-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
"الشروق" تنقل شهادات مأساوية "لأهل الكهف" بتلمسان

سكوت.. هنا يرقد “الموتى” فوق “الأحياء”

الشروق أونلاين
  • 16163
  • 23
سكوت.. هنا يرقد “الموتى” فوق “الأحياء”
الشروق
مغارة مأهولة تعلوها قبور

قرأنا عن عديد القصص والحكايات، وعن وقائع تحدثت تفاصيلها عن معايشة الأحياء للأموات في المقابر، لكن هل التقطت آذاننا ورأت عيوننا أمواتا يعيشون فوق الأحياء!؟ هل شاهدتم عائلات تقطن تحت القبور، وتتخذ من الكهوف منازل لها؟ عن أناس ينامون بهدوء تحت الجثث، ولا تزعجهم تلك الزواحف من الأفاعي والثعابين التي تزرع الرعب مخترقة هدوءهم من حين إلى حين، زواحف تكون قد نهشت جثث موتى وانتقلت لتنهش أجسام في لحظة نوم؟

هي حقائق وتفاصيل استوقفتنا ونحن متواجدون بمنطقة بني بوبلان بأعالي مدينة تلمسان.   ولم   يكن بحوزتنا، إلا بضعة معلومات تاريخية، ونحن في طريقنا إلى منطقة بني بوبلان، أو كما اشتهرت منذ عديد السنين بمنطقة “الموتى فوق الحيين”، التي تقع أسفل هضبة لالة ستي في طريقنا إلى جنوب تلمسان. 

 

بني بوبلان “الموتى فوق الحييّن”

في هذا المكان يعجز عقل الإنسان عن تقبل تلك الحقيقة، التي تجعلك حائرا، غير مصدق، أن تتخذ عائلات من كهوف جبلية منازل لها، البعض منها حولها قاطنوها إلى ما يشبه “مطبخ”، والبعض الآخر جعل منها “قاعة ضيوف”، أما البقية ففضلت الاحتفاظ بها  كـ”ذكرى”، بعد ما أنجزت منازل لها على حواف هذه الكهوف، غير أن ما يثير الدهشة ويعطي للمكان هالة من الغرابة أن تتحول الأرضية التي تقع فوق هذه الكهوف إلى مقبرة، يدفن فيها سكان حي بني بوبلان موتاهم، وهي المقبرة التي لاتزال تستقبل عديد الموتى إلى يومنا هذا، في وقت تكون فيه عائلات بأكملها تقيم تحت المقبرة، وكأن لا شيء يحدث فوق “السطوح”، هذه السطوح التي هي بكل بساطة قبور متناثرة هنا وهنالك  .

 

ثعابين من عالم الموتى تزور الأحياء

يقول أحد القاطنين في حديثه لنا أنه لا يجد أي مشكلة في المكوث داخل هذه الكهوف، وأن المقابر التي تقع فوق سطوح “الغيران”، أصبحت أمرا عاديا ومألوفا، بل يذهب محدثنا إلى حد استحضار بعض الذكريات، “لقد أخبرني والدي أن والدتي ذات يوم وهي ترضعني، لفت انتباهها ثعبان، كان يحاول اختراق إحدى الحفر من أعلى الكهف، قادما من عالم الموتى، إلا أنه ولحسن الحظ، تمكنت والدتي من قتله”، هي إحدى الذكريات التي ساقها أحد مواليد هذه الكهوف، وهي ذكرى من مئات الذكريات التي لاتزال منقوشة في أذهان أبناء “الكهوف” الذين ينامون بهدوء وسلام تحت الموتى، فيما يرقد الموتى فوقهم، بدون أي إزعاج أو كنوع من “المصالحة”  الأبدية بين الإنسان الحي والإنسان الميت، حيث تمتد عشرات الكهوف، منها من خرج منها قاطنوه، وأصبحت شاغرة، أما ما تبقى منها فهي “محجوزة” من طرف عائلات تقطن منذ سنين في هذه “الغيران” التي كشف بشأنها سكانها، على أنها تعود إلى عهود قديمة، وأن أول شخص أقام فيها هو “بوبلان”، تقول بشأنه الراويات غير الرسمية التي استقيناها من السكان، أنه كان ذو بشرة سوداء يتخذ من أحد الكهوف مكانا للإقامة برفقة أفراد عائلته في ذلك الزمن الذي كشف بشأنه محدثنا أنه يعود للعهد الروماني، وتبقى هذه الرواية الشعبية المتداولة في أوساط السكان إلى يومنا هذا، إلا أنها تبقى غير مؤكدة.

