فتيات يصرخن..لا نقبل بالوقوف داخل الحافلة
تقدّموا.. إلتصقوا ببعضكم حتى يتسنّى للجميع الصعود.. تعابيرٌ لن تسمعها إلا وأنت في حافلةٍ قد عجّتْ بركابها حتى صار التنفس فيها شبه مستحيل، هذا يشتكي من رائحة الآخرين عند الإلتصاق به، وتلك تتنحّى تدريجيّاً حتى لا يحتكّ بها الذي يجاورها.. كلها أصواتٌ حملتْ العديد من المعاناة تحت ذريعة ضرورة ركوب حافلات النقل، وغلاء تسعيرة سيارات الأجرة.. هو واقعٌ مر بات يعكسه الإكتظاظ “المزمن” الذي تشهده حافلات النقل في المدن الكبرى خصوصاً، يتنازل فيه الركاب عن بعضٍ من حقوقهم فقط ليُحصِّلوا موطئَ قدمٍ في أيّ زاوية منها!
جولتنا كانت عبر أهم محطـات الحافلات في العاصمة كبن عكنون، عين النعجة وباش جراح..
البداية كانت من محطة “بن عكنون”، حيث كان الإكتظاظ بادياً وجلياً، خاصة في الحافلات المتوجهة إلى كلّ من “القبة” و”باش جراح”، وبعين المكان كانت لنا وِقفة مع أحد السائقين لهذه الحافلات الذي استطرد في الحديث قائلاً :”الإكتظاظ في حافلات النقل أضحى أمرا عاديا هنا، لا بل وصرنا قليلاً ما نرى حافلةً فارغة أو حاملة لعدد قليل من المسافرين”، مضيفاً: “هذا راجع لغلاء تسعيرة سيارات الأجرة من جهة، ولزيادة عدد مرتاديها من جهة أخرى”، ليقاطعنا في لبّ الحديث شريكه في الحافلة، وهو القابض للأموال بشيءٍ من الغضب: “أمر الإكتظاظ عادي مادام الركاب يتقبلونه، فلا أحد أجبرهم على الصعود في حافلة مكتظة“
سعيٌ وراء المحصول والحصيلة!
من “بن عكنون” إلى “باش جراح”، تبقى الآراء مع السائقين وقابضي الأموال بالكاد نفسها، حيث استهلّ “مراد” وهو أحد السائقين لحافلة النقل كلامه: “أنا لسـتُ معارضاً للإكتظاظ في حافلتي، فقـرار الصعود والحافلة ممتلئة يرجع للركاب”، ليضيف بشيء من اللامبالاة: “لمَ لا أسمح بصعودهم مادُمتُ سأربح من ذلك بعض الدنانير التي ستُفرح ربّ العمل؟!” في إشارةٍ منه هنا أنّ المالك لا يهمّه سوى المحصول والحصيلة.
أما “كريمة” إحدى النساء اللواتي تعرّضن للتحرش داخل الحافلة، تحكي وكلتا يديها تُطلقان تعابير مُعِينَةً في التعبير عن الأحاسيس التي عجزت عنها الكلمات :”أصبح من المستحيل عليّ ركوب هذه الحافلات الآن دون الجلوس براحة بعد الذي حدث لي من تحرّشٍ فاسد جرّاء الإكتظاظ والفوضى في طريقة الصعود”، لتتوقف برهة، وتُطلقَ ملامحَ توحي بعجزها عن إتمام الكلام.
النتيجة تحرّشٌ فاسد وأناملٌ تحترف ارتكاب الفاحشة..
من الجانب الآخر، وفي محطة “عين النعجة”، حيث كان العديد من الركاب في حالة نرفزة لمكوث الحافلة طويلاً في المحطة وهي ممتلئة عن آخرها، اقتربنا قليلاً من أحدهم، “نذير رمضان” الذي استهلّ كلامه معنا عن ضرورة صعود الركاب رغم الإكتظاظ : “أكيد أنّ الجميع يريد الصعود، خاصة منهم المتأخرون عن العمل أو الدراسة”، مضيفاً حول اغتنام ذوي الأخلاق السيئة لهذه الضرورة: “السارقون وغير المتخلقين هـم أكبر المستفيدين وسط هذا السّـيل من بني آدم، فتنشط أنـاملهـم لخطف محافظ الركاب هنا وهناك، حيث يكون التلاصق والتحرّش، ولا أحد يُعيرهم اهتماماً، و قد تعرضت أنا شخصياً لعملية سرقة جراء الإكتظاظ، حيث حاول أحد اللصوص السطو على محفظتي التي كانت في جيبي بسلاحٍ أبيض وبطريقة توحي باحترافيته في السرقة، لكن الحمد لله نجوتُ منه “، و أضاف: “نلاحظ أنّ ظاهرة الإكتظاظ تكثر في حافلات النقل الخاصة ، فأصحاب هذه الحافلات يحاولون قدر المستطاع المكوث لوقتٍ طويل في المحطة لكسب المزيد من الأموال، متناسين تماماً القانون الذي يحمي الراكبين في الحـافلات، فقليلاً ما تسلم أرجلك من الرفس وأضلعك من الضغط، حتى أنّ هذا الأمـر أدّى إلى هـلاك العديد في هذه الحافلات“.
