-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
في تحليل علمي لعداوته تجاه الجزائر.. البروفيسور أوسكين لـ"الشروق":

تاريخ المخزن حافل بالجرائم.. وعلى المغاربة التحرر منه

حاوره: أحمد أوكيلي
  • 14514
  • 0
تاريخ المخزن حافل بالجرائم.. وعلى المغاربة التحرر منه
الشروق
البروفيسور عبد الحفيظ أوسوكين

في خضم التطورات التي تشهدها العلاقات الجزائرية المغربية، وتسعير الإعلام المخزني حملته التضليلية، في محاولة لتغليط الرأي العام الدولي على وجه الخصوص، بشأن الجريمة الشنعاء التي ارتكبها النظام المغربي بحق ثلاثة مدنيين جزائريين عزل، كان لنا لقاء مع الباحث الجزائري البروفيسور عبد الحفيظ أوسوكين، أستاذ القانون بجامعة وهران 2، الذي استهل حواره معنا، بأنه لا يمكن على الإطلاق فهم بواعث هذه الجريمة ضد الإنسانية بدون الرجوع إلى تاريخ النظام المغربي الحافل بالغدر، بحق جيرانه وبحق الشعب المغربي على حد سواء، هذا الشعب الذي مارس عليه نظام المخزن أبشع الجرائم ضد الإنسانية، ولا يزال يرهن مستقبله بتراميه في أحضان مستعمر الأمس، أي فرنسا، واليوم وكما هو مشهود يستجلب القصر الملكي النظام الصهيوني إلى المنطقة، في محاولة لقلب موازين القوى، وفرض الأمر الواقع، لكنه تناسى ربما أن حليفه الصهيوني لم يقْوَ اليوم حتى على ضمان أمن كيانه في مواجهة قوى المقاومة في فلسطين ولبنان.

معاهدة طنجة طعنت الأمير عبد القادر والمغرب لم يتمتع بمقومات الدولة

سلاطين المغرب ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية في حق شعبهم

هذه الشطحات المغربية الحاقدة على جيرانها وعلى شعبها، يرى البروفيسور أوسوكين، أن لها جذورا ضاربة في عمق التاريخ، فهذا النظام المُتهالك وكلما أحس بقرب نهايته، يختلق القلاقل مع جيرانه وبالأخص الجزائر، لتحويل أنظار الشعب المغربي عن مآسيه، بل ويبحث عن أي تحالفات قادرة على إطالة عمره، ولو كانت مع الشياطين، لكنه هذه المرة وفي ظل سيطرة الجُهال على دواليب الحكم المخزني، وترؤس المراهق ناصر بوريطة الجهاز الدبلوماسي، لا أتوقع من موقعي كباحث سوى قرب انهيار نظام المخزن لا محالة.

أستاذ أوسوكين كيف تنظرون إلى الحملة المُغرضة التي يقوم بها المغرب ضد الجزائر على ضوء المعطيات التاريخية؟
منذ أكثر من سنة ظهر على بعض الشاشات العربية والغربية الناطقة بالعربية لاسيما قناة “فرانس 24” أستاذان مغربيان يدّعيان الإحاطة “العلمية” بالشؤون الجيوستراتيجية الدولية، وهما “منار السليمي” و”تاج الدين الحسيني”، اللذان تميّزا – وهذا أقل ما يمكن أن يقال عن تدخّلاتهما الببغائية- أنهما مجندّان للمسّ بالجزائر عبر استعمال جملة من العبارات المشينة التي لا تليق بالمستوى الأكاديمي في الحوار تجاه الأمة الجزائرية وحكامها، مكرّرين نفس الأطروحات التي يسوقها اليوم الرئيس الفرنسي ماكرون، وحليفه الجديد اليميني المتطرف “إيريك زيمور”، والتي مفادها أن الجزائر هي “صنع المستعمر الفرنسي”، وأن المغرب، “دولة عريقة يمتد تاريخها عبر قرون خلت”، وكأن التجذّر التاريخي المُزمع أصبح اليوم قيمة مضافة يقاس بها تطوّر الدول !
في موضوع الصحراء الغربية أولا، استعمل هذان “المحللان” ما سمياه “المعيار التاريخي” لبسط الشرعية “المغربية” على الصحراء الغربية، وهو العنصر الوحيد الذي تضمّنه ملف دولتهما أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي، ولكن إذا عدنا إلى هذه المقاربة، فإن المعطيات التاريخية ليست في حدّ ذاتها في صالح الأطروحات المغربية، إذ تجمع المصادر، أنه كان بإمكان حتى الجزائر انطلاقا من هذا المعيار، غداة الاستقلال المطالبة بأجزاء من التراب المغربي، لولا التزامها بمعاهدة “لومي” التي طرحت مبدأ قُدسية الحدود الموروثة عن المستعمر، التي تلاعب بها المغاربة سنين عديدة، واستطاعوا بمعية أنظمة إفريقية مُرتشية العودة إلى الاتحاد الإفريقي بالرغم من عدم اعترافهم بهذا المبدأ، وهو شرط أساسي للانضمام إلى الاتحاد.

