عرس في الهواء ب 4 ملايين فقط!
” الأسبوع دا كتب الكتاب والأسبوع الجاي الفرح”..عبارة كثيرا ما تتردد في أي عمل فني مصري في مشاهد تتعلق باتفاق أهل العريسين على إجراءات الزفاف وطريقتها، وهي العبارة التي كثيرا ما يستغربها المتتبع للأفلام المصرية عموما والجزائري خصوصا ويعتبرها “تمثيل فقط”..وذلك طبعا مقارنة بالأعراس الجزائرية، غير أن الواقع المصري يؤكد تلك المشاهد الدرامية وقد تكون أبسط من ذلك بكثير..أفراح يحضر لها في أيام معدودة، بتكاليف قد لا تتعدى ال200 أو ال300 دولار أي ما يعادل 4 ملايين، شوارع تحتضن الأفراح…تلك هي بعض مظاهر الأعراس المصرية التي تعتبر البساطة سمة مشتركة بينها..
“الصوان”، الشوارع و النيل يحتضنون أعراس المصريين ولا تهم الدعوات!
كثيرا ما يصادفك وأنت تعبر شارعا مصريا بغض النظر عن مكانة هذا الشارع، وهل هو شعبي أو راقي، خيمة كبيرة، أو شبه خيمة يطلق عليها في مصر إسم “الفراشة أو الصوان”، وهي نوع من القماش ملون بالأحمر والأزرق، ويقوم القائمون على هذا الفرح بغلق الشارع من الجانبين ووضع كراسي فيه، وكذا تزيينه بورود ومصابيح ملونة، وأشرطة من أي نوع المهم أن تكون هذه الأشرطة ملونة وتجذب أنظار المارة..صحيح أنه يتم غلق الشارع لكن من حق أي عابر لهذا الشارع أن يمر ويخترق الجموع الحاضرة في الزفاف، وكذا من حقه الحضور أيضا في الفرح إن شاء ذلك، ومشاركة أهل العريسين هذه الفرحة، لا يهم إن كان مدعوا أم لا، فهذا النوع من الأعراس -وهو الغالب في مصر- مفتوح للجميع، وبما أن أهل العروس وأهل العريس موجودان فلن يتمكن أحد الأطراف من تحديد انتمائك والإثنين يرحبان بك ويدعوانك للجلوس، ويكرمونك بما جادت به هذه المناسبة، وعادة ما تكون هذه الخيمة مفتوحة السقف، بما يسمح لكل الجيران بالمشاركة في الفرح من بيوتهم، خاصة السيدات اللواتي تسمع زغرودتهن من حين لآخر، أو تشاهدهن وهن يرقصن في شرفات منازلهن..
السيدات ب”جلابية البيت” أو عباءة سوداء لا يهم!
عدم التكلف في الأعراس لا ينطبق فقط على العروسين وعلى اختيارهم لمكان إقامة الزفاف، بل ينطبق أيضا على الحضور، فليس ضروريا أن تظهر المدعوة للزفاف في أبهى حلة كما هو الحال عندنا في الجزائر، بل المهم هو مشاركة العروسين و أهلهما فرحتهم، فلا تجد المظاهر التي ألفناها في أعراسنا خاصة عند السيدات، فقد تكلف المرأة الجزائرية لوحدها ما يقارب تكاليف عرس مصري من مصاريف الحلاقة والماكياج وفساتين العرس و”الإكسسوارات” والصيغة و غيرها، فهذه المظاهر لا تجدها في أي فرح مصري، سواء كان في الشارع أو في القاعات المخصصة للأفراح، فالعروس وحدها من تبدو لك قادمة من صالون التجميل، أما معظم المدعوات فيحضرن لهذا الزفاف أو ذاك ب”جلابية البيت” كما يسمونها، أو عباءة سوداء ومن غير مساحيق تجميل، وحتى إن تزينت الفتيات فلا تجد مظاهر صالونات التجميل التي عهدناها عندنا في الجزائر، بل يعتمدن على أنفسهن، كما أنك لا ترى الفساتين الغالية الثمن التي عادة ما تظهر بها فتياتنا في أعراسنا والتي تكاد لا تفرق بسببها بين العروس وبين أي مدعوة أخرى..
وليمة العرس تقتصر على “تورتة” ومشروبات!
