-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

النهضة ليست كتابا…لماذا تفشل الأمم التي تقرأ فقط ؟!

النهضة ليست كتابا…لماذا تفشل الأمم التي تقرأ فقط ؟!

يقف الإنسان المعاصر أمام سؤال النهضة حائرا، وكأنه أمام باب موصد لا يعرف أي مفتاح يليق به. أين المخبأ؟ أفي الكتب المصفوفة على رفوف المكتبات، أم في دهاليز المؤسسات وأنظمة الحكم؟ هذا السؤال شغل المفكرين من ابن خلدون في مقدمته إلى مالك بن نبي في شروط النهضة، ومن هيجل في فلسفته التاريخية إلى أركون في نقد العقل الإسلامي. كل يقدم وصفته، وكل يظن أنه أمسى بالحقيقة قاب قوسين أو أدنى.
ثمة فريق يظن أن الطريق إلى التطور لا بد أن يمر عبر استيعاب تراكم الفكر الإنساني شرقا وغربا، وكأن في ذلك نوعا من السحر الذي ينقل الأمة من ظلمات التخلف إلى نور التقدم. يريدون منا أن نقرأ ‘ماركس’ لنفهم جدلية الصراع التي تحرك التاريخ، و’هيجل’ لنعي كيف تعود الروح إلى نفسها عبر جدلية السيد والعبد، و’ديكارت’ لنتمرن على الشك منهجا وليس شكا وجوديا، وإلى جانبهم نقرأ ابن خلدون في عصبيته وعمرانه، ومالك بن نبي في القابلية للاستعمار وشروط البعث، أو حتى لمحفوظ النحناح في مفهومه للشورى قراطية..وهذا حق، بل هو واجب، فإن المعرفة تراكمية بطبيعتها، كما يقول عبد الله العروي: “لا نهضة بدون تراكم معرفي يحرر العقل من الوهم”. فكيف لنا أن نتجاوز ما لم نعرفه؟ وكيف ننطلق إلى آفاق جديدة وأيدينا فارغة من إرث الإنسانية في التفكير؟!.
لكن أصحاب هذا الرأي، مع صدق نيتهم وحرارة شغفهم بالمعرفة، قد يقعون في مبالغة تنم عن اختزال خطير حين يجعلون القراءة وحدها كافية لصنع التحول، فينظرون إلى المجتمعات كمختبرات نظرية تتحرك بمجرد أن تتغير المفاهيم في رؤوس نخبها، لأن المجتمعات كيانات حية تخضع لسنن كونية ونظم دقيقة لا تلين أمام الشروح والتفاسير. فهذا ابن خلدون نفسه الذي نقرأه هو أول من نبذ التفسير الساذج للتاريخ وجعل العمران خاضعا لقوانين يمكن دراستها كدراسة الطبيعة؟ فهو لم يقل لنا اقرأوا الفلسفة وتقدموا، بل قال لنا انظروا إلى العصبية كيف تنشأ وكيف تموت، وانظروا إلى الملك كيف يعمر وكيف يخرب.
وإذا تأملنا تاريخ الأمم وشاهدنا صعودها وسقوطها، نجد أن الحاسم لم يكن يوما غزارة الإنتاج الفكري في لحظة ما، وإنما جودة الأنظمة المؤسسية وصلابتها ومرونتها معا. لقد أشار ابن خلدون إلى هذا حين تحدث عن “الملك” كحام للعدل ومقر للعمران، فالعصبية وحدها قد تقيم دولة لكنها لا تصمد دون سلطان عادل يحفظ الحدود ويمنع الظلم ويحاسب الظالم. هذا المعنى التقطه مالك بن نبي بدقة حين ميز بين “الاستعمار القابل للانتهاء” و”القابلية للاستعمار”، فالأخيرة ليست مجرد ضعف عسكري أو اقتصادي ولكنها خلل في بنية المجتمع ونظامه الداخلي، وهو ما يجعله عرضة للتسلط مهما قرأ ومهما تعلم.
يقول عالم الاجتماع الفرنسي إيميل دوركايم في كتابه “تقسيم العمل الاجتماعي”: ليس المجتمع مجموع أفراد، بل هو نظام من العلاقات والقواعد والأعراف، وهذا النظام هو الذي ينتج التضامن العضوي الذي يجعل الأجزاء تعمل كجسد واحد. ولذلك فإن أي تقدم حقيقي لا يبدأ من الكتب وإن كانت نقطة البدء، ولكن من تطبيق القانون وتفعيل العدالة وتحقيق المساواة أمام الأنظمة، ثم بناء اقتصاد متين يحل مشكلات الأجيال الحاضرة ولا يرهن المستقبل.
إنها مؤسسات مستقلة، وقضاء لا يهاب، وإدارة رشيدة، ونظام يحاسب المقصر ويدافع عن المظلوم ويستمع لأهل الرأي قبل أن يقرر. فالدولة التي تريد النهضة لابد عليها أن تفتح حوارات منتظمة مع مفكريها وسياسيها وأصحاب التجارب فيها، فهي ليست طرفا خارج المعادلة، ولكنها صانعة المعادلة كلها وقلبها النابض. فالسياسي بلا مؤسسة يتحول إلى مهووس بالسلطة، والفيلسوف بلا سياسة يتحول إلى حالم جميل الكلام، والمفكر بلا سلطة عادلة يتحول إلى صوت يصرخ في واد. هذا هو الوعي الذي تحدث عنه هيجل حين قال إن العقل لا يتحقق في العالم إلا من خلال مؤسسات، أي من خلال “الدولة العقلانية” التي تجسد الفكرة في الواقع. وهيجل هنا لا يدعو إلى ديكتاتورية كما فهم البعض خطأ، و إنما إلى نظام أخلاقي موضوعي يعلو على الأهواء والعواطف.