لو عدنا للتاريخ بالذات، أين تقع الحدود أصلا بين الجزائر والمغرب من جهة، وبين هذا الأخير والصحراء الغربية؟
من المهم جدا أن نشير إلى أن نهر ملوية Mulucca كان يفصل بين مملكة يوغرطة (نوميديا من 118 إلى 105 قبل الميلاد) ومجال “باكوس” Bacchus (موريتانيا من 118 إلى 81 قبل الميلاد). وبالفعل فإن كلّ علماء الجغرافيا القدامى فصلوا بين الموريتانيتين عبر نهر لا يمكن أن يكون إلا نهر ملوية، أي تلك التي تقع وراء “ملوشا” غربا (ملوية) وهي موريتانيا الطنجية التي تعادل ثلاثة أرباع الجزائر، وتلك التي تليها شرقا وهي موريتانيا القيصرية التي تضم الجزائر، وفي مرحلة لاحقة في التاريخ وبالذات قبل مجيء الأتراك ومن بعدهم الفرنسيين، كانت المنطقة الحدودية بين ملوية والتافنة محل نزاع بين أمراء تلمسان والعلويين، من القرن الثالث عشر إلى القرن الخامس عشر، حيث حاول السلطان إسماعيل السيطرة عليها ولم يفلح، فطرده الأتراك كما طرد الفرنسيون أحد أسلافه إلى ما بعد واد إسلي.
وفي عصر ملوك تلمسان، كانت التغيرات الحدودية رهينة الحروب بين المغرب الأقصى والمغرب الأوسط، لكن المؤكد هو أنه كلّما أقيم الخط الفاصل إلى ما بعد التّافنة، كانت القبائل بين هذا النهر وملوية لا تخضع لأي سلطة، ولم يفرض المغرب أبدا سلطته على أي جهة بالضّفة الشّرقية أو حتى في دياره، على أراضي بني زناسن في الضّفة الغربية، حتى أنه في فترة من الفترات اعتبرت بلاد بني زناسن “المغربية” ضمن مملكة تلمسان، وبعد سقوط أمراء هذه الأخيرة، استخلفهم دايات الجزائر ونظروا إلى المنطقة الحدودية عموما وكأنها ضمن سيادتهم، في 1553م، ألحق باشا الجزائر “الرّايس صالح” بالقبائل المغربية التي اجتاحت الحدود خسائر فادحة في الأرواح، ووصل إلى مدينة فاس، كما قام بنفس الرّدع الباشا “بن شعبان” بعد خرق القبائل المغربية للحدود، فوصل إلى حصون فاس منتصرا على مولاي إسماعيل. وفي 1701، اعتقد السلطان المغربي أن ساعة الانتقام قد آنت، فبعث بجيوشه إلى غاية أبواب الجزائر (العاصمة)، لكنه هُزم، ويقال أن الدّاي بعث فرس السلطان هديةً إلى لويس الرّابع عشر. وبعد هذا الحدث الذي وقع في واد جرّ، يقال إن مولاي إسماعيل فرّ ليعود لوحده إلى موطنه، بعد أن فرض عليه المنتصر معاهدة ترسيم الحدود نهائيا في واد ملوية.
وإلى غاية نهاية القرن الثّامن عشر، صمد الأتراك في منطقة وجدة ضدّ المغاربة الذين كانوا دائما يرغبون في التوسّع نحو الشرق. وفي حوالي 1795، يترك الأتراك المنطقة للمغاربة بسبب ضعفهم وتهاونهم معترفين ضمنيا بواد “كيس” فيصلا بينهم وبين العلويين.

