يرى النفعية هي أساس العلاقات الاجتماعية، وأن يرى الاستغلال الربوي هو أساس العلاقات الاقتصادية، وألا علاج مجديا للأزمات النفسية.

ولا يكاد ينبو ميدانٌ من الميادين عن هذه البنية الخطأ في أبسط الأمور، حتى في مخرجات الأدوات المنهجية، التي لم تك محايدة إنسانيا. ومثاله العمران، كيف آل إلى أزمة، إذ سجن البشر في ناطحات سحاب وتركهم تحت رحمة الرأسمالية، التي بصمت الحياة الغربية ببصمتها في أدق التفاصيل، حتى في بيعها تذاكر “الميترو”، الذي حُفرت له أنفاقٌ تحت المدن لفك أزمة الاختناق وما هي إلا مظهر لتراكب الأزمات، ولن أحدّثكم عن حماسة الأنظمة السياسية في عالمنا الإسلامي لنقل ذلك النموذج وتطبيقه بصورة رديئة.

إن المحرك الحضاري لا يُستعار، بل يُجدَّد بالإحياء، أقصد أنّ تعزيز الإيمان بالله وتوظيفه في الحياة هو ما يشيد حضارة حقيقية. دمشق وبغداد والأندلس أمثلة ناطقة عن الإيمان ومنجزاته الخاصة به حتى في الألبسة والفنون.

بعض أساطين الحوار الإسلامي المسيحي كالسيد فضل الله، يرى أن هذا الحوار فشل في المنتديات العلمية ونجح في الحياة الاجتماعية، لأن النيات لم تكُ صادقة لدى المتحاورين بخلاف البسطاء، الذين تعايشوا بلا عُقد.

ألفت الانتباه إلى أن المبالغة في التذكير بمحاسن الروم استنادا لمقولة ابن العاص (رضي الله عنه) عن روم زمانه لا زماننا من دون أن يدعو هو نفسه إلى استلهام النموذج منهم وقد أبدله الله خيرا منه، وكذا الإشادة بلمساتهم الحانية اليوم على من ظلم في بلاده، أن ذلك لا يخلو هو الآخر من استغلال، ولنا أن نرى ذلك في إسبانيا ومن حذا حذوها، كيف كانت تحارب الهجرة غير الشرعية دهرا ثم ها هي تنقلب بين ليلة وضحاها فتسوّي وضعية مليون مهاجر دفعة واحدة، فكيف نفسر هذا في المنظورين الغربي والإسلامي؟

المثال الإسباني أوردتُه كأحدث مثال على الاستغلال الفجّ باسم حقوق الإنسان، وإغراء البشر بالهجرة ثم الزج بهم في المعامل كالعبيد أو في الحروب كحطب جهنم، أوردته لأبيِّن أن من أعجبه حنوُّ الروم على الضعفاء وألقى بنفسه وعياله في مغامرة بحرية قاتلة طلبا للكفاف والعفاف ممن “لا يُظلم عنده أحد” وقد دفع لأجل ذلك نصاب الزكاة، واهم.

هنالك تجربةٌ بدأت تنضج وفق الأصول في عالمنا الإسلامي اليوم تلفت انتباهي باستمرار وتستحق أن تدرس بعمق، يقودها أساطين من طالبان أفغانستان، خبِروا الحضارات التي استدمرتهم وأيقنوا بما لديهم من ميراث لا يضاهى، ها هم اليوم يقدّمون حذاقات مبدعة، يعمرون بها بلادهم وفق رؤية خاصة بهم تختلف عما لدى الناس.

