تمور تباع في النخيل ومحاصيل تتلف بسبب غياب من يجنيها
تطرح مسألة وفرة واستقطاب اليد العاملة المحترفة منها وغير المحترفة في الموسم الفلاحي الواسع لعمليات خدمة النخلة ومراحل جني التمور بصفة خاصة خلال الموسم الفلاحي ببسكرة كثير من الصعوبات من طرفي المعادلة “العامل، ورب العمل” داخل بساتين النخيل وغابات النخيل المنتج المترامية عبر مناطق الزيبان الغربية والشرقية منها، كما لخفايا اليد العاملة في موسم التمور بالزيبان واقع يسير في سوق سوداء تحكمها الظروف وإمكانيات ومظاهر لحقوق غائبة ومخاطر أودت بحياة أشخاص في صمت.
”الشروق” غاصت في دهاليز هذه الغابات واقتربت من العامل ورب العمل أو ما يعرف بالمالك للثروة الغابية لتسليط الضوء على سوق عمل يروج انه يكسب الملايين للعمال وينفر منه الكثير من الشباب ويجلب اليد العاملة من خارج الولاية، ويتخذ منه شباب آخر مصدرا أول لجني المال لمن لا عمل لديه.
نساء ينافسن الرجال ويقنعن بأجر زهيد
تعد الفئة العمالية المحترفة المتخصصة في النخيل الأكثر طلبا من أصحاب غابات النخيل، ولقلتها في منطقة الزيبان، صار الكثير من مالكي الثروة المنتجة للتمور يستنجدون بفئات عمالية متعددة الخبرات المهنية في المجال الفلاحي لسد الحاجة في عديد العمليات التي تدخل في إطار رعاية النخلة طوال الموسم الفلاحي، خاصة أن رب العمل يتحمل مصاريف كثيرة في عمليات الاعتناء بهذه الشجرة المباركة، كما أنه من بين المميزات الذي يتم على أساسها اختيار العمال في الأشغال المختلفة للنخيل عامل السن، حيث يفضل أرباب العمل الشباب ما بين متوسط عمر 20 إلى 35 سنة من ذوي البنية الجسدية الصلبة والخفيفة، لأن لهؤلاء قدرة على تحمل متاعب وصعوبات العمل الشاق في تسلق النخيل وغيرها من الأعمال.
أما عن استقطاب اليد العاملة من خارج الولاية أو حتى من المناطق والبلديات الأخرى في الزيبان، فهي عادة يلجأ إليها أرباب العمل في الأعمال البسيطة التي لا تتطلب الاحتراف والمهنية بقدر ما تستوجب الانضباط، كونها تتعلق بعمليات جمع بقايا أشجار النخيل والحراسة والتوضيب في الموسم الفلاحي، وعادت هذه الفئة العمالية مصدر استقطاب لمصانع ومخازن وورشات تحويل التمور الموجودة رغم أن نشاطها موسمي فقط ويتزامن مع فترة جني التمور والتحضير لعمليات تسويقه أو تصديره، كما تفتح هذه الأعمال سوقها لاستقطاب اليد العاملة من الفئة النسوية، خاصة على مستوى الورشات ومصانع الخواص للاستعانة (بحواء) في الأعمال وتفضل على الرجل أحيانا لقبولها العمل بأجر يعتبره رفيقها الرجل زهيدا ولا يستقر فيه الرجل كثيرا.

أجور مرتفعة.. امتيازات وحوافز لاستقطاب العمال المهرة
تعتبر مناطق الزيبان الغربية وضاحية سيدي عقبة شرق بسكرة أكثر المواقع جغرافية في النشاط الفلاحي فيما يخص إنتاج التمور بأنواعها في استقطاب اليد العاملة المهتمة بالنخيل عموما من حيث العدد الكبير للمساحات الغابية المنتجة، أما بالنسبة للمؤسسات الخاصة النشطة في مجال توظيب التمور وتحويله التي تستقطب العمال تقع بعاصمة الولاية، حيث يرتفع معدل نشاطها وطلبها للعمال مع بداية إنتاج التمور، وتفيد الأرقام بخصوص المؤسسات العاملة في مجال التمور ببسكرة حسب الإحصائيات الرسمية لمديرية التجارة إلى وجود 29 مؤسسة تشغل حوالي 1000 عامل على طول العام.