بحسب هذه المعطيات التاريخية يتجلى أن المغرب قد تلقى ضربات موجعة من قبل الجزائر على مرّ العصور… أليس كذلك؟
لم يكن المغرب، حسب المؤرخين، يتمتع بمقومات الدّولة منذ العصور الوسطى، أي أنه وإن كان له ظاهريا شعبا وحكومة مركزية، لكنه افتقد في نفس الوقت لسيطرة هذه الحكومة على الكثير من القبائل كبني زناسن، وظلت دولة المخزن تتميّز ليومنا هذا بالنظام الإقطاعي والعبودي والليبرالي المتوحش الذي كرّس الثروة في يد أقلية وفي يد الأجانب من الفرنسيين، لدرجة أنه يمكن القول أن مغرب اليوم لازال تحت الحماية الفرنسية، لا قرار سيّد له ولا مستقبل واعد.
فقبل الاحتلال الفرنسي للجزائر، كان للحدود تاريخ يعود اعتمادها للفترة التركية كما ذكرنا، واعتبر واد كيس كفاصل منذ القرن السّابع عشر (بين 1647 و1678)، ومع دخول الفرنسيين، اضطر المغرب إلى مراجعة حدوده إلى هذا النهر تحت تأثير معركة إسلي التي انهزمت فيها عساكر مولاي عبد الرحمن بقيادة ابنه، تزامنا مع استمرار الأمير عبد القادر في المقاومة منذ أن أعلنها في 1839. وقبل ثلاثة أيام من هذه المعركة كتب المارشال “بيجو” للقنصل “دو نيون “De Nion قائلا: “أعتقد الآن أنّنا لن نتهاون في أيّ شيء من أجل صياغة معاهدة جيدة لتنفيذ الشّروط المرتبطة بالعلاقة مع أرض الجزائر والتي تجعلنا في موقع شريف في علاقاتنا مع المغرب… في بداية الأمر رفض السلطان عبد الرحمن الانصياع للضغط الفرنسي، وهو ما كان السّبب المباشر في اندلاع معركة إيسلي في 14 أوت 1844 بالحدود، أين انهزم فيها الجيش المغربي بقيادة مولاي محمد ابن السلطان أمام الماريشال “بيجو”Bugeau. فجاءت معاهدة طنجة في 10 سبتمبر 1844 مباشرة بعد هزيمة إيسلي، وكانت مقدمة لمعاهدة لالّة مغنية (1845)، وفي نفس الوقت مرحلة ضمن مسلسل الحرب وإنهائها بين فرنسا والمغرب. وكانت المادة 5 منها تنصّ على ضرورة رسم الحدود بين ممتلكات الإمبراطور الفرنسي وممتلكات السلطان حسب ما كانت عليه الأوضاع المعترف بها إبان هيمنة الأتراك على الجزائر، وجعلت معاهدة طنجة من الأمير عبد القادر رجلا “خارج القانون”، وممّا نصّت عليه أنه “لا يمكن لعبد القادر الجزائري أن يواصل حربه ضّد فرنسا انطلاقاً من التراب المغربي، وأنه لا بدّ من أن ينجز الاتفاق على الحدود بين الدّولتين في أقرب الآجال على أساس ما كان موجودا بين المملكة المغربية والإيالة الجزائرية أثناء حكم الأتراك”، ويضيف النّص منع القبائل المغربية من تقديم المساعدة للمقاومة الجزائرية والامتناع عن إيواء الأمير عبد القادر (البند الرّابع).
وعبّدت هذه المعاهدة الطّريق أمام معاهدة أخرى هي معاهدة تافنة لترسم الحدود نهائيا بين الجزائر “الفرنسية” والمغرب، ما أدى إلى بتر مناطق شاسعة من الجزائر لصالح المغرب. (أنظر مقالنا الصادر في “لوكوتيديان دي أرون” 25 جويلية 2005).