ضربتُ النموذج الأفغاني مثلا عن البراعم المتفتحة في عالمنا المنكوب وهي تتوفر على شروط النهضة، وقد زعمت أنها إلى حد الآن ناجحة لا أنها ستنجح كيف ما كان أمرها، بل نجاحها مرهون بمقدار تمسكها بالخصوصية الإسلامية وتفعيلها لبناء نواة صلبة تتراكم عليها الإنجازات الحضارية، من دون القفز مباشرة إلى نموذج توليفي من أول يوم. وأنا فرح بها وأدعو لها بالتوفيق، وكل ما أراه عندها مبشِّر بالخير: صلابة في الإيمان فلم تساوم عليه أحدا، وبيئة حاضنة لها صمام أمان لا يزال يعمل بكفاءة عالية بخلاف صمامنا الذي ارتخت نوابضه، وأرض خصبة منيعة، وميراث من المقاومة لم تفلّ مباضعه، وبداوة لم يأسرها بعد سوق الإنتاج والاستهلاك، وإرادة للحياة في ظل التضييق والهجران.

ما أقصده ببداوة الأفغان أنهم كالأرض البور لم تعمل فيها النماذج الحضارية فعلها المعروف، ما يجعلها عجينة صالحة لأن تتشكل بطريقة أفضل مما هي عليه البضائع الحضارية في الأسواق. وقد بدأت ألحظ ذلك في ما يقدمونه لشعبهم من إنجازات حكيمة، كبدئهم بحفر النهر، وتأهيل المدمنين، وأسلمة التعليم، وتقديم نموذج خاص بالمرأة الشرطية، ومنع الفائدة الربوية والتنقيب عن الذهب… وخير من ذلك كله زهد حكامهم، رغم الحصار والنكران. أسأل الله تعالى أن يرفدهم بعقول كبيرة تعرف من أين يؤكل لحم الكتف.

أخذُ الغرب منا يختلف عن أخذنا منه، أخذُه نوع من السلب الذي أفسد الطالب والمطلوب. وأخذُنا من الآخر عملية معقدة تشبه تحلية مياه البحر، فدخول ماء البحر إلى المحطة غير خروجه منها. وعناصر الحضارة هي نفسها تتكرر في كل دورة حضارية، ولا يهم أن كانت محلية أم عالمية، بل إن العالمية تزيد الطرح الإسلامي قيمة مضافة، ولا تزيد الآخر شيئا بل تحرجه؛ لأنه -وإن ادّعى التقدم على الآخر- إلا أنه لا يقبل بالمختلف عنه. لا أعتقد بأن الغرب الذي حطم إنجازاته الحضارية ثلاث مرات في قرن واحد لديه نجاعة في آلياته التي يوجدها ويجيدها، والسر أنه لا يزال يعرض عن دين الله إعراضا.

وبالمناسبة، فقد كنت ذات مرة في مدينة فرنسية انتظر الحافلة لأتنقّل، وكان كل ما يحتاج إليه الراكب ليعرفه عن المواعيد والاتجاهات موضحا بالتفصيل على يافطة زجاجية إلى درجة مملة، وكان ظني أني إن سألت أحدهم كفاني رده ما أريد وقد بدا لي وصول الحافلة قريبا، فتقدمت من رجل كهل بتحية لأسأله فأعرض عنّي وابتعد، فعدت إلى مكاني مندهشا. ولما وصلت الحافلة في موعدها المحدد، واصطفّ الناس ليركبوا بهدوء، كان كل من يصعد يتبادل التحية مع السائق، الذي كان امرأة خمسينية شقراء فاقعا لونها، تلبس بزة عمل جميلة وتجلس في غرفة زجاجية. ولما ارتقيت السلم والتقت بها عيوني وحييتها بتحيتهم أشاحت بوجهها عني وأنا أعاود تحيتها ثلاث مرات بلا جدوى؛ فجلست في كرسي وأنا أكرر المشاهد التي رأيتها في خيالي وأسأل نفسي: ماذا بقي مما وقع لي أحمله في جعبتي؟

هذه الأمثلة الجزئية تعبّر عن ظواهر مجتمعية، والتي قد يعترض بعض المحافظين جدا في العلوم الاجتماعية على تعميمها، التزاما بما تلقوه من مناهج غربية، لكون الظواهر تُبنى على استقراء له ضوابطه كي يجري تعميم نتائجها بعد ذلك، من دون أن يلتفتوا إلى جدوى الملاحظات الفردية التي تستفيض بين الناس، أو أن يفعّلوا فراسة المؤمن في أبحاثهم، والتي تخترق حُجب الغيب لتصل إلى المعرفة الحقيقية كما أخبر عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: “اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله”.

