-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ظِلُّ الشاعر أبي القاسم الشّابي في أرض الجزائر

ظِلُّ الشاعر أبي القاسم الشّابي في أرض الجزائر

أوحت إليَّ بعض الفقرات المعروضة في كتاب: “ظِلال النخيل” بعنوان هذه المقالة. والكتاب المذكور هو مستدركٌ جمعت فيه سنابل ملآنة وباقات فواحة من الإنتاجات الشعرية والنثرية تنشر لأول مرة للشاعر التونسي أبي القاسم الشابي (1909ـ 1934م). وأرفقت بها جملة من الرسائل خطها بيده إلى بعض أقاربه وأصدقائه وخلانه. وقد حجبت هذه الدرر المشرقة واللآلئ اللامعة بعيدا عن أعين القراء والمهتمين بالدراسات الأدبية والنقدية ردحا طويلا من الزمن زاد عن تسعين سنة، وكُتب لها أن تبقى مطمورة ومجهولة.

الشاعر أبو القاسم الشابي أشهر من نار على علم، كما يقولون. وهو ساكن آفاق العالمية، وملهم الإنسانية قاطبة بأشعاره الرومانسية المتمردة التي يرسلها كالسفافيد الحمر الحارقة ضد الظلم والطغيان والاستبداد. ولو لم يقل من الشعر سوى بيته الشعري المسطر في مطلع قصيدته: “إرادة الحياة”، والذي تتردد كلماته في كل أصقاع المعمورة على ألسنة المظلومين والمضطهَدين والمعذبين في الأرض لكفاه ذلك فخرا وتخليدا. ومن شدة وفاء تونس لشاعرها ألحقت هذا البيت الشعري بنشيدها الرسمي الحالي “حماة الحمى”. وفي لحظة تاريخية فاصلة وساخنة وفارقة، استوحى منه أبناء وطنه شعارهم الجامع المحرض لما ثاروا متشنجين وغاضبين في ثورة الياسمين (18 ديسمبر 2010- 14 جانفي 2011)، وراحوا يترنمون بكلماته بأصوات عالية في مسيراتهم وتجمعاتهم وهم يبحثون عن طريق مُعبَّدة للخلاص والنجاة من القهر والوصول إلى مرافئ الحياة الحرة الكريمة والعزيزة.

لا أسمح لنفسي أن تفوتني الفرصة من دون الإشادة بالجهد المبارك والمشكور الذي تبذله “جمعية الشابي للتنمية الثقافية والاجتماعية” للمحافظة على تراث هذا الشاعر الفذّ والمناضل في سبيل قيمة الحرية، وإخراجه إلى الناس كافة حتى يستفيدوا منه قراءة أو بحثا. وأن أنوّه بالجهد الذي صرفه الدكتور علي الشابي في استرجاع وتحقيق هذه المستدركات المسترَدَّة وتخليصها من مفسدة الغبار وتلف الرطوبة، ومحاولة تثبيت تواريخها والتقديم لها بأسلوب أدبي رفيع فيه براعة وإجادة وجمالية. كما أشكر الأخ الكريم عبد الله الشابي الذي يبدو أنه من الواقفين في الصف الأول في محفل هذه الجمعية، فهو من أهداني نسخة من هذا المؤلف الأنيق أرسلها عن طريق البريد السريع.

ألبس واضعُ كتاب: “ظِلال النخيل” الشاعر الموهوب أبا القاسم الشابي وشاحَ الإنسانية الرهيف؛ لأنه يعدُّ، وبلا منازع أو ممانع، من كبار الشعراء المعبِّرين عن خوالج النفس البشرية التي تهفو إلى الحرية والانعتاق. وتدعو أغلب أشعاره إلى الانفلات من قيود العبودية وأغلال الاستغلال ونير الاحتقار وذل التسلط وسطوة الجبروت. وبالنسبة إلينا كعرب، لم تكن قضية انتساب الشاعر أبي القاسم الشابي تجد ممرا للطرح والسؤال لولا النزعة القُطرية التي فرَّقت العالم العربي شذر مذر، وجزأته إلى كيانات ترابية منفصلة ومفصولة بحدود أمعن الاستعمار العالمي في رسمها منذ سايس ـ بيكو. ولم يتوقف عن إشعال جمرات النعرات والخلافات في مكر حتى تبقى مشتتة وبعيدة عن رباط الوحدة والإتحاد.