 

أسطورة بوبلان الزنجي

اقتربنا من كهف “بوبلان”، وهو “غار” يتكون من قسمين، قسم مخصص لـ”بوبلان”، يشبه إلى حد بعيد مرقدا حجريا، أما القسم الثاني من الكهف كان مخصصا لأفراد عائلته، وهو انطباع، تحول مع مرور الأيام والسنين إلى حقيقة لدى غالبية السكان المقيمين في هذه الكهوف، ويبدو أن الطبيعة الخارجية للكهف هي التي فرضت هذا الانطباع الذي ترسخ في عقول الناس إلى حقيقية توثق لهذا “المسكن” الحجري، أما فيما يخص كلمة “بني”، فكنا نعتقد أنها مستوحاة من كلمة “أبناء”، إلا أن الحكاية الشعبية تقول أن مفردة “بني” تعني البناء، أو كما قال أحد سكان هذه المساكن الحجرية أن بني بوبلان تعني “بنّي في بوبلان”، وهي عبارة شعبية تبقى بحاجة إلى تدقيق، إلا أن الواقع المعاش بعيد عن جميع هذه التناقضات، يمكن في كون هذه المساكن الحجرية لاتزال تحتضن عائلات بأكملها تعيش بشكل جد طبيعي، وهي مساكن  توفر العديد من الامتيازات لقاطنيها، خاصة في فصل الصيف والحر الشديد، حيث تبقى هذه “الغيران” تحافظ على نسبة مئوية جد مرتفعة من البرودة، تدفع السكان إلى  استعمال أغطية دافئة في عز  الحرّ.

 

إنسان العصر الحجري مرّ من هنا

كهوف المنطقة، التي تحولت إلى بنايات  تقع في مكان، أشارت بشأنه اكتشافات قام بها الباحث البرتغالي “ج. بلايتشر” سنة 1875، أنها تعود إلى العصر الحجري المتوسط، استنادا إلى بعض المعاول المصقولة، التي اكتشفت من قبل ذات الباحث البرتغالي، وهي تندرج ضمن سلسلة من الكهوف يصل عددها إلى 100 كهف، تمتد من حي القلعة العليا، مرورا بحي بودغن ووصولا إلى منطقة بني بوبلان، وهي الاكتشافات التي جاءت لتؤكد على أن هذه الكهوف تعود للعصر الحجري المتوسط، وليس للقرن الثالث بعد الميلاد، كما أشارت إليه عديد الدراسات، قبل أن يستقر فيها الإنسان في العهد الروماني، إلى أن تحولت إلى حصن منيع في العهد الزياني، حيث تحصن فيها الزيانيون في معاركهم ضد الحفصيين، لتتحول إلى ملجإ آمن للعديد من العائلات إبان الثورة التحريرية هربا من بطش الاستعمار الفرنسي، حيث تم تحويل عديد الكهوف بمنطقة بني بوبلان إلى منازل، بل قام العديد من السكان بإنجاز سكنات على حواف هذه الكهوف، وتحويل “الغيران” إلى ما يشبه غرف.