في نظري، العلّامة ابن خلدون (رحمه الله) عطية في زمن انتهت فيه دوراتٌ حضارية ناضجة جدا قادها بنو أمية وبنو العباس في أكثر التجارب الإنسانية نضجا واتساعا على الإطلاق؛ لذلك جاءت قراءاته مؤصَّلة دينيا ومدعومة بشواهد واقعية، يحسن بمن يشتغل بالدعوة إلى الله أن يستلهمها، مع ضرورة الانفطام عن استحضار النموذج الغربي حتى تكتمل الأسس، لا قبلها ولا معها. ومع التحفُّظ أيضا على مراجعات المدارس الفلسفية الحديثة للتجربة الغربية، فإنها -وإن جاءت متأخرة- فهي تحتاج إلى البعد القرآني لتكتمل قراءتها النقدية وتستمر، لأن طبيعة النقد عندهم أنه غير مستقر، ويخضع دائما لمحوري الآنية والتعاقبية، وقلّما يُبنى على قول حكمائهم فعلا، ومثالهم “دومنيك دو فيلبان”.

فهمي لابن خلدون أنه انطلق من مفهوم الدولة وأطوارها لكونها هي من يبني الحضارة. ومن ينظر في الفصول التي تلت حديثه عن الدولة يرى أن معظمها يتحدَّث عن أوجه “الحضارة” التي ذكرها بهذا اللفظ عدة مرات كما في فصل: “في انتقال الدول من البداوة إلى الحضارة”، وقوله: “في أن الهياكل العظيمة جدا لا تستقلّ ببنائها الدولة الواحدة”، وقوله: “في أن الحضارة في الأمصار من قبل الدول وإنما ترسخ باتصال الدولة ورسوخها”، وقوله: “في أن رسوخ الصنائع في الأمصار إنما هو لرسوخ الحضارة وطول أمدها”، وغير ذلك من فصول تطول مناحي الحضارة كافة في عصره، وتدل على أن الرجل كان على دراية عميقة ويفرق بين الدولة والحضارة، وأهم ما في كتابه “المقدمة” أنه كان يتتبع نسغ الحياة في كل ذلك وصولا إلى منبعيه: العلم والصلاح.

لا أرى بأن ما كان في الأندلس قد انتقل إلى أوروبا كشبكة معرفية؛ إذن لأقرَّ الأوروبيون بفاعلية الإسلام ولأسلموا، بل إنهم أخذوا منجزات الحضارة الإسلامية وأعادوا تدويرها بطريقة أفقدتها روحها ولم تمنحها روحا جديدة. كما لا أدري حقا هل يسعى أهلُنا في بلاد الرافدين إلى تمثُّل قيم العباسيين -الذين خلّدوا مآثر عظيمة للأمة في كل المجالات- ليبعثوا الحياة فيها من جديد نحو عالم يزداد تيها، أم أنهم يحتفظون بهذه الآثار لفاعليات ثقافية لا جدية فيها غير استعراض يتلوه استعراض؟

كل البنية الفوقية للحضارة المعاصرة مرجعها إلى التراب وإلى العناصر التي استودعها الخالق سبحانه فيه، ويمكن لمن مكّنه الله في الدين والدنيا أن يعيد تشكيل تلك العناصر بصورة أفضل مما كانت عليه. ومنها تصليح خطأ الحضارة الحديثة في اعتمادها المفرط على الطاقة الأحفورية في شتى مناحي الحياة حتى فسدت الأرض، وليست البدائل “النظيفة” وما يترتب عليها من تغير كافة مظاهر الحياة المعاصرة إلا محاولة في مهدها قد لا يُكتب لها النجاح. العلم والتكنولوجيا والآليات التنظيمية ليست على هيئتها الحالية قدرا مقدورا لا مفر منه لبناء نموذجنا الحضاري الخاص بنا.

