-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

فقه الكولسة… وتناقضات الفعل السياسي!

فقه الكولسة… وتناقضات الفعل السياسي!

ليس من الضروري، في سياق هذه المقاربات الفكرية المتتابعة، أن ترتبط الأفكار بعلاقات سببية حتمية أو تسلسل منهجي جامد. فقد سبق أن عالجنا في مقالين سابقين فكرتين متكاملتين في الجوهر، لكنهما مستقلتان شكليا، بحيث لا تتوقف إحداهما على الأخرى لفهمها. وهذا المقال — وربما مقالات لاحقة بحول الله — يسير في السياق نفسه.

في أحد المقالين السابقين، أبرزنا دور العقل العلمي الباحث بوصفه ركيزة للفعل السياسي الرشيد. وفي المقال الآخر، حللنا وظيفة المناضل غير المزيف، ذلك الذي لا يمارس النضال بوصفه طقوسا خطابية، وإنما بصفته قناة حقيقية لإيصال الفاعل السياسي إلى مراتب متقدمة من التأثير، وأخصها قبة البرلمان. ولعل ما قاله ماكس فيبر يضيء جانبا من هذه الفكرة حين اعتبر أن السياسة ليست مجالا للنوايا الحسنة وحدها، وإنما هي “حفر بطيء في ألواح صلبة”، أي إنها تحتاج إلى عقل بارد وإرادة طويلة النفس أكثر مما تحتاج إلى الحماسة العابرة.

لكن علينا أن ننأى بأنفسنا عن السذاجة التحليلية، فالمسار لا يسير دائرا في حلقة مستديمة من السلاسة والألق، كما تروج الأدبيات الحزبية أو بعض الكتابات التمجيدية للتاريخ. فالتدافع على السلطة، في مجمل محطاته أو في أغلبها، لم يكن أبدا مشهدا استعراضيا متناسقا، وإنما كان — ولا يزال — ساحة اختبار لصراع التكوينات، وتجاذب الإرادات، وتصفية الحسابات، وأحيانا الاقتتال الداخلي، علاوة على ما يعرف في أدبيات السياسة العملية بـ”الكولسة”.

وإذا انتقلنا إلى المحطات الانتخابية — التشريعية، البلدية، الولائية — فإنها تفضح أحيانا ممارسات قد تصيب المشاهد بصدمة حقيقية. لكن من يقرأ تاريخ الأحداث الكبرى، ولو في المستوى التأسيسي للأمة، أي في زمن الصحابة الذين ترعرعوا في مدرسة النبوة، سيكتشف أن الخلاف بينهم لم يسلم من نزيف الاقتتال. الأهم أن ذلك الصراع لم يكن حول مبدأ أخلاقي، ولا حول تأويل آية أو حديث، ولا حول فتوى محل خلاف، وإنما كان صراعا على الحكم والسلطة: من يقود؟ من يمسك بزمام المستقبل؟ وفي هذا السياق، كان عبد الرحمن الكواكبي شديد الدقة حين ربط الاستبداد بتحول السلطة إلى غاية في ذاتها، ورأى أن فساد السياسة يبدأ عندما تتحول المناصب إلى أدوات امتياز لا إلى مسؤوليات خدمة عامة.

وبما أن تفعيل الترشيحات للبرلمان هو امتداد للسلطة بامتياز، فمن الطبيعي أن ينشأ الخلاف والكولسة والتدافع بين الفاعلين: المرشحين، ومن ينتظرون حصاد هذا الترشح. وقد يبلغ هذا التدافع مستويات تتجاوز السيطرة، وتنفلت من الأطر الأخلاقية والقيمية التي تتباهى بها الجماعة السياسية.

وهنا يبرز السؤال المركزي: كيف نحتوي هذا الإشكال قبل أن يستفحل ويصبح بؤرة انفجار؟.

