-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
القانون أم التوراة؟

حين تتكلم الدبلوماسية الأمريكية بلغة إسرائيل

لعلى بشطولة
  • 578
  • 0
حين تتكلم الدبلوماسية الأمريكية بلغة إسرائيل

ليست هذه زلة لسان.
وليست مجرد مقابلة إعلامية عابرة.

ما قاله السفير الأمريكي في إسرائيل، مايك هاكابي، حين اعتبر أنه سيكون «مقبولاً» أن تأخذ إسرائيل الأرض الممتدة من النيل إلى الفرات، ليس تصريحاً عفوياً.
إنه لحظة كاشفة.

كاشفة عن تحوّل في الخطاب.
كاشفة عن تداخل العقيدة مع السياسة.
وكاشفة عن فجوة تتسع بين ما يقوله الغرب عن القانون الدولي، وما يفعله حين يتعلق الأمر بإسرائيل.

المسألة ليست دينية.
المسألة سيادية.
المسألة تتعلق بمدى جدية الغرب حين يتحدث عن الشرعية الدولية.

ما الذي فهمته العواصم العربية فوراً؟

في القاهرة، لم يُقرأ التصريح كتأمل ديني.
في الرياض، لم يُفهم كمزحة إعلامية.
في عمّان والجزائر وبغداد والدوحة، لم يُعتبر زلة عابرة.

فُهم على حقيقته:
إشارة سياسية.

وكما نقلت وكالة أسوشيتد برس في تقرير مؤرخ بـ 22 فبراير 2026: “أثارت تصريحات السفير غضباً فورياً في أوساط الحكومات العربية وأعادت طرح تساؤلات حول ما إذا كانت واشنطن تخلط بين الخطاب الديني والسياسة الرسمية”.

أما صحيفة فايننشال تايمز فكتبت في عددها الصادر بتاريخ 23 فبراير 2026 أن التصريح يمثل:
«خروجاً لافتاً عن اللغة التقليدية للدبلوماسية الأمريكية في الشرق الأوسط».

ونقلت صحيفة الغارديان عن دبلوماسيين أوروبيين قولهم إن مثل هذا الخطاب «غير قابل للدفاع قانونياً ويقوّض دور واشنطن كوسيط».

لكن الأخطر من الكلام… كان ما بعد الكلام.

الصمت.

لم يصدر تصحيح فوري من واشنطن.
لم يصدر توضيح حاسم من البيت الأبيض.
لم يُعلن أي تبرؤ واضح.

وفي الدبلوماسية، الصمت ليس حياداً.
الصمت رسالة.

وكما قال دبلوماسي أمريكي سابق لصحيفة بوليتيكو:
«حين لا تصحّح واشنطن سفيرها، تفترض العواصم الأخرى أنه يتحدث باسمها».

وهذا ما فهمته المنطقة.

القانون الدولي… حين يصبح انتقائياً

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، قام النظام الدولي الذي صاغته القوى الكبرى على مبدأ واضح لا لبس فيه: عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة. هذا المبدأ لم يكن شعاراً أخلاقياً فحسب، بل قاعدة قانونية مُلزمة تشكّل أحد أعمدة الشرعية الدولية المعاصرة.

وقد نصّ قرار مجلس الأمن رقم 242 الصادر عام 1967 صراحة على:
«عدم جواز الاستيلاء على الأراضي عن طريق الحرب».

كما أكّد قرار مجلس الأمن رقم 2334 الصادر عام 2016 أن:
«إن إنشاء إسرائيل للمستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 لا يتمتع بأي شرعية قانونية ويُعد انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي».

وذكّرت صحيفة نيويورك تايمز في تحليل قانوني بأن: «حظر اكتساب الأراضي بالقوة يظل أحد أوضح مبادئ النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية».

هذه النصوص ليست تأويلات سياسية قابلة للنقاش، بل قواعد قانونية صريحة.
ولا تسمح هذه القواعد بإعادة رسم الحدود استناداً إلى روايات دينية أو تاريخية.

لكن حين يتحدث سفير يمثل دولة كبرى عن إمكانية توسّع جغرافي قائم على وعد ديني، فإن الإشكال لا يكون لاهوتياً بل قانونياً وسياسياً. إذ يُفهم مثل هذا الخطاب في المنطقة على أنه تلميح إلى أن قواعد القانون الدولي قد تصبح قابلة للتعليق أو التأويل عندما تتعارض مع تحالفات سياسية قائمة.