ومن بين المؤسسات النشطة المذكورة هناك 12 مؤسسة تتخذ من نظام العمل الموسمي (موعد جني إنتاج التمور) فترة لتشغيل العمال، كما تعتبر المنطقة الشرقية للولاية المنطقة التي يلجأ فيها بعض المستثمرين في ثروة النخيل لاستقدام يد عاملة من مناطق مجاورة للولاية أو من بلديات أخرى في الزيبان لاحتواء العجز الذي يواجه المستثمرين في إيجاد اليد العاملة وبأجور مرتفعة وامتيازات تحفيزية تمنح للعامل الدائم.
مداخيل تصل إلى 40 مليونا في السنة
تتحكم في أجور العمال الذين يستقطبهم سوق العمل في مجال الاهتمام بالنخلة وإنتاج التمور في البساتين الغابية بالزيبان ظروف وسوق شغل متقلبة من فترة لأخرى، وصرح الشاب العامل “احمد.ح” ببلدية ليشانة الذي تستهويه هذه المهنة منذ سنوات وتعد مصدر رزقه الوحيد وشغله الدائم خلال السنة ان معدل دخل العامل يتجاوز مبلغ 03 ملايين في الشهر الواحد حسب قدرة العامل على رفع أجرته اليومية وقد يجد العامل نفسه يحقق دخلا سنويا محصورا بين 30 إلى 40 مليونا في السنة، حيث تحدد أتعاب العامل حسب نوعية العمل الموكل إليه والسعر المتداول في القيام في مختلف الأعمال الفلاحية.
وأوضح ذات المتحدث بأن عملية تلقيح النخلة الواحدة تكلف صاحبها أجرا يدفعه للعامل يبلغ 300 دج، وعمل جني التمور يكلف أجرة يومية للعامل بـ2000 دج وغيرها من الأعمال المأجور عليها العامل في الاعتناء بالنخلة والبستان ككل على غرار مهمة الحراسة التي بلغ سعرها لليوم الواحد 2500 دج لليوم، لتبلغ في الأخير تكلفة الاعتناء الكامل بحاجيات النخلة الواحدة إلى غاية تسويق منتوجها مبلغا يعادل 5000 دج للنخلة الواحدة، وتمثل مصاريف السنة الكاملة على النخلة الواحدة حسب ما أكده أيضا مالك بستان نخيل السيد “عبد الكريم توبة”، في حديثه “للشروق اليومي” ناهيك عن الصعوبات شبه اليومية التي تطرح كذلك عند أرباب العمل في إيجاد العمال المحترفين، والأمر مطروح عند غالبية مالكي البساتين الفلاحية النشطة في مجال إنتاج التمور.
بيع “التمور” في النخيل لغياب من يجنيها
من بين ما خلفته قلة اليد العاملة في مجال الاهتمام بشجرة النخلة في منطقة الزيبان انتشار كبير لعمليات “بيع” غلة النخيل كل موسم فلاحي بدون قطفها من النخيل من طرف أصحابها، بغية تفادي الوقوع في رحلة البحث عن عمال يمكنون صاحب البستان من قطف ثمار التمر في شكل عراجيين وتوضيبها، ثم تسويقها، حيث يرضى الكثير من مالكي ثروة التمور بتخفيض سعر التمر التقويمي لإنتاجه الإجمالي في البستان من اجل عرضه للبيع بهذه الطريقة، بعد ما يتحمل الشاري عمليات قطع عراجيين التمر من النخيل وما يترتب عليها من جلب اليد العاملة، وتعد هذه الطريقة في تسويق التمر أحد المناهج التي يتبعها المستثمرون في أشجار النخيل بالمنطقة.
كما أن الظاهرة يتقبلها الكثير من سماسرة التمور في الولاية، لاسيما عند أولئك الذين باستطاعتهم جلب اليد العاملة المختصة بعد ما أضحوا من أقدم المستثمرين في النخلة ووسعوا إنتاجها إلى الصناعات التحويلية الغذائية المختلفة.