 

محمد ديب.. مصطفى بديع و”الحريق”

بني بوبلان التي تبقى من جانب آخر تحتفظ إلى يومنا هذا بطفولة الأديب الجزائري محمد ديب، الذي قضى معظم طفولته بهذه المنطقة، قبل أن يصبح المكان مصدرا للعديد من كتاباته الأدبية، كما شكلت هذه المنطقة موقعا إستراتيجيا، ومكانا سينمائيا، للمخرج القدير الراحل مصطفى بديع، الذي صور مشاهد سينمائية لرائعته “الحريق” ببني بوبلان، وهو المكان أيضا الذي لايزال يتميز دون غيره من الأماكن الأخرى بروحانيته التي تجذبك إليها تلك السكينة وذلك الهدوء، وأنت محاط بأضرحة لأولياء الله الصالحين، واقفا فوق إحدى تلك الربى التي يمكن أن تمنحك فرصة استثنائية لمشاهدة أجمل وأروع غروب للشمس.


.. يتبع

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
23
  • defli

    الرجاء موافاتنا بمراجع الحصة التلفزيونية معالم التي كانت تبث على برامج التلفزة الجزائرية و التي سلطت في احدى حصصها الضوء على منطقة بني بولان المنطقة التي يعيش فيها الأحياء تحت الأموات بتلمسان .و شكرا لكم جزيل الشكر .

  • بدون اسم

    barak allaho fika

  • بدون اسم

    الاخ لم يقدح في مدينة تلمسان بل في من اضاع المال العام في شيء لا يفيد

  • بدون اسم

    بارك الله فيك

  • العربي بن مهيدي

    بارك الله فيك العدل أساس الملك و عدو الشعب رقم واحد هو هذه المنظومة التي خربت كل ما هو جميل في بلدنا

  • بدون اسم

    يااااااااااااااارب فرج على كل مسلم كرهنا ملينا من قول أينا أنتم يا مسؤليييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييين

  • بدون اسم

    الله يعطيك الصحة والرحمة نعم ما قلت

  • نبيل زتارا

    يقع في هذا الموضع. صدق حميد. إن الناس هنا يعيشون في ثقوب بالجبل، رجالا ونساء وأطفالا وبهائم. وفوق رؤوسهم كانت هناك مقبرة: فالأحياء يعيشون تحت الأموات. –محمد ديب- الدار الكبيرة
    قرأت هذا صغيرا وكنت أعتقد أن هذا الوضع في الثلاثينات والأربعينات لكن في 2015!!!!!

  • بدون اسم

    اذا كانت الكهوف واسعة فهي خير من السكنات الضيقة، والموتى لا يؤذون أحدا الا من كان به الخوف القهري مما رسخ في ذهنه من حكايات الرعب والموت ،في ما مضى كنت أسير بين القبور كانت هناك مقبرتين الأولى للكبار تسمى القايد يوسف، وأخرى للصغار تسمى ثيمضلين، ولا زلت أذكر عظاما رأيتها من أحد القبورحيث انجرف من أمامه التراب رحمة الله على موتى المسلمين هم السابقون ونحن بهم ان شاء الله لاحقون

  • Auressien

    ما دور وزارات السياحة و الثقافة في الحفاظ على هذه الأماكن التارخية ؟ أتعجب من وزراة السياحة التي تتكلم سوى عن عدد الفنادق و الإستثمار في الفندقة و تهمل ما هو أهم و هي أماكن السياحة و التاريخ و الآثار المخلدة لتاريخنا و لحضارتنا . و مقصد السياح أتأثر كثيرا عندما أرى في دول مجاورة لنا و غيرها أماكن أقل أهمية محفوضة بشكل جيد وتيسوق كمعلم من معالم السياحة .

  • omar

    اما القبور فتلك هي مساكننا جميعا واما قصور وبيوت الدنيا فانا مجرد ضيوف فيها لااكثر, لادار للمرء بعد الموت يسكنها الا التي كان قبل البيت يبنيها
    فان بناها بخير طاب مسكنه وان بناه بشر خاب بانيها
    ان هذه الدنيا هي دار امتحان وشقاء وليست دار بقاء وكلنا الى القبور يوما محمولون و نترك خلفنا كل شيء الا اعمالنا فهي وحدها تكون معنا امام العزيز الجبار القاضي والعادل فطوبى لمن ترك الدنيا قبل ان تتركه وعمل لقبره قبل ان يدخله وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