وهنا تظهر المفارقة التي تثير تساؤلات متزايدة:
هل تظل مبادئ الشرعية الدولية ثابتة في جميع الحالات؟
أم أنها تُطبَّق بصرامة في بعض الملفات، وتُخفَّف في ملفات أخرى؟

الشارع العربي لم يعد ساذجاً

من القاهرة إلى الرباط إلى الخليج، لم يعد الشارع العربي يقرأ التصريحات الغربية بسذاجة.

حين يسمع الناس سفيراً أمريكياً يتحدث عن حدود توراتية، لا يسمعون نقاشاً دينياً.
يسمعون إشارة سياسية.
يسمعون أن الجغرافيا قد تصبح قابلة لإعادة التفسير إذا تعلق الأمر بإسرائيل.

هذه الفجوة بين الخطاب والممارسة هي ما يغذي الشكوك.
وهي ما يجعل الحديث عن «النظام الدولي القائم على القواعد» يبدو لكثيرين شعاراً أكثر منه قاعدة.

وماذا عن العواصم الأقرب إلى إسرائيل؟

في أبوظبي والرباط، حيث اختير مسار التطبيع، تبدو الصورة أكثر حساسية.

هذه الدول قدّمت علاقاتها مع إسرائيل كخطوة براغماتية: اقتصاد، أمن، تكنولوجيا.
لم تقدّمها كاصطفاف عقائدي أو مشروع جغرافي.

لكن خطاب «النيل إلى الفرات» لا يدخل ضمن اتفاقيات اقتصادية.
إنه خطاب يتجاوز كل ما قُدّم للرأي العام.

وهنا يظهر الحرج.

لا يمكن لهذه الدول الدفاع عن خطاب توسعي ديني.
ولا تريد في الوقت ذاته فتح مواجهة مع واشنطن أو تل أبيب.

فيولد الصمت.

صمت محسوب.
صمت حذر.
صمت يقرأه الشارع العربي بطريقته الخاصة.

في المغرب، الذي ربط تطبيعه بملفات استراتيجية كبرى، يثير مثل هذا الخطاب سؤالاً واضحاً:
هل الشراكة محدودة؟ أم مفتوحة على خرائط أوسع مما قيل؟

وفي الإمارات، التي تقدّم نفسها كقوة استقرار، يصبح أي خطاب توسعي عبئاً على مشروعها البراغماتي. لأن الاستقرار لا يُبنى على خرائط دينية.

قراءة الجزائر وبقية العالم العربي والإسلامي

في الجزائر، يُقرأ التصريح كدليل إضافي على أن القانون الدولي يُستدعى حين يخدم مصالح القوى الكبرى، ويُهمَل حين يتعارض معها.

في بقية العالم العربي والإسلامي، الشعور مشابه:

الغرب يتحدث عن القانون… لكنه يطبقه بانتقائية.
يتحدث عن الاستقرار… لكنه يسمح بخطاب يهدد خرائط المنطقة.
يتحدث عن الشرعية… لكنه يبرر الاستثناءات.

وهنا تتراكم الشكوك.
ليس بسبب تصريح واحد، بل بسبب نمط يتكرر.

المشكلة ليست في العقيدة… بل في خلطها بالدولة

لا أحد يحاكم إيمان السفير.
المشكلة تبدأ عندما تتحول القناعة إلى خطاب رسمي.

الدول الحديثة لا تُدار بالوعود الدينية.
تُدار بالقواعد والاتفاقيات.

وحين تختلط هذه المستويات، يتصدع النظام الدولي نفسه.

لحظة كاشفة

ما حدث ليس حادثة إعلامية.
إنه مرآة لمرحلة كاملة.

مرحلة يشعر فيها الشرق الأوسط بأن الغرب يتحدث عن القانون لكنه يتحرك وفق التحالفات.
يتحدث عن الشرعية لكنه يترك الباب مفتوحاً للاستثناءات.
يتحدث عن الاستقرار لكنه يسمح بخطاب يهزّ الاستقرار.

الكلمة الأخيرة

الشرق الأوسط يستطيع أن يتعامل مع قوة صريحة،
لكنه لا يستطيع أن يثق بقوة تتحدث باسم القانون ثم تسمح لسفرائها بالحديث باسم النبوءات.

وفي لحظة كهذه، لا يُطرح السؤال عمّا إذا كان الغرب يطبّق القانون الدولي…
بل عمّا إذا كان لا يزال يعتبره قانوناً أصلاً،
أم مجرد أداة تُستخدم حين يخدمه… وتُعلَّق حين لا يخدمه.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!