نعرف، وبلا مرية أو شك، أن الموطن الأصلي للشاعر أبي القاسم الشابي هو تونس الخضراء، وأنه سليل عائلة عريقة المنبت وأصيلة الجذور استوطنت مدينة توزر الواقعة في الجنوب. ولكن تردد الشاعر، برغم قِصر عمره، على أرض الجزائر، وتفرُّق أبناء العائلة الشابية بين القُطرين المتجاورين يجعل الجزائريين يشعرون أن بينهم وبينه صلة رحم، وأنهم من ذوي قرباه القريبين، وأن العلاقة معه تتجاوز حبلها الروحي إلى وشيجة النسب القريب. وهذا التداخل والتشابك والتقاطع الذي يخص اللوامع والمتفوقين والأعلام بين الجزائريين والتونسيين، نجده متكررا في كثير من محطات التاريخ. ونذكر من ذلك حالة المؤرخ ومؤسس علم الاجتماع العلامة ابن خلدون (1332ـ 1406م)، والإمام المتصوّف الشيخ محمد الخضر حسين (1876ـ 1958م) الذي تولى مشيخة جامع الأزهر الشريف في مطلع خمسينيات القرن الماضي لمدة سنتين اثنتين.

ثمة خيطٌ آخر شديد الغزل ومتين الفتل يجمع بين أبناء عائلة الشابي الموزَّعين بين الجزائر وتونس يتمثل في الطريقة الصوفية الشابية التي أصبحت تُسمَّى، بمرور الوقت وبعد عملية تهجين، بالطريقة الشابية الشاذلية. والتهجين والمزاوجة في الطرائق الصوفية أفعالٌ مألوفة، ولم تنقطع منذ أن عرف التصوّف، ولها أسبابها ودوافعها. ويعود الفضل في ذلك إلى الشيخ مسعود الشابي (1563ـ 1620م) وهو تاسع شيوخ هذه الطريقة التي أسسها الشيخ أحمد بن مخلوف الشابي (ت 1492م). وقد أوصل ميل الشيخ مسعود الشابي إلى التجوال، وقادته رحلاته إلى عدة مناطق بالجنوب الشرقي الجزائري المتاخم لتونس، وأسس مسجدين ببلدتي وادي سوف وقمار. ومن هنالك، انتقل إلى منطقة ششار من الأوراس الجنوبي. ولما طاب له المقام في هذه الأخيرة، استقرَّ بها وأنشأ زاويته التي كانت مقصدا لمريدين وأتباع عديدين. ولعل ما شجَّعه على المكوث في هذا البقعة هو عزلتها وانزواؤها بعيدا عن الأنظار. وقد يضاف إلى ذلك استئناسه بقبائلها التي كانت تعيش في أمن واسترخاء بفضل عقد التحالف الذي توافقت في إبرامه. وهو دفين زاويته التي يبدو أن حالها اليوم يختلف تماما عن حالها بالأمس بعد أن توقف في أرجائها دبيب حركة أداء رسالتها التهذيبية والتثقيفية والتعليمية لخدمة الأفراد والمجتمع. ويشار إلى أن الشيخ مسعود الشابي قد خلَّف عددا من المؤلفات والرسائل منها “رسالة في تفسير كلمات الصوفية” مما يعني أنه صاحب كعب عال في اللغة العربية.

تعلق قلب الشاعر الشابي بمدينة المشروحة الجزائرية التي تقع قريبة من مدينة سوق أهراس. وجاء في كتاب: “ظلال النخيل” أنه أقام بها في مسكن أنيق وواسع بين شهري جويلية وأكتوبر من سنة 1933م. ووصف الشاعر هذه البلدة الجميلة وما اعتراه فيها من أحوال نفسية توزعت بين اليأس والأمل، والفرح والقنوط في الرسالة التي وجهها إلى مصطفى خريف بتاريخ 16 سبتمبر 1933م، والتي يقول في بعض من سطورها: (أما البلدة فهي جميلة، وخصوصا ضواحيها في المساء وفي ليالي القمر. ولكنني أقول إنني لبثت فيها نحوا من شهرين مقفل النفس، ميت المشاعر، لا أحس لها بجمال قط. وما تحركت نفسي بجمالها إلا لما جاءت “النوبة” وأخذتني حمّى الشعر، إذ ذاك أدركت جمالها، وتفتحت له نفسي، وأصبحت أحس أنني حلم طائر في عالم مسحور. ولكن “النوبة” لم تنته حتى هاجمتني الدنيا بما لم أكن انتظر من أكدارها وغثائها. وذلك هو الإعصار الجهنمي الذي كان من شواظه طالعة هذه الرسالة). (ص: 37).

