-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
حين تتحوّل "التحليلات" إلى انحياز مقنَّع

ردٌّ جزائري هادئ على مقال Courrier International حول “جمود” الجزائر في قضية الصحراء الغربية

لعلى بشطولة
  • 1855
  • 0
ردٌّ جزائري هادئ على مقال Courrier International حول “جمود” الجزائر في قضية الصحراء الغربية

«هناك منابر إعلامية لا تكتفي برواية الأحداث، بل تعيد ترتيبها بما يوافق ميزان القوى لا ميزان الحق، ثم تسمّي ذلك “تحليلاً”.»

أوّلًا: عن مقالة تحاكم الجزائر بلسان الآخرين

نشرت صحيفة كورييه إنترناسيونال مقال رأي تتّهم فيه الجزائر بأنها «أخطأت بالجمود» في التعاطي مع ما تسميه «خطة الحكم الذاتي» في الصحراء الغربية، وتلمّح – بنبرة الواثق من نفسه – إلى أنّ العالم بدأ يضيق ذرعًا بما تعتبره «تصلّبًا جزائريًّا» و«خطابًا متجاوزًا عن تصفية الاستعمار».

في الظاهر، يبدو المقال مجرّد قراءة صحفية لِما جرى في مجلس الأمن عقب اعتماد القرار 27-97 وتمديد مهمة المينورسو.

لكن بين السطور، يتّضح أن الأمر يتجاوز مجرّد رأي، ليتحوّل إلى محاولة لتأطير الرواية:  المغرب يُقدَّم طرفا «واقعيًّا» و«براغماتيًّا» يحمل «خطة عملية»، والجزائر تُصوَّر دولة «عقائدية»، «جامدة»، ترفض «مسيرة التاريخ» وتتشبّث بـ«خطاب قديم».

هنا تحديدًا تبدأ المشكلة: حين يصبح الدفاع عن حق تقرير المصير تهمة، وحين يُختزل احترام القانون الدولي في كلمة واحدة: «الجمود».

ثانيًا: ما معنى “الجمود” حين يتعلّق الأمر بالحق؟

المقال يكرّر، بشكل مباشر أو مستتر، فكرة واحدة: على الجزائر أن تتكيّف مع «الواقع الجديد» الذي يكرّس الأمر الواقع المغربي.

لكنّ السؤال البسيط الذي يتجاهله هذا الخطاب هو: هل الواقعية في العلاقات الدولية تعني التخلّي عن القانون الدولي متى تعارض مع مصالح الحلفاء؟

الجزائر، منذ البداية، لم تجعل من الصحراء الغربية خلافًا ثنائيًّا بينها وبين المغرب، بل قضية تصفية استعمار موثقة في لوائح الأمم المتحدة، ومحاطة برأي استشاري واضح لمحكمة العدل الدولية، وبمسار طويل من قرارات الجمعية العامة واللجنة الرابعة.

فهل يصبح التشبّث بهذه المرجعيات «جمودًا»، بينما القفز عليها يسمّى «براغماتية» و«حسن تدبير»؟

إن قراءة متأنّية لما يكتبه كورييه إنترناسيونال وأمثاله تكشف عن انقلاب خطير في المفاهيم:

المحتلّ يُسمّى «قوة مقترِحة للحل»، والشعب الواقع تحت الاحتلال يُحذف من المشهد أو يُختزل في تفاصيل إنسانية، والدولة التي تذكّر بالعقود الدولية توصف بأنها «أسيرة خطاب الستينيات».

الحقيقة أن ما يسمّونه «جمودًا» هو في جوهره رفضٌ جزائري لأن يتحوّل القانون إلى ديكور، ورفضٌ لأن تُمحى آخر خرائط تصفية الاستعمار في إفريقيا تحت مسمّيات «الحكم الذاتي» المصمَّم في العواصم البعيدة.

ثالثًا: حين يكتب الإعلام بعيون مجلس الأمن

المقال الذي يهاجم الجزائر لا ينطلق من تحقيق ميداني في مخيمات اللاجئين ولا من قراءة قانونية متوازنة لملف الصحراء، بل من زاوية واحدة: زاوية موازين القوى داخل مجلس الأمن، حيث القلم في يد «الدولة الحاملة للقلم» والضغط في يد العواصم الكبرى.

ليس صدفة أنّ النص يتجاهل حقائق أساسية، من بينها:

أن الصحراء الغربية ما تزال مدرَجة في قائمة الأقاليم غير المتمتّعة بالحكم الذاتي منذ 1963؛

أن محكمة العدل الدولية أكّدت، منذ رأيها الاستشاري سنة 1975، أنه لا وجود لروابط سيادة مغربية على الإقليم تبرّر ضمّه؛

أن محاكم الاتحاد الأوروبي نفسها أبطلت، أكثر من مرّة، اتفاقيات تشمل الإقليم دون موافقة الشعب الصحراوي عبر ممثّله الشرعي.

