حصاد الصهاينة البئيس
قضية تحرير المنطقة من الكيان الصهيوني قضية عابرة للطوائف والأوطان، خاصة وأن الصهاينة يعلنون نيّاتهم التوسّعية بلا استحياء، والحكومة اللبنانية والرئاسة تتحركان في مساحة لا تتعدى بذلتهما الرسمية، وجيشهما أصبح يعمل كشرطي مرور؛ وعليه، ففي مثل هذه المراحل التاريخية لا كلمة تعلو على كلمة من يقاوم المحتل، سواء أكان المقاوم في لبنان أم في بلد يجاوره، هذا قدرُ المشرق اليوم.
أما المسيحيون المتضرّرون من النزوح، فلهم بعض الحق لا كلّه، لأن من نزح إلى مضارب هم البيئة الحاضنة للمقاومة في لبنان لا في خارجه، ومن حق هؤلاء كمواطنين اللجوء إلى أماكن شبه آمنة. وأعني بحقّ المسيحيين عدم الزج بهم في هذا الصراع الوجودي من خلال الحماية الموروثة لهم كأهل ذمة في منطقة الغالبية العظمى فيها مسلمة، أما ما ليس بحقٍّ لهم فالدفع بحجة “الدولة” نحو الاستسلام للعدو، بسلام يراد له أن يحدث تحت النار كما قال نتنياهو! وليتذكر نصارى الشرق وكل محبٍّ للحياة الدنيوية كيف ما كان طعمها، ما فعله الأمير عبد القادر الجزائري وشرفاء الشام للمسيحيين في إبان الفتنة التي أضرَّت بهم أواسط القرن التاسع عشر، فلعل التذكرة بالتاريخ توقظ الضمائر الحية.
المهم أن يعرف المرء كيف يدافع عن حياضه ولا يعطي الدنيَّة في شرفه. كل ما مرَّ على لبنان من حروب لم تكسر ظهره وهو بهذا الضعف، فكيف له أن يستسلم وعدوه بهذا الضعف؟ أهيب برئيس الحكومة نواف سلام ألا يبتدع بدعة لم يسبقه إليها أحدٌ من رؤساء الحكومات السابقين الذين يمثلون الأمة كافة لا الطائفة السُّنية فحسب.
هنالك مفترقُ طرق كبير، بين الذين يؤمنون بالدولة القُطرية وبين المؤمنين بالأمة، وقد يمثّل الشيعة دورا منوطا بسائر الأمة من الناحية الشرعية في هذه الحرب وهم ينتشرون في بقاع شتى، فكيف بها لو توحَّدت الأمة كلها لمحاربة الصهاينة كما فعلت مع صلاح الدين بالصليبيين؟ أسأل الله تعالى أن يحمى نصارى العهدة العمرية في ما هو قادم من حروب.
لبنان بناؤه الحالي صناعة استعمارية فرنسية ولم يكُ يعبّر عن إرادة أهله قطّ، والدليل دستوره الذي ساهم في وضعه المفوض السامي. ولكنّ اللبنانيين بقوا حبيسي هذا الوضع الملغَّم إلى الآن ولم يستطيعوا أن يتحرَّروا منه. والطريق إلى الخلاص منه معلوم.
العلاقة الإستراتيجية بين روسيا وإيران دفعت طهران إلى إمداد روسيا بالمسيَّرات والصواريخ وغيرها في الحرب على أوكرانيا، رغم أنه لا مصلحة مباشرة لإيران فيها؛ لذلك فإن في العنفوان الذي تبديه إيران في مواجهة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني بعضًا من تجلّيات تلكم العلاقة، والتي بدأت تنعكس إيجابا على الطرفين المتحالفين لتعزيز جبهتهما الشرقية مستقبلا، وقد طفقت روسيا تجني ثمار ذلك كما إيران، حينما وضعت الأخيرة يدها على مضيق هرمز ولن تتنازل عنه بسهولة، لأنها ستجعل منه صمام أمان لها ولحلفائها كلما دعت الضرورة.
بناء على ما سبق يمكننا استشراف ما سيلحق، لأن المستقبل مبشِّر بانحدار اقتصادي وسياسي بعد صعود كان قد حققه الكيان منذ احتلاله بلادنا، أما ما يروّج له قادة الصهاينة فأوهامٌ يبيعونها لليهود السذج، الذين لا يزالون يردِّدون مقولات أسطورية. وعلى الصهاينة إذا أرادوا الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي أن يعيدوا انتشارهم في العالم ويدعوا فلسطين لأهلها، وألا يحاولوا السيطرة مرة أخرى، فلعل ذلك سيشفع لأجيالهم القادمة لدى أمم العالم التي تتربص بهم الدوائر. والقادم عليهم أدهى وأمرّ.