مهمة خطيرة والتأمين غائب
من بين الواقع المر الذي يعكر صفو العمال ويحمل مسؤوليته الشباب للجهات العمومية وأضحى السبب الرئيسي في استمرار نفور الشباب المحلي من العمل في بساتين النخيل وبقائهم في رحلات البحث عن عمل يحفظ كرامتهم وحقوقهم، غياب إجراءات التأمين لفائدة هؤلاء العمال، حيث يفرض عليهم التخلي على الاستفادة من خدمات التأمين من رب العمل كشرط مسبق من الأخير، وتارة يصطدم العامل ورب العمل برفض مؤسسات التأمين تأمين العمال المؤقتين بعد تشغيلهم في البساتين، حسب ما جاء في تصريح عدد من العمال وأرباب العمل.
وتطرح القضية عدة تساؤلات عن الدور الرقابي للجهات المعنية بالولاية ومدى مسؤوليتها تجاه هذه الفئة من العمال البسطاء، وكذلك مدى تقيد أرباب العمل بالانصياع لتطبيق الإجراءات التأمينية الخاصة بالبستان الفلاحي الخاص بالنخيل بصفة خاصة، وأمام هذا الواقع الذي عاد بالسلب على سوق اليد العاملة في الميدان الفلاحي، يجد العامل نفسه يواجه ظروف عمل مليئة بالمخاطر، وتعرض حياته للهلاك، وكثيرا ما أودت حوادث سجلت محليا إلى فقدان أشخاص حياتهم بعد السقوط من أعالي أشجار النخيل أثناء تأديتهم للعمل في البساتين عند الخواص وما شابهها من حوادث تسببت في إصابات مختلفة.
غير أن الأعراف والتقاليد المحلية في فض النزاعات حول الحقوق لطالما تسترت على ضحايا العمل في بساتين النخيل من خلال إقرار أعيان المنطقة الفلاحية منح تعويضات مادية تتوافق عليها العائلات فيما بينها دون اللجوء للعدالة، فيما يأتي سبب عدم ديمومة العمل الفلاحي واقتصاره في فترات التلقيح وجني الثمار في بساتين النخيل لسبب آخر ومانع يجبر الشباب البطال التخلي عن ممارسة النشاط الفلاحي كعمال أجراء والتوجه إليه بات ضرورة فقط لمن عجز عن إيجاد عمل آخر.
الكل يلهث وراء “أونساج”!
أفاد بعض العارفين بسوق اليد العاملة في منطقة الزيبان الغربية أن توجه الكثير من الشباب المحلي للاستفادة من قروض وكالات دعم وتشغيل الشباب وصندوق التأمين على البطالة ساهم بقدر كبير في إخراج اليد العاملة البسيطة من مجال العمل في البساتين الغابية للتمور، والتفاف الشباب البطال حول آليات دعم الدولة من اجل إقامة مشاريع خاصة ولاسيما في المجالات المرتبطة بالفلاحة، وهو ما دفع الكثير من هؤلاء الشباب المتحمس لخلق عمل خاص به التوجه لإقامة غرف تبريد للثروة الإنتاجية للتمور وغيرها من المنتجات الفلاحية واستغلالها في عمليات التأجير لأصحاب الثروة، وشباب آخرين اقتحموا مجال النقل التجاري للتمور والثروة الفلاحية المحلية، في حين لجأ شباب آخر متمسكا بخدمة أرضه من الذين يحوزون على ملكيات فلاحية إلى إنشاء مستثمرات فلاحية صغيرة جديدة سواء في نخيل التمر أو الفلاحة الموسمية المختلفة.
ورغم النجاحات والتوفيقات التي حصدها الكثير من الشباب في أنشطتهم الفلاحية المدعمة كما كانت تأمله المصالح العمومية في امتصاص البطالة وخلق مؤسسات صغيرة ومتوسطة، إلا أن النجاحات المذكورة كانت في نفس الوقت دافعا للشباب البطال على هجرة العمل عند الخواص في البساتين الغابية، وصار الكل يبحث عن عمال أجراء.
ولعل أكثر المستثمرين في الميدان الفلاحي وفي أشجار النخيل على وجه التحديد من المتغلبين على مشكل صعوبة استقطاب اليد العاملة البسيطة هم أولئك الذين تمكنوا من جلب عائلات بأكملها واستقروها داخل المستثمرات الكبيرة وأمنوا لهذه العائلات المسكن والعمل الدائم لأفراد العائلة وهي طريقة ينتهجها القلة من المستثمرين.