كل هذا لا يلقى سطرًا واحدًا.

في المقابل، يُكرَّر الحديث عن «واقعية» المقترح المغربي، وكأن الإعلام قرّر أن يكتفي بدور مكبّر الصوت لنفس اللغة التي تُصاغ بها مشاريع القرارات في الكواليس.

وحين يغيب سياق الشرعية الدولية، يصبح من السهل جدًّا إلصاق كل التناقضات بكلمة واحدة: «الجزائر متصلّبة».

رابعًا: ذاكرة التحرّر… ولماذا تزعج البعض

من موقعنا كجزائريين، لسنا غرباء عن هذه اللغة.

لقد سمعناها من قبل، في قراءة أرشيف الاستعمار الفرنسي للجزائر: قيل عن ثوّار نوفمبر إنّهم «متصلّبون»، عن جبهة التحرير الوطني إنها «رافضة للحلول الواقعية»، عن الشعب الجزائري إنه «رهينة خطاب ثوري متجاوز».

ثم اكتشف العالم، متأخّرًا كالعادة، أن ما سُمّي يومًا «جمودًا» هو ما صار يُدرَّس لاحقًا كواحدة من أرقى تجارب التحرّر الوطني في القرن العشرين.

ذاكرة الجزائر ليست زخرفة رمزية؛ هي بوصلة سياسية تجعلها تتحرّج من أيّ لغة تطلب من شعب مُستَعمَر أن يوقّع على بياض تحت شعار «هذا هو الممكن، فاقبلوا به أو اصمتوا».

لذلك، حين يطالب البعض الجزائر بأن «تتجاوز منطق التحرّر» في الصحراء الغربية، فإنّهم في الحقيقة يطالبونها بأن تتجاوز نفسها، تاريخًا ووجدانًا وضميرًا.

خامسًا: عن واقعيةٍ بلا قانون… و”مرونة” بلا أخلاق

هل الواقعية أن نقبل بضمّ إقليم بالقوّة لأنّ موازين القوى تميل لصالح من يحتلّه؟ وهل المرونة أن نغمض أعيننا عن اللاجئين الذين يعيشون منذ عقود في المخيمات، عن تقارير المنظمات الحقوقية، عن النهب الممنهج للثروات الطبيعية؟

إذا كانت هذه هي «الواقعية»، فمن حق الجزائر – وكل الشعوب التي دفعت ثمنًا باهظًا للحرية – أن ترفض هذا التعريف.

الجزائر لا تنادي بالمستحيل. هي لم تقل يومًا إن الحلّ يجب أن يكون عسكريًّا، ولا طالبت بما يخالف قرارات الأمم المتحدة.

كل ما تقوله – بهدوء وبلا ضجيج – هو التالي:

أن صاحب الحق الأول في تحديد مستقبل الصحراء هو الشعب الصحراوي؛ أن أيّ صيغة نهائية يجب أن تُبنى على استفتاء حر ونزيه أو على الأقلّ آلية توافقية حقيقية يَقبل بها هذا الشعب؛ أن القانون الدولي يجب أن يُحترم لا أن يُستدعى فقط في الخُطب.

هذا ليس «جمودًا».

إنه الحدّ الأدنى من الاحترام للعقل، ولذاكرة العالم، وللنصوص التي وُقّعت بعد حربين عالميتين حتى لا يتكرّر منطق «الملكية بالقوّة».

سادسًا: الإعلام كفاعل سياسي… لا كمرآة بريئة

المشكلة ليست في مقال واحد، بل في منظومة خطابية بدأت تتشكّل:

كل من يعترض على «صفقة» الصحراء الغربية سيُتَّهَم بالجمود، وكل من يطالب بالالتزام بالقانون سيُوصَف بأنه «لا يفهم قواعد اللعبة الجديدة».

هنا، يصبح الإعلام جزءا من اللعبة لا مجرّد مراقب لها، فالصحيفة التي تقرّر التركيز على «خطاب» الجزائر، وتتجاهل:

معاناة المحتجزين والمعتقلين في المدن المحتلة، إقصاء الصحافة المستقلة من تغطية ما يجري ميدانيًّا، والدور الذي لعبته بعض العواصم في الضغط على أعضاء مجلس الأمن لتمرير الصيغة الحالية للقرار.

هذه الصحيفة لا تمارس الصحافة، بل تمارس إعادة إنتاج السردية الغالبة، وهي سردية منحازة بنيويًّا لمن يملك النفوذ الاقتصادي والعسكري.

