-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

صيد السمك ونفخ العجلات

صيد السمك ونفخ العجلات

ما قاله الوزير الأول، سيفي غريب، وأكده لفظيا ومعنويا في عاصمة الأوراس، عن إصرار الدولة على التصنيع الحقيقي للسيارات، يُثلج الصدور، ويُطمئن، عندما نرى الكثير من المبادرات والتنويع في الاستثمارات، حتى تتحقق المنافسة التي ستدور حول أهداف الدولة، لأجل أن تكون للجزائر سيارتها، وللجزائري مركبته.

أغلب السيارات التي خطفت شغف الجزائري في الفترة الأخيرة، من كل الماركات ذات التصنيع أقل من ثلاث سنوات، مستوردة من الصين، وهي بلاد ليست عاصمة تاريخية لصناعة السيارات، ولكنها حاليا من أكبر المصدّرين لها في العالم، إلى درجة أن الألمان يستوردون منها سياراتهم الشهيرة والأنيقة من “المرسيدس” و”الفولفسفاغن” وغيرهما…

كل أسباب النجاح في تصنيع السيارات في الجزائر متوفرة، من مال وعشق الجزائري للسيارة وفتح الملف في كل الاجتماعات الحكومية وتنويع للشركاء، وهو ما يضعنا على سكة تبعدنا كثيرا عن مهازل نفخ العجلات التي قدّمت فيه السياسات الخاطئة للشعب السمكة، ورفضت تعليمه الصيد في أعماق الصناعات العالمية.

هناك فرج نسبي في أزمة السيارات التي عرفتها البلاد، ورفعت من أسعار القديمة منها حتى أوصلتها إلى الاستحالة. وفتح باب اقتناء سيارة من الخارج بهذه الشروط التي لا تضرّ بالاقتصاد الوطني، وتمنح للمواطن فسحة المناورة والاختيار، تضع التصنيع المنتظر للسيارة في الطريق السليم الذي يطبخ على نار هادئة، بعيدا عن حاجة الجزائري الملحّة للسيارة الجيّدة والجديدة.

هناك دول كثيرة في العالم تمكّنت من تحقيق الاكتفاء الذاتي في إنتاج السيارات وتصدّر الفائض إلى الخارج، بماركات عالمية مثل البرازيل وتركيا والهند… بل إن الصين تتصدّر العالم وبفارق شاسع عن الولايات المتحدة الأمريكية وهي تبيع الماركات لبلادها الأصلية، من دون أن تتفوق ماركة صينية خالصة، ولكنها تتأقلم مع التكنولوجيات الجديدة من سيارات نظيفة وكهربائية وتحقق فيها التفوق، وعندما تجد بلادا تمتلك الرغبة والمواد الأولية، تسارع للشراكة معها، ولا تتحسس مثل الدول الاستعمارية القديمة، في نقل التكنولوجيا.

الانتصارات الأخيرة المحقَّقة في التصدير التي لا ينكرها إلا جاحد، والفتوحات الهامة في تقليص فاتورة الاستيراد في المواد الغذائية والخاصة بالبناء والدواء، تمنحنا فسحة أمل لأجل أن نساير عالم السيارات السريع جدا، وكما أننا على مشارف شحن أطنان من القمح الصلب وحليب البقر والنسيج إلى الخارج، فإن تحقيق الاكتفاء الذاتي من خلال تصنيع السيارات وتصديرها إلى الخارج لن يكون مستحيلا.

في حكاية السيارات لا يوجد أحسن من النموذج الصيني، وفي الحكم والأمثلة التي تدفع الإنسان إلى التحدي والاعتماد على النفس والمثابرة، لا يوجد أحسن من الأمثلة الصينية التي نسفت نفخ العجلات: “لا تعطني السمكة طازجة وإنما علمني كيف أصطادها”، “لو حكمت نفسك، تستطيع أن تحكم العالم”، “قطرة الماء تخترق الحجر ليس بقوّتها وإنما بإصرارها”.

وقد نصحنا منذ القدم: “أطلبوا العلم ولو في الصين”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!