لم يجعل جامع مادة كتاب: “ظلال النخيل” سبب تفضيل الشابي الإقامة في بلدة المشروحة مقصورا على موقعها الخلاب ومناخها اللطيف اللذين استطابهما واستحسنهما، وإنما تعداه إلى سبب ثان يذكره في نهاية السطور الموالية المقتبسة: (آثر الشاعر الإقامة في المشروحة؛ لأنها مدينة جبلية، كثيفة الأشجار، باهرة الجمال، وقريبة من البلاد التونسية؛ إذ لا تبعد عن الحدود أكثر من ثمانين كيلومترا، ولأنها كانت كذلك موطن الحنانشة الذين لهم صلة تاريخية وثيقة بالشابية، وهي صلة توطدت منذ القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي إذ أصبحت قبيلة الحنانشة أهم قوة ساندت الشيخ أحمد بن مخلوف الشابي مؤسس الطريقة الشابية). (ص: 37). واسترسالا وتكملة، يضيف ما يلي: (… لذلك كان الشابية يترددون على المنطقة التي تمتد من سوق أهراس إلى خنشلة وششار، وهي المنطقة التي تتوطن فيها قبائل أخرى حليفة “دريد والنبايل والحراكتة والنمامشة وبني بربار”. وكانت عائلة أحمد بن حسن الشابي وعائلة الطيب بن الحاج الشابي قد استقرتا، في سنة 1933م، ببارال Barral التي تبعد عن المشروحة بنحو خمس كيلومترات. وحين علمتا بقدوم الشاعر إلى المشروحة، انتقل بعض أفرادهما لملاقاته… وأقاموا معه في المشروحة ثلاثة أيام. وأثناء إقامتهم اقترح عليهم الشاعر قضاء يوم في “عين سنّور” التي تشتهر هي الأخرى بموقعها الجبلي وبغاباتها الكثيفة ومياهها المعدنية، وهي تبعد عن سوق أهراس بنحو عشر كيلومترات. فذهبوا إلى سنّور على الخيول، وهناك قضوا يوما…). (ص:37 و38).

لئن كان الشاعر أبو القاسم الشابي في رحلته العمرية القصيرة التي لم تتجاوز ربع قرن يلوذ في توزر بظلال النخيل، كما قال الدكتور علي الشابي وهو يقدِّم للكتاب، فإن ظل شاعرنا الكبير الذي به نفخر ونباهي ما تزال آثارُه مرسومة في أرض الجزائر نسبا وروحا وتفاعلا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
5
  • حسين بوكحيلي تونس

    ان الشابي هو شاعر الحرية الرافض للظلم والطغيان قد قال سَأعيشُ رَغْمَ الدَّاءِ والأَعداءِ كالنَّسْر فوقَ القِمَّةِ الشَّمَّاءِ أرْنُو إلى الشَّمْسِ المُضِيئةِ هازِئاً بالسُّحْبِ والأَمطارِ والأَنواءِ ليتني كنتُ كالشِّتاءِ أُغَشِّي كلّ مَا أَذْبَلَ الخريفُ بقرسي ليتَ لي قوَّةَ العواصفِ يا شعبي فأَلقي إليكَ ثَوْرَةَ نفسي اما حبه لجبال وغابات ارض الجزائر فقد قال ليتَ لي أنْ أعيشَ في هذه الدُّنياسَعيداً بِوَحْدتي وانفراد أصرِفُ العُمْرَ في الجبالِ وفي الغاباتِ بَيْنَ الصّنوبرِ الميَّادِ لَيْسَ لي من شواغلِ العيشِ مَا يصرف نَفْسي عنِ استماع فؤادي أرْقُبُ الموتَ والحياةَ وأصغي لحديثِ الآزالِ والآبادِ وأغنِّي مع البلابلِ في الغابِ وأُصْغي إلى خريرِ الوادي