لسنا هنا في موقع من يوزّع شهادات الوطنية أو الخيانة، ولكن من حقنا – كجزائريين – أن نقول بكل هدوء:

إن الصحافة التي لا تسأل عن صوت الشعب الصحراوي حين تتحدّث عن «الحل الواقعي» ليست صحافة تحليل، بل صحافة اصطفاف ناعم.

سابعًا: الدبلوماسية الجزائرية… ما بين الصمت والعمل

يمكن للجزائر أن تخطئ في الأسلوب، أن تتعثّر في بعض التكتيكات، أن تتأخّر في استثمار أوراق قوّتها الاقتصادية والرمزية.

هذا نقاش داخلي مشروع، وتقييم ضروري.

لكن ما لا يمكن القفز عليه هو أنّ جوهر الموقف الجزائري منسجم مع القانون الدولي، وأنّ ما يسمّيه البعض «جمودًا» هو في الحقيقة التزامٌ بخطّ استراتيجي طويل النفس:

الدفاع عن حق تقرير مصير الشعوب، رفض تغيير الحدود الموروثة عن الاستعمار بالقوّة، والاعتقاد بأنّ حلول اليوم السهلة هي غالبًا أزمات الغد المؤجّلة.

الجزائر لا تصرخ في المنابر، ولا تشتري الصور الجماعية في العواصم، ولا تتباهى بعدد الخطابات.

هي تعمل بهدوء:

مع الاتحاد الإفريقي، مع حلفائها في الجنوب العالمي، ومع كل من يرى في قضية الصحراء اختبارًا لقدرة العالم على أن يكون وفيًّا لنصوصه لا لميزان مصالحه فقط.

ثامنًا: كلمة إلى من يكتبون عنا دون أن يقرأونا

إلى كورييه إنترناسيونال وأخواتها في الصحافة الغربية:

نحن لا نطلب منكم أن تتبنّوا الموقف الجزائري، ولا أن تكتبوا مقالات مديح للدبلوماسية الجزائرية.

كل ما نطلبه – بأدب وهدوء – هو الآتي:

1. أن تقرؤوا النصوص قبل أن تحاكموا المواقف:

إرجعوا إلى لوائح الأمم المتحدة، إلى آراء محكمة العدل الدولية، إلى قرارات الاتحاد الإفريقي، قبل أن تلصقوا بالجزائر تهمة «الجمود».

2. أن تسمعوا صوت الصحراويين أنفسهم:

ليس فقط من يعيشون في المخيمات، بل أيضًا من يعيشون تحت الاحتلال. استمعوا إلى قصصهم، إلى خوفهم، إلى أملهم. ثم اكتبوا عن «الواقعية» كما شئتم.

3. أن تعترفوا بأنّ القانون الدولي ليس مزاجًا:

إمّا أن يكون مرجعًا للجميع، أو يتحوّل إلى ورقة يُلوَّح بها عند الحاجة ويُطوى عند أول تعارض مع عقد غاز أو صفقة سلاح.

خاتمة: ما بين صمت الجزائر وضجيج الآخرين

الجزائر لا تملك منصّات إعلامية عالمية تعيد تدوير روايتها مئات المرّات في اليوم بلغات عدّة،
ولا تستند إلى لوبيات مالية وإعلامية تعبّد الطريق لكل رواية تريد فرضها.

لكنّها تملك شيئًا آخر:

ذاكرة شعب لم ينسَ كيف كان يُوصف بـ«الجامد» حين كان يطالب بحقه في الوجود، وقناعة بأنّ حقّ الشعوب لا يسقط بالتقادم، وإيمانًا بأنّ الوقت، في النهاية، يقف مع من يُطابِق فعله قوله، لا مع من يصوغ أجمل التعابير لتغطية أبسط التجاوزات.

قد يواصل البعض اتهامنا بالجمود، قد تُكتَب مقالات أخرى أكثر حدّة، وأكثر استعلاءً، وأكثر ثقة بأنّ «العالم حسم أمره». لكن في العمق، يبقى سؤال واحد معلّقًا فوق كل هذه النصوص:

من هو الجامد حقًّا؟

من يتمسّك بنصوص الأمم المتحدة ومبدأ تصفية الاستعمار، أم من يتجمّد عند حدود ميزان قوى راهن، ويعتبره نهاية التاريخ؟

الجزائر اختارت أن تقف، بهدوء، في صفّ الحق، حتى لو صارت لغة هذا الحق «غير رائجة» في بعض عواصم القرار وبعض غرف التحرير.

فإن كان هذا هو «الجمود» في قاموسهم، فليشهد التاريخ أننا آثرنا أن نبقى ثابتين على مبدأ
على أن نكون خفّافًا في حضرة الباطل.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!