لا يقاس الإقناعُ الحضاري بعدد السنين التي تعمر فيها أيُّ حضارة على الأرض، بل بالمنطق الحضاري الذي تحمله أيُّ أمة، ورغم الآلاف الستة التي يباهي بها الصينيون غيرهم فقد بقوا في قلب آسيا لم يبرحوها. ولنسأل جيرانهم المنغوليين ما الذي غيَّرهم في القرون الوسطى؟ فسنجد عندهم الخبر اليقين، وما سوى ذلك فهراء محض.

لا يزال الناس يفكّرون من داخل الجرة، أي يعيدون ترتيب ما يرونه قائما بطريقة مغايرة ويستبدلون بعض القطع بأخرى. ولو أنهم فكروا من خارج الجرار لوجدوا الحلول الرفيقة بالإنسانية. لماذا وُجد الإنسان بالأساس؟ ومن أوجده؟ وكيف له أن يعيش على الأرض بسلام؟ ومن أين يستقي نمط عيشه الآمن؟ ومن يدله عليه؟ على العقول أن تبحث عن الأفضل وتدرس، ولا تضيع أعمارها في التكهُّنات وتدوير تجاربها الخائبة، وحياتها الفانية فوق البسيطة أقصرُ من عمر الزهور.

المثال الإسباني أوردتُه كأحدث مثال على الاستغلال الفجّ باسم حقوق الإنسان، وإغراء البشر بالهجرة ثم الزج بهم في المعامل كالعبيد أو في الحروب كحطب جهنم، أوردته لأبيِّن أن من أعجبه حنوُّ الروم على الضعفاء وألقى بنفسه وعياله في مغامرة بحرية قاتلة طلبا للكفاف والعفاف ممن “لا يُظلم عنده أحد” وقد دفع لأجل ذلك نصاب الزكاة، واهم.

أخذُ الغرب منا يختلف عن أخذنا منه، أخذُه نوع من السلب الذي أفسد الطالب والمطلوب. وأخذُنا من الآخر عملية معقدة تشبه تحلية مياه البحر، فدخول ماء البحر إلى المحطة غير خروجه منها. وعناصر الحضارة هي نفسها تتكرر في كل دورة حضارية، ولا يهم أن كانت محلية أم عالمية، بل إن العالمية تزيد الطرح الإسلامي قيمة مضافة، ولا تزيد الآخر شيئا بل تحرجه؛ لأنه -وإن ادّعى التقدم على الآخر- إلا أنه لا يقبل بالمختلف عنه.

في نظري، العلّامة ابن خلدون (رحمه الله) عطية في زمن انتهت فيه دوراتٌ حضارية ناضجة جدا قادها بنو أمية وبنو العباس في أكثر التجارب الإنسانية نضجا واتساعا على الإطلاق؛ لذلك جاءت قراءاته مؤصَّلة دينيا ومدعومة بشواهد واقعية، يحسن بمن يشتغل بالدعوة إلى الله أن يستلهمها، مع ضرورة الانفطام عن استحضار النموذج الغربي حتى تكتمل الأسس، لا قبلها ولا معها. ومع التحفُّظ أيضا على مراجعات المدارس الفلسفية الحديثة للتجربة الغربية.

لا أرى بأن ما كان في الأندلس قد انتقل إلى أوروبا كشبكة معرفية؛ إذن لأقرَّ الأوروبيون بفاعلية الإسلام ولأسلموا، بل إنهم أخذوا منجزات الحضارة الإسلامية وأعادوا تدويرها بطريقة أفقدتها روحها ولم تمنحها روحا جديدة. كما لا أدري حقا هل يسعى أهلُنا في بلاد الرافدين إلى تمثُّل قيم العباسيين -الذين خلّدوا مآثر عظيمة للأمة في كل المجالات- ليبعثوا الحياة فيها من جديد نحو عالم يزداد تيها، أم أنهم يحتفظون بهذه الآثار لفاعليات ثقافية لا جدية فيها غير استعراض يتلوه استعراض؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!