جزائريون يتحضرون لشهر الرحمة
مع بداية العد التنازلي لشهر رمضان الذي لم يعد يفصلنا عنه سوى أيام معدودات، شرع الجزائريون في التحضير لهذا الشهر الفضيل، ليتسنى لهم اغتنامه على أحسن وجه، خاصة وأنه يتميز بتغير جذري للعادات الاستهلاكية والشعائر الدينية وحتى الأعمال اليومية، ما يجعل اغتنامه يتطلب تحضيرا مسبقا من الجانب النفسي والديني، وحتى الصحي لمن يعانون من أمراض ويرغبون في الصوم..
شرعت العديد من العائلات التي تهتم بالجانب الديني، في تنظيم إفطارات جماعية لصيام المنتصف الأول من شعبان، وهي السنة الحميدة التي أوصانا بها خير الأنام محمد- عليه الصلاة والسلام-، وهو ما يضفي أجواء روحية وإيمانية تسعى من خلالها هذه العائلات إلى الدخول مسبقا في أجواء رمضان الروحانية، ما يزيد من ترابط أفرادها وتنمية الوازع الديني والخلقي وتعويد حتى المراهقين على الصوم واستحضار معاني هذا الشهر الفضيل، بعيدا عن صخب الأسواق والتنافس على ملء القفف وإغراق الثلاجات بالمواد الغذائية، وهو السلوك الذي يعبر عن “لهفة” البعض وعدم إدراكهم لمقاصد الصيام..
هذه هي المقاصد الحقيقية للصيام…
وفي هذا السياق، أكد إمام المسجد العتيق بمدية قرواو ولاية البليدة، موسى عزوني، أن الصحابة كانوا يتحضرون لرمضان ستة أشهر قبل موعده وكانوا يدعون الله أن يوفقهم لحضور هذا الشهر الكريم، لما فيه من بركات ونعم وخيرات، ونصح بألا يكون التحضير لهذا الشهر يعتمد على الجانب المادي، وكأنه مناسبة للتنافس على ملء البطون والإقبال على الأسواق، وشدد على ضرورة تنمية الوازع الديني الأخلاقي، لأن الهدف من الصيام، بحسبه، هو التقوى وضبط النفس والصبر والارتقاء بالنفس والترفع عن كل ما من شأنه إفساد الصيام.
تنافس على تموين قفة رمضان ومطاعم الرحمة
وأثنى المتحدث على العائلات التي تتسابق لتنمية الوازع الديني والأخلاقي لأفرادها، على غرار تنظيم صيام جماعي أيام الخميس والإثنين، والاجتماع على تلاوة وحفظ القرآن والاهتمام بالصدقة والإطعام، “وهو الأمر الذي يجب تشجيعه في المجتمع للرقي بالأخلاق الجماعية والترفع عن الكثير من الآفات التي تهدد المجتمع…”.
تبرعات بالجملة لإنجاح الأعمال التضامنية…
بدورها، شرعت العديد من الجمعيات والأفواج الكشفية في التحضير لفتح مطاعم الرحمة، عن طريق حجز مسبق للمطاعم بالتنسيق مع السلطات المحلية، والتواصل مع المحسنين والمؤسسات الاقتصادية والبنوك الإسلامية التي تعمل كل عام على تمويل هذه المطاعم.
وفي هذا السياق، أكد محافظ فوج الياس دريش للكشافة الإسلامية الجزائرية ببلدية المدنية، نجيب الله حشيد، لـ “الشروق”، أن عملية التحضير لمطعم عابري السبيل جارية على قدم وساق، خاصة بعد نجاح المطعم الذي نظمه الفوج العام الماضي، الذي حظي بتدشين رسمي من القائد العام للكشافة الإسلامية الجزائرية، عبد الرحمان حمزاوي، وكشف أن الكثير من المحسنين أبدوا استعدادهم للمساهمة في إنجاح المطعم، وهو ما يعبر بحسبه، عن خيرية المجتمع الجزائري المعروف بتكافله وتآزره، خاصة إذا تعلق الأمر بتوزيع قفة رمضان وتنظيم مطاعم الرحمة التي تعتبر من أكثر المشاهد التضامنية في شهر رمضان.
وقال محدثنا إن نجاح تنظيم مطاعم الرحمة وتوزيع قفة رمضان وألبسة العيد على الأطفال وحتى توزيع قفة العيد التي تضم كل ما يتعلق بتحضير الحلويات، راجع إلى إقبال والتفاف الخيريين من المواطنين والمحسنين على هذه العمليات التضامنية التي يتم التحضير لها على الأقل شهرا قبل دخول الشهر الفضيل لضمان التموين المستمر لهذه المطاعم التي باتت بحسبه تستقطب شريحة كبيرة من عابري السبيل ومواطنين من مختلف الشرائح والأعمار، نظرا لنوعية الوجبات التي تقدم فيها بفضل مساهمة بعض المؤسسات والبنوك الإسلامية التي تعتبر داعما أساسيا في هذه المبادرات الخيرية التي تعبر أن أصالة المجتمع الجزائري.
مرضى يصّرون على الصيام… من أجل الثواب
السعي لاغتنام بركات وثواب شهر الرحمة، لا يقتصر على الأصحاء، بل يمتد للمرضى الذين يصّرون على الصيام رغم المضاعفات الصحية جراء المرض، وفي هذا الإطار أكد رئيس جمعية مرضى السكري لولاية الجزائر، فيصل أوحادة لـ “الشروق اليومي”، أن العديد من مرضى السكري يقصدون الجمعية للحديث مع الأطباء بغيت مساعدتهم على وضع برنامج صحي صارم لتعديل مستوى السكري في الدم في المرحلة التي تسبق شهر رمضان، ليتمكنوا من الصيام دون مضاعفات صحية، وهذا يدل حسبه على تعظيم شعيرة الصوم لدى الجزائريين، غير أن محدثنا تأسف لمخالفة العديد من المرضى للتعليمات الصارمة للأطباء خاصة بالنسبة للمصابين بالسكري من النوع الأول الذين يتعاطون حقن الأنسولين بعدم الصيام، غير أنهم يضربون التعليمات عرض الحائط ويعرضون أنفسهم للخطر، ما دفع الجمعية – حسب أوحادة – للاستعانة بالأئمة في الحملات الصحية التي تسبق رمضان لتوعية المرضى بأن الحفاظ على النفس في مقاصد الشريعة الإسلامية التي يسبق الحفاظ على الدين، وأن تعريض النفس للخطر بسبب الصيام يجعل صاحبه آثما، ما يتطلب – يضيف أوحادة – أن يتحلى المرضى بالثقافة الصحية والدينية في وقت واحد ولا يعرضوا أنفسهم للخطر.