  • Abdelmalek

    il y a les morts et les morts vivants Une seule réception d un seul responsable aurait suffit pour l achat d un logement à cette famille qui cohabite avec les morts

  • بدون اسم

    الموتى أرحم من الأحياء كان أخي يقول لي إدا أردت أن ترقدي في أمان فأرقدي في ما بين القبور ولأنه جربها عدة مرات مكان هادئ وآمن ولكن أنا لن أفعلها أبدا فالموت يخيفني لأن الموت يعني عداب القبر في كل ليلة ينتابني خوف كبير من الموت خوفا من الله

  • عماد

    انت لا تقرا و اخترت المثل في غير محله ...تلمسان من اعرق البلدان في الجزائر تاريخا و حضرة و علما و اصالة ..هاذا ليس كلامي بل كلام المؤرخين عرب و غيرهم لماذا لا تبحثون ..و القبور هاته من تاريخها..ولا تعصب و لا حمية بل هي حقيقة ...اما عاصمة الثقافة الاسلامية فنعم خرطي في خرطي ..لان تلك السنة كانت سنة تضييع الاموال في ما لا فائدة فيه...الاسلام قول و عمل...هاذا الدي لم تفهمه التي نصبت وزيرة رغم انوفنا ..صاحبة فكرة عاصمة الثقافة الاسلامية..و ما علاقة تلك الوزيرة بالاسلام!!!!

  • فاروق

    هذه بني بوبلان حكايتها قديمة وعلى ما اذكر ان لم تخني الذاكرة تم فيها تصوير فلم جزائري في عهد الحزب الواحد ايام الثمانينات او شريط للنلفزة الجزائرية.
    وبالمناسبة فالمكان جميل جدا ويستحق ان يذكر في مميزات الدولة الجزائرية ..........

  • بدون اسم

    سبحان الله ! عدد الأعداد الغير المتناهية ..
    اللهمّ كن لهم يا مجير المستضعافين .

  • بدون اسم

    الافاعي لا تنهش لحوم الموتى فهي تصطاد و تقتل فريستها و تأكلها لكن من الممكن ان ينهش الانسان في لحم أخيه

  • بائع دواء البق

    وان سالوك عن العدل في بلاد المسلمين قل لهم قد مات عمر

  • soussana

    لا حول و لا قوة الا بالله
    قالك تلمسان عاصمة الثقافة الاسلامية
    يا المزوق من برى واش حالك من الداخل

  • حليمة

    سلام ع.والله انى أرى ان اتخاذ الكهف مأوًى, أفضل من بناءٍ سقفه القصدير وجدرانه الطوب.

  • باتول

    مجاورة الاموات خير من مجاورة الاحياء فالاموات هم في حياتهم البرزخية بين يدي ربهم,اما الاحياء فلا شغل لهم سوى مراقبة بعضهم بعض,وياليته يكون في خير فقط الخوض في أعراض الناس و...........

  • العربي بن مهيدي

    قلنا ذلك ستبقا أن هناك مواطنين يعيشون فوق القبور و قرب القبور في تلمسان و غيرها من الكثير من المدن الجزائرية في وقت أصبحنا من الدول الأكثر دخلا في العالم لكن في نفس الوقت نصف سكان شعبنا تحت خط الفقر جراء التوزيع الغير عادل للثروة و هذا بالتالي ينجم عنه الظلم و الحقرة و التهميش و يظهر في نفس الوقت مافيا العقارات التي تستثمر في السكنات و الأراضي...فهناك من يملك عشرات السكنات و هناك من لا يملك مسكن يأويه برد الشتاء و حرارة الصيف و هذا طبعا هو نتيجة لعهدات الرئيس التي جعلت شعبنا في عزة و كرامة؟

  • rami

    المقابر من ٱكتر الأماكن هدوء وسكينة٫ أما الخوف من الأ حياء٫ ونتمني لدولة أن تجد حل لهده العائلة التي تعيش في بلد أستقل مند أكتر من 50 سنة