وبصدد حديثنا عن قانون منع الإلتصاق بالنسبة للجالسين في حافلات النقل، ومنح تذاكر الصعود للراكبين، تدخّل “أحمد مزيان” بشيء من الإستغراب: “عن أيّ قانونٍ تتكلّمون؟!،أنا بالذات لم أسمع به، كما أنّه في الحافلات الجزائرية الناس لا تعترف بشيءٍ إسمه القانون، وقليلاً ما أحصل على تذكرةٍ للصعود، فأغلب حافلات النقل لا تملكها”، مضيفاً “في بعض الأحيان يتوجب علينا الركوب ولو كانت الحافلة ممتلئة، وهنا تبدأ المعاناة من اللحظة الأولى ، لأنّ الحافلات التي تليها للأسف يمكن أن تأتي بعد عشر دقائق، كما يمكن أن تأتي بعد نصف ساعة و تمكث في المحطة نصف ساعة أخرى، مما يؤدي إلى تعطيلنا عن أشغالنا“.
“رايس صدّام” دارس بقسم الماستر في كلية العلوم السياسية والإعلام، تحدّث معنا متطرّقاً لعامل الوقت: “الوقت مهمٌ جداً، فلة وصلت كل حافلة في وقتها لما وقع الإكتظاظ” مضيفا : ” بعض الحافلات لا تصل في وقتها المحدد عمداً، كي ينجم عن ذلك الإكتظاظ المرغوب و تحقق ربحا أوفر، و لكم أن تتخيلوا ماذا يحصل فور وصولها بعد هذا التأخر.. إختلاط بين الركاب و تدافع و تزاحم ومناوشاتٌ يطلقون من خلالها العنان للصراخٍ والسبٍّ والشتم –مستهجناً– كأنّ هذا الشارع أضحى موطناً للفساد فقط!”، موضحا :”من حقّ هذه الحافلات البقاء في المحطة لدقيقتين فقط، لكن مع الأسف في الجزائر تظل لمدة تفوق الربع ساعة، و أحيانا تصل الى نصف ساعة، ولا تتحرّك من المحطة إلا إذا مُلئت عن آخرها –ردّدها مراراً وبلهجة حادّة– بغية تعطيل سير الحافلات التي تليها، وإذ بأصحابها يُلزمونكَ على الصعود معهم كي لا تُطيل الإنتظار أكثر!”. كلّ هذا حسب “صدّام” يعود إلى انعدام الرقابة من قِبلِ الدولة حسب قوله “لا حديث عن الرقابة في وسائل النقل، فهي منعدمة تماماً، هذا ما سمح لمالكيها باختراق القانون و الإستهزاء بالركاب”، مكمّلاً كلامه :”أمر ركوب الحافلة مقيّدٌ بالعدد المحدد فيها، كأنْ يجلس عشرون شخصاً ويقف أربعة عشر آخرون، وليس كما في الواقع بتاتا، حيث نرى عشرون منهم جالسون و أكثر من الضعف واقفون! حتى عملية قبض الأموال تصعب على القائمين عليها لاستحالة المرور بين الواقفين“.
…ولأصحاب الدين ما يقولون
هذا الإكتظاظ الكبير يرى فيه الشيخ “رفيق” وهو إمام مسجدٍ بالعاصمة مفاسد أخلاقية جمّة تتمحور بين إلتصاقٍ الأجساد و امتدادٍ الأعين صوب مفاتن الآخرين بما لا يُرضي الله :”بالفعل هي ظاهرة زادت عن حدّها كثيراً، وصار الجميع لا يأبه بأضرارها، فالمهم صعود الركاب فحسب والحصول على مزيدٍ من الدنانير بالنسبة لأصحاب الجيوب، وكيف لا يرَوْن أنّ في كلّ هذا اختلاطاً قد يؤدي إلى الفاحشة والأمراض”، ليختم كلامه معنا: “يجب على السلطات أن تضع حدّاً لهذه الظاهرة، فإمّا أن يعملوا على توفير عدد أكبر من الحافلات، أو على الأقل مراقبتها فور انطلاقها من المحطة حتى لا تكون بهذا الكمّ من الركاب“.
النرفزة والتسرّع خصلتان تولّدان الإكتظاظ
عن أسباب الإكتظاظ يقول الأستاذ “كمال “، مختصّ في علم الإجتماع: “الجزائري بطبعه متسرّع ويحبّ الوصول في الوقت دائـماً، كذلك هو كثير النرفزة، لهذا نجد صعـوده إلى حافلـة النقل في الغالب مصاحباً بالصراخ والشتم وأحياناً العراك وأشياء أخرى لا تحمد عقباها”، مضيفاً في ذات الصدد :”صرنا نتعايش وعصر السرعة، فمن المؤكد أن يتولّد جيلٌ متسرّع، وهذا التسرّع يُلزمه بركوب أولّ حافلة يجدها في طريقه ولو كانت مكتظّةً عن آخرها”، مشيراً في كلامه أنّ النرفزة والتسرّع لا يتماشيان و الإكتظاظ، فهما يؤدّيان إلى التفاقم.
وضعٌ مزري بات يهدّد قطاع النقل نظراً للهلاك الذي يُصيبُ حافلات النقل من جهة والتحرّش من جهة أخرى جرّاء الإكتظاظ الموجود فيها والذي أصبح من المهم جدّاً معالجته،على الأقل كي يشعر المواطنون بأنهم يتلقّون خدمات تليقُ بهم، بدلَ أن يُحسّوا أنهم يُساوون خمسة عشر دينارا!