العرس المصري في الشارع لا يختلف كثيرا على العرس الذي تحتضنه القاعات المخصصة للأفراح، فالزفاف الذي تحتضنه القاعة يعتمد على نفس الإجراءات والإمكانيات والمظاهر التي يحتفي بها الشارع بالعرسان وذويهم..قد يعتقد البعض أن المصريين يهربون من الإحتفاء بأعراسهم داخل القاعات بسبب غلاء سعرها غير أن هذا الكلام عار من الصحة، فالمبلغ الذي يكلفه الفرح في الشارع هو نفس المبلغ الذي يكلفه في القاعة، فالقاعات مثلا لا يكلف تأجيرها أكثر من 100 دولار (تقريبا10.000 دينار جزائري)، وهناك قاعات ورغم تجهيزها الراقي إلا أنها تؤجر ب50 دولار فقط، وقد يتفق العريس مع أصحابها على برنامج يشمل فرقة موسيقية أو راقصة أو مغني أو حتى الثلاثة معا، وكل من المذكورين يحسب مشاركته بالساعة وبعدد الفقرات التي يقدمها، و مع هذا لا يكلف الفرح مثلما نتصور، فالراقصة أو الفرقة الموسيقية لا يتعدى أجرهمها في الحفل أكثر من 100 دولار (ما يقارب 10.000 دينار جزائري)، وهو المبلغ الذي يأخذ ضعفه أصحاب ما يعرف عندنا ب”الديسك جوكي” وحدهم..فما بالك بفرقة موسيقية و مغني فهذا تكلفته عندنا تتعدى 140.000 دينار.. وبعيدا عن الغناء والرقص في العرس المصري، فوليمة أي فرح لا تعرف الترف الذي تشهده أعراسنا في الجزائر، فالعرس المصري لا حلويات بالملايين ولا مشروبات كذلك، كل ما قد يحصل عليه المدعوين هو نصيب من “تورتة” العرسان ومشروب غازي، المهم بالنسبة للمصريين في أفراحهم هو لم شمل الأسرتين والأصدقاء والترفيه عن النفس “تغيير جو”، أما التكلف فلا يعرف لهم طريقا خاصة في مثل هكذا مناسبات..
وللأفراح النيلية طعم خاص..

الكثير من المصريين يقيمون زفافهم وسط مياه النيل، في مراكب بسيطة أو فخمة، وعادة ما تحسب هذه المراكب للعرسان بالساعة، وتبدأ الأسعار من 60 جنيه مصري وتصل إلى ألف جنيه حسب إمكانيات المركب، أي ما يعادل من 10 دولار إلى 150 دولار تقريبا، وأهل العرس هم من يحددون كم ساعة سيقضونها في النيل، وبعد انتهاء الساعات المتفق عليها، يشهد كورنيش النيل تكملة لهذا الفرح، من رقص وغناء لوقت متأخر على أضواء النيل الفسيفسائية، وقد يكتفي المدعوون والعرسان بالساعات التي قضوها في النيل، وطبعا وسط كل هذا فكل مار عبر الطريق أو كل مستجم في النيل، يحق له المشاركة في الفرح..ولا مانع من الرقص والغناء أيضا..
شروط العريسين..الشبكة على العريس وتأثيث البيت مناصفة
تعرف الأفراح المصرية مظاهر عديدة لا توجد إلا في مصر، فتأثيث البيت الزوجي لا يقتصر على العريس وحده كما هو الحال عندنا، بل يكون مناصفة بينه وبين شريكة حياته، فإذا اشترى هو غرفة النوم والصالون تقوم هي بتأثيث المطبخ بكل لوازمه من فرن وثلاجة وأواني، وقد يتدخل العريس في الأواني التي تشتريها العروس إن لم تعجبه والعكس صحيح، كما تشتري العروس غرفة الطعام وقد يتم الإتفاق على غرفة الأطفال، المهم التأثيث يكون مناصفة تقريبا والإثنين يتحملان تكاليفه..
أما فيما يخص شروط أهل العروس على العريس، فقد كانت سابقا تكلفه كثيرا خاصة في رفع المهور وتحديد سعر عقد الذهب أو ما يسميه المصريون “الشبكة”، لكن حاليا غالبا ما تكتفي عائلة العروس بطلب “الشبكة” فقط، وأشرف المهر على الإختفاء تماما من حياة العروس المصرية..
..هذا لا يمنع من وجود أفراح خمس نجوم
بساطة وتكلفة الأعراس المصرية التي نتحدث عنها، تعتبر ظاهرة لعامة الشعب المصري، وعادات وتقاليد تعود عنها المصريين، وقد تكون أبسط مما ذكرنا بكثير، لكن هذا لا يمنع طبعا من وجود أفراح تفوق الخيال، توصف بالمترفة والغريبة على المجتمع المصري الموسوم ببساطته، حيث توجد أحيانا أفراحا تحتضنها الفنادق ذات الخمس نجوم، وبمبالغ يعتبرها المصري كبيرة، ينشطها فنانون كبار على غرار “عمرو دياب” مثلا، أو الرقاصات الشهيرات، ولا وجود فيها للفرق الموسيقية الشعبية التي تنشط حفلات الأفراح العامة، وتكلف العريس أموال باهضة، غير أن هذا النوع من الأفراح محصور في طبقة معينة من المجتمع، من أبناء رجال الأعمال، والشخصيات السياسية المعروفة أو أبناء الفنانين وما شابه..