وإذا تجاوزنا الحديث عن التجارب البشرية إلى التأمل في سنن الله في خلقه، وهو ما فعله السلف الصالح حين سألوا عن أسباب الظواهر قبل أن يسألوا عن حكمتها، نجد الكون قائما على نظام ثابت محكم لا يحتمل الفوضى ولا الارتجال. شمس تشرق كل يوم في موعدها، وفصول تتعاقب بلا اضطراب، وجاذبية تحكم حركة الأجرام، وحبة القمح إن زرعتها في غير أوانها لم تنبت ولو قرأت لها كل فلسفات الأرض وكل التفاسير وجميع نسخ القرآن الكريم. هذه السنن الإلهية أمرنا أن نعتبر بها ونتعلم منها، لا أن نعتدي عليها نكاية أو تهورا. يقول تعالى: “فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا”. وهذا يعني أن النهضة ليست مسألة معجزات أو بركات تنزل من السماء، ولكنها مسألة فهم هذه السنن والعمل بمقتضاها.
وهنا تبرز فكرة مالك بن نبي بقوة، فالوجل قد تأثر بسنن القرآن وبالمنهج العلمي معا، فجعل “التغيير” موضوعا للدراسة وليس مجرد وعظ ديني. يمكن القول إن مالك بن نبي هو ابن خلدون العصر الحديث، فقد نقل لنا الحديث عن النهضة من فضاء الدعوات العاطفية إلى فضاء التحليل الموضوعي. يقول في كتابه “شروط النهضة” على ما أذكر: إن تغيير ما بالقوم يبدأ بتغيير ما بأنفسهم، وهذا التغيير الذاتي يبدأ بالالتزام بالنظم والقوانين، لا بالثرثرة الفكرية المجردة ولا بالهروب إلى الماضي أو المستقبل. من يتجاوز هذه الحدود، أي حدود النظام والعدل والحق، يزرع فوضى وتخلفا وجهلا وإحباطا، فينتهي بأمته إلى انهيار لا ترفعه كل فلسفات العالم ولا تصلحه كل الثورات.
إذن فالمسألة ليست بسيطة إلى درجة أنها تحل بالقراءة وحدها، كمن يظن أن اقتناء سيارة فاخرة يعني أنه صار سائقا ماهرا. كما أنها ليست معقدة إلى درجة استحالة الحل، فهي في النهاية راجعة إلى إرادات بشرية. أليس الله يقول: “إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ”؟ إنها بدهية القرآن التي فسرها مالك بن نبي بدهية التاريخ التي فسرها ابن خلدون. لكأن الأمر دائرة مغلقة من النصوص والشواهد تدور حول نقطة مركزية واحدة: النظام. فإذا أحكمنا القانون، ونشرنا العدل، وشجعنا العمل والإنتاج، وكرمناه فوق كل كلام، تغرست في نفوس الأفراد والجماعات الرغبة في الإنجاز، وأصبح لكل نجاح ثمرة حلاوة تشبه طعم النصر، تدفع إلى الذي يليه وتجعل من التقدم حالة إدمان جميلة لا يشبع منها المجتمع ولا يكل.
يقول ميشيل فوكو في محاضراته عن “حقيقة الممارسات التأديبية”: الحقيقة ليست خارج السلطة، والحقيقة ليست ضد السلطة، بل هي إحدى آليات السلطة في تنظيم المجتمع. هذا يعني أن العدل والنظام هما اللذان ينتجان المعرفة الحقيقية النافعة، وليس العكس بكل بساطة. فالمعرفة التي تنتج في غياب النظام غالبا ما تكون معرفة هشة، معزولة عن الواقع، غير متحكم فيها، تؤثر وتتفاعل في الواقع بشكل عشوائي غير منظم، وقد تكون معرفة تعيش خارج الزمن، كالنقوش الجميلة لكنها على جدران الكهوف البعيدة.
نعم، نقرأ. نعم، نستفيد. نعم، نتحاور. لكن المحك الأبدي هو العمل والإنجاز في العالم الواقعي، ليس الثرثرة النظرية ولا قاعات الندوات ولا المعارك اللفظية في صفحات التواصل. الطريق الأكيد، الطريق الذي لا يحيد ولا يضل، هو طريق دولة تقوم على كل شيء، لا تترك المجال للفوضى ولا للاستبداد معا: تحاسب وتراقب وتعدل وتخطط وتفتح حوارات منتظمة مع أهل الرأي. ذلكم هو شرط النهضة الذي لا حيلة دونه، وذلكم هو الفرق بين أمة تقرأ لتعيش وأمة تعيش فقط لكي تكتب ما قرأت.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!