هنالك طرحٌ آخر جدير بالنظر، يتعلق بالعلاقة الإستراتيجية بين روسيا وإيران، والتي دفعت طهران إلى إمداد روسيا بالمسيَّرات والصواريخ وغيرها في الحرب على أوكرانيا، رغم أنه لا مصلحة مباشرة لإيران فيها؛ لذلك فإن في العنفوان الذي تبديه إيران في مواجهة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني بعضًا من تجلّيات تلكم العلاقة، والتي بدأت تنعكس إيجابا على الطرفين المتحالفين لتعزيز جبهتهما الشرقية مستقبلا، وقد طفقت روسيا تجني ثمار ذلك كما إيران، حينما وضعت الأخيرة يدها على مضيق هرمز ولن تتنازل عنه بسهولة، لأنها ستجعل منه صمام أمان لها ولحلفائها كلما دعت الضرورة.. فأي نصر جناه اللصوص المعتدون على إيران بعدما مكنوهما من بوابة علي بابا؟!
يفسر بعض الكتّاب الفرق بين الأنظمة المغاربية وبين شعوبها في النظرة إلى إيران بدافع الجغرافيا؛ أي أنهم يرون المغاربة لم يكتووا بشرّ الجمهورية الإسلامية كما اكتوى المشارقة كيما لا يتعاطفوا معها، وقضية فلسطين يعتبرونها بيضة القبان في ذلك. ويتطرّف بعضهم فيستدعي من التاريخ القرامطة وما فعلوه في الأرض من فساد كبير. والذي يبدو لي، أن الإحساس الفطري الذي يعزِّزه الفهم المتأصل لآيات الله في الوجدان المغاربي هو أكثر ما يفسر للناس هذه المواقف الشعبية النبيلة اتجاه الإيرانيين، وهذا الانطباع يصدق على شرائح واسعة من المشارقة أيضا خاصة الخليجية منها، لكنها لا تجد أمانا إذا ما هي عبَّرت عن رأيها المناهض للعدوان الأمريكي الصهيوني علانية. ثم أي من الشعوب المسلمة يدعم الإيرانيين ماديا في محنتهم هذه؟ إذن الوضع الحالي يتطلب تصنيفا آخر للشعوب والأنظمة لا يعتمد على الوجدان بل على الميدان.
يشبه الوضع الداخلي في إيران وضع الاحتلال الصهيوني من الداخل، فهناك يوجد أيضا معارضون مقموعون ومنع تامّ لنقل الصورة الحية عن القصف الذي يقع على رؤوس الصهاينة. الموضوعية تستدعي معالجة الوضعين ونقلهما إلى العالم لتتوازن النظرة. الغريب في الصحافة الغربية أنها لا تسلِّط الضوء على وحشية الحرب الأمريكية الصهيونية على المدنيين، بل على صرامة الإجراءات التي تتخذها الدول المعتدى عليها لحماية أمنها القومي، ولننظر كيف جيّرت هذه الصحافة “الحرة” تلك الصرامة لزرع الفتنة وسط دولة ذات سيادة!
سبحان الله! وأيُّ صحافة عندنا لا تذكر الخالق وتثني عليه، وهو الذي أوجد نعمة النفط للإنسان منذ ملايين السنين، أو قل ادّخرها المولى تبارك وتعالى للمسلمين في هذه الربوع الطاهرة واستودعها بعلمه وإرادته لتسترزق منها الأجيال. أيُعقل لمن يحسن الظن بالله أن يقطع عنه الأرزاق ويتركه في العراء!؟ الصحافة التي تفوح منها روائح التخويف من إغلاق المضيق ظنا منها أنها تضغط على إيران هي مغرضة، لأن المسلمين أفرادا وجماعات يمتلكون خيارات كثيرة وبدائل عن هذه السلعة التي طغت بها دول الكفر واحتقرت بها الشعوب المسلمة، بل إنها لتستغل مداخيل هذه الطاقة في الخليج لقاء أمن هشّ كما يحدث لأهلنا في الكويت بعد حرب الخليج الثانية وهم عنها غافلون. على أمتنا أن تستيقظ! وعلى الصِّحافيين الذين ينتمون إلى جلدتنا ألا يكونوا مخدِّرا لشعوبهم، فقد قال من خلق النفط ورزق الإنسان قبل النفط وسيرزقه بعده في كتابه العزيز: “ومن يتقّ الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب”.
ومصائب قوم عند قوم فوائد، فإن تحلية مياه البحر استثمارٌ جيد لمن يمتلك التقنية، تقنية التحلية وتقنية التنقية. وكل النصائح المقدَّمة للناس كي يحسنوا التصرف في الماء أوجزها محمد بن عبد الله في قوله: “اقتصد ولو كنت على نهر جار”. لكن الخليجيين يعزفون عن الاستسقاء بالمياه العذبة التي تنزل من السماء والتي تنتظر الإذن لتتدفق في الأنهار، ويلهثون -بنصب عجيب صبره- وراء تحلية مياه البحر بمنشآت حيوية،و كأنهم يقدمون رقابهم للسيوف حينما يمكِّنون المعتدين من أمنهم الغذائي في أيِّ حرب قد تندلع. إنني أعني بهذا وجوب العمل بنصيحة نوح عليه السلام، الذي عُرف في القرآن العظيم بوصيته الأبدية لأبنائه الذين حملهم على الفلك: “وقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات وبجعل لكم أنهارا”. ومعنى الاستغفار طلب الغفران من الله على الذنوب، وما أكثرها اليوم في الجزيرة العربية!