  • حسين بوكحيلي تونس

    في حقيقة الامر تونس الجزائر مشاعر واحدة والدليل مسلسل مشاعر قصة جميلة ودراما مشتركة تعتبر مقدمة وجوهر موضوع وخاتمة نطلب المزيد من الاعمال المشتركة وخاصة التا ريخية فهل نحن ينقصنا تاريخ لقد مرت كل الامبراطوريات بارضنا الرومانية وغيرها اين مؤرخونا الدراما التركية نجحت لانها عرفت بماضيها القديم منذ نشأت الامبراطورية العثمانية

  • حسين بوكحيلي تونس

    كان الفنان محمد التوري أول من قام بتلحين النشيد[وسجلت أول مرة بمنزل مفدي زكريا بحي القبة بالعاصمة الجزائرية، ورفضت هذه النسخة لعدم توفر الروح الثورية والشروط المطلوبة. وفي العاصمة التونسية قام الموسيقار التونسي محمد التريكي بتلحينه وكان أول تسجيل في مقر البعثة التعليمية الجزائرية بتونس شارع ابن خلدون[ثم تبرّع الموسيقار المصري محمد فوزي بتلحين النشيد "هدية للشعب الجزائري". واقتنعت أخيراً جبهة التحرير باللحن الجديد، واعتبرته قوياً وفي مستوى النشيد لهذا يبقى ابو القاسم الشابي ملك لكل من يتطلع الى الحرية نعم قد عشق جبال الجزائر فقد كتب ( ليتَ لي أنْ أعيشَ في هذه الدُّنيا سَعيداً بِوَحْدتي وانفر ادي == أصرِفُ العُمْرَ في الجبالِ وفي الغاباتِ بَيْنَ الصّنوبرِ الميَّادِ _اما عن الحرية فقد قال سَأعيشُ رَغْمَ الدَّاءِ والأَعداءِ كالنَّسْر فوقَ القِمَّةِ الشَّمَّاءِ أرْنُو إلى الشَّمْسِ المُضِيئةِ هازِئاً بالسُّحْبِ والأَمطارِ والأَنواءِ

  • حسين بوكحيلي تونس

    واعتبرته قوياً وفي مستوى النشيد لهذا يبقى ابو القاسم الشابي ملك لكل من يتطلع الى الحرية نعم قد عشق جبال الجزائر فقد كتب ( ليتَ لي أنْ أعيشَ في هذه الدُّنيا سَعيداً بِوَحْدتي وانفر ادي == أصرِفُ العُمْرَ في الجبالِ وفي الغاباتِ بَيْنَ الصّنوبرِ الميَّادِ _اما عن الحرية فقد قال سَأعيشُ رَغْمَ الدَّاءِ والأَعداءِ كالنَّسْر فوقَ القِمَّةِ الشَّمَّاءِ أرْنُو إلى الشَّمْسِ المُضِيئةِ هازِئاً بالسُّحْبِ والأَمطارِ والأَنواءِ في حقيقة الامر تونس الجزائر مشاعر واحدة والدليل مسلسل مشاعر قصة جميلة ودراما مشتركة تعتبر مقدمة وجوهر موضوع وخاتمة نطلب المزيد من الاعمال المشتركة وخاصة التا ريخية فهل نحن ينقصنا تاريخ لقد مرت كل الامبراطوريات بارضنا الرومانية وغيرها اين مؤرخونا الدراما التركية نجحت لانها عرفت بماضيها القديم منذ نشأت الامبراطورية العثمانية

  • حسين بوكحيلي تونس

    الارض ارضنا والجبال جبالنا والدم دمنا نحن الجزائر وتونس الابداع العربي يخرج من ارضنا من لم يدمع حين يستمع الى (قسما ) النشيد الجزائري مفدي زكريا شاعر الثورة "قسماً بالنازلات الماحقات"، و انتقل شاعرنا، والذي مات منفياً بتونس؛ إلى تونس لنشره في صفوف جبهة التحرير.