يتبجّح المغاربة بعراقة دولتهم، فما هو تفسيركم لهذا الأنا المُضخّم؟
عن أي تبجيل يتحدّثون حين يرتكب سلاطين المغرب أبشع الجرائم ضد الإنسانية، بحق شعبهم، ويكفي هنا أن أستشهد بدعاء ريفي يقول: “اللّهم سلّط علينا البرد يهلك محاصيلنا، والجرذان تفسد حصادنا، وقِنّا جنود المخزن الذين ينتهكون نساءنا وينزعون أحشاء أطفالنا ويقصون أشجارنا ويحرقون بيوتنا”. فهذا الدعاء سنطبق عليه المثل القائل: “وشهد شاهد من أهلها”، وهنا أود أن أتوقف عند حدث من بين المئات من الأحداث التي قاسى منها الشعب المغربي في عهد السلطان عبد العزيز العلوي الذي ستخلعه السّلطات الفرنسية فيما بعد، حيث تكفّل المدعو بوشتى البغدادي وعمّ السلطان مولاي بوبكر بن الشريف بتنفيذ أبشع الجرائم، وهذا ما يجعلني أجزم أن الملك الحسن الثاني قد تلقى دروسا من سلفه جسّدها في ممارساته البشعة بسجن “تازممرت”، وأستحضر هنا ما قام به عبد السلام الاماني (بوثامنت) بأمر من السلطان المغربي ضد بعض قبائل الريف من عدوان، لكنه مُني بهزيمة كبيرة بسبب “ما كان يحوزه رجال ايبقّوين من أسلحة حديثة ومتطورة، لم يكن المخزن العلوي قد سمع بها بعد، وفي المحاولة الثانية شهر يناير 1898 سيتمّ استدراج عدد كبير من أعيان بقّيوة إلى أجدير في خدعة مخزنية جهنّمية، بعد إيهامهم برسالة منسوبة للسلطان أنهم مدعوّون للتفاوض، إلا أنهم سقطوا في المصيدة التي مات فيها العشرات منهم رميًا بالرّصاص أو ذبحّا بالخناجر، ولم ينج إلا من استطاع الهروب نحو الجزائر. هذه الجريمة التي تسمّيها المصادر التاريخية بـ”حملة بوشتى البغدادي التأديبية ضد قبيلة بقيوة”ـ تبقى وصمة عار في جبين “عراقة العلويين.”

بعد الوقوف عند هذه المحطات الدموية لنظام المخزن، كيف ترون مستقبل العلاقات الجزائرية المغربية؟
بصراحة لا أرى أي أفق للعلاقات الثنائية بين البلدين، إذا لم يتحرّك الشعب المغربي لتخليص نفسه من هذا النظام الدموي، الذي رهن ماضيه وحاضره ومستقبله، فالجزائر وكما هو جلي للعيان، لم تُبادر يوما للتحرش بالمغرب، ولم تقم بأي ممارسات عدائية ضده، لكن بالمقابل فإن هذا النظام ألحق الكثير من الأذى بالجزائر منذ الاستقلال وإلى يومنا هذا، ويجب أن نستحضر هنا كيف أن النظام المخزني آوى الإرهابيين إبان العشرية الحمراء، وموّنهم بالسلاح والمال، كما أُحيل بعض قاصري النظر، إلى الإجراء الحاسم الذي اتخذته الجزائر عند بداية ما سُمّي بـ”الربيع العربي”، حيث قامت بحفر الخنادق على طول حدودها مع المغرب، تحت غطاء مكافحة التهريب، لكن حقيقة الأمر أن السلطات الأمنية الجزائرية كانت على دراية تامة بأن المغرب يُحضّر نفسه ليكون قاعدة انطلاق لتمرير المسلحين والسلاح إلى الداخل الجزائري، لتنفيذ مؤامرة شبيهة بما حدث في سوريا، وبالتالي فإن حفر الخنادق كان أداة لمواجهة الحرب التي كان يحضر لها المغرب ضد الجزائر.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!