الحقيقة أن المعالجة ليست لحظة عطب نصلحها، وإنما هي تراكم ثقافة وأسلوب عيش سياسي. فالجماعة التي تعود أفرادها على الحوار المباشر والصريح في لقاءاتهم الدورية، وتنشأ على التكوين السياسي الرصين، ستكون تدافعاتها أقل حدة، وصراعاتها داخل السيطرة. والعكس صحيح تماما. فالعقلانية ليست شعارات تزيينية، وإنما هي الضمانة الوحيدة لبقاء الخلاف في مستوياته المنخفضة القابلة للضبط.

ثم إن هناك مسألة في غاية الحساسية: ضرورة منع التدخلات الخارجية في الشؤون المحلية — ولاية أو بلدية. بل إني لأندهش من أولئك الذين يغرزون أنوفهم في غير شأنهم، ثم إذا بهم ينصبون أنفسهم معنيين بالأمر. إنهم أبعد ما يكونون عن تفاصيل الأهداف الجزئية، وعن الجمع بين المصادر المختلفة للوصول إلى صورة كاملة. ومع ذلك، يقفزون إلى أحكام قاطعة: “ديمقراطي” أو “غير ديمقراطي”. إنهم يتحدثون في ما غابت عنهم جزئياته كليا. وحتى لو وصلت إليهم روايات متفرقة، فالمؤكد أن القصة كاملة لم تبلغهم من كل الأطراف. فحكمهم هذا ظلم — ظلم يضاعف الإشكال بدلا من حله. لكنه، وللأسف، نهج الاغتنام في المياه العكرة.

ومن عوامل التغذية للتدافع والخصومات، أن محطة الترشحات تقرأ في عقول كثير من المناضلين بوصفها محطة فرصة لا تعوض. فالمناضل الذي بذل وسافر وهاجر وضحى بماله ووقته وجهده، ينتظر في هذه المحطة تكريما عمليا: أن يقدم كمرشح لمنصب سياسي. لكن لو زرعنا في هذه النفوس فهما حقيقيا للفعل السياسي، لتحررت من هذا المنطق، ولأدركت أن الترشح ليس مكافأة على الماضي، وإنما مسؤولية عظمى — مسؤولية وطنية واجتماعية — تعطى لأهل القدرة، وليس لأهل الأقدمية. فالنضال، في عمقه الحقيقي، هو عمل متواصل لتحقيق برنامج، وعندما يتحقق البرنامج، فلا قيمة تذكر لمن نال شرف التطبيق، طالما أنه تم.

ثم أضف إلى ذلك الوضع الاجتماعي العام: بطالة متوحشة، حالة إنسانية مزدرية، انسداد في الأفق الاقتصادي، وصعوبة شبه مستحيلة للنجاح الاجتماعي. في هذا السياق، تصبح المناصب السياسية أهدافا قصوى، وتتحول التنابزات والشجارات إلى سيناريو مألوف، والخروج عن السيطرة إلى احتمال قائم، يرضى بموجبه القلة، وينزعج الغالبية.

أخيرا، ينبغي أن نتوقف عند حقيقة كبرى: النجاح الحقيقي ليس نجاح أفراد ولا جماعات. النجاح الحقيقي هو أن ينجح الوطن بأسره. وعليه، فالقناعة السياسية والفكرية الواجبة في هذه المرحلة هي: كيف نوصل من يمتلكون القوة العلمية والسياسية إلى هذه المناصب، لا لمصلحتهم، وإنما لمصلحة الوطن؟ يجب أن تكون هذه القناعة جامعة للكل. فالوطن اليوم ليس في حاجة إلى من يستفيد منه، وإنما إلى من يخدمه. ولا ينكر أن النجاح طموح فردي مشروع، لكن حين تترسخ هذه القناعات، سيغضب البعض قليلا، ولفترة محدودة، وهذا حقهم. ثم حتما سيعودون إلى النضال والعمل، لأنهم في الأصل من طينة طيبة غنية — طينة البناء لا الهدم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!