-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

فن “الهدر” الجزائري

الشروق أونلاين
  • 2470
  • 0
فن “الهدر” الجزائري

يمكن القول، بأسف شديد، إن أكثر ما نحسنه كجزائريين بصفة عامة هو “الهدر”، والهدر كلمة كبيرة لها معان متعددة ولكنها في أبسط معانيها تعني “الإضاعة” و”التضييع” و”الخسارة “؛ خسارة الوقت، وخسارة الجهد، وخسارة الطاقة، وخسارة الأموال والثروات… إلى ما سوى ذلك من المقدرات العزيزة النافعة التي تعدّ رأسمال الإقلاع والتنمية والقوة والحيوية. ونتيجة الهدر دائما سلبية ومؤلمة وقاتلة.ولمن يريد التأكد عليه أن ينظر إلى اجتماعاتنا، وأعمالنا، وتعليمنا، وهيئاتنا ومؤسساتنا وسائر شؤوننا العامة في الإدارة كما في حقول الحياة الأخرى.

فاجتماعاتنا في عديد الميادين تمتدّ إلى ساعات طويلة، وهي كثيرة، متعددة، مرهقة، وفي غالب الأحيان تكون دون جدول عمل محدد، ودون أهداف، وتنتهي عادة إلى لا شيء، وفي أحيان كثيرة تنتهي بتحديد موعد لاجتماع جديد لاحق، قد لا يتحقق أبدا!.

وفي مجال الطعام والتعيُّش، نعرف الهدر البشع الذي نمارسه والذي يمكن معرفة بشاعته بإلقاء نظرة فاحصة علىمخزوناتنافي القمامات. كما يمكن معرفتُه من المياه الجارية في كل حي وشارع وزنقة؛ حيث لا يتم إصلاح الأعطاب إلا بعد أسابيع وربما شهور.

في مجال التعليم هناك مثلٌ واضح صارخ، في أكثر أقطار العالم يبدأ الموسم الجامعي أواخر شهر أوت وأوائل سبتمبر، أما عندنا نحن فيبدأ عادة بعد عيد الأضحى، أي بعد شهر أو أكثر من بداية العام الجامعي في دول كثيرة ومجتمعات مختلفة. ثم إن الدخول الاجتماعي ـ كما يُسمى ـ ومنه الدخول المدرسي والجامعي والقضائي، لا يكاد الموسم يبدأ حتى تندلع الإضرابات والاحتجاجات والتململات، وليس هناك عام واحد خلا من تلك الإضرابات والاضطرابات في عديد القطاعات، بما فيها قطاعات حيوية وحساسة كالصحة والنقل والتربية والمالية إلخ.. أليس في كل ذلك هدرٌ وإضاعة وإهدار للقدرات والجهود وساعات العمل وإمكانات كان يُفترض أن تُستخدم وتُنتج؟

هناك مجالاتٌ كثيرة عن هذاالهدرالذي نتحدث عنه ونأمل إيجاد حلول لتجاوزه؛ لأنه معضلة تنموية حقيقية، ولكن يمكن أن نضرب بعض الأمثلة:

إن الجامعة الجزائرية ـ على سبيل المثال فقط ـ تمثل، في مجال الهدر، نموذجا ونمَطا عالي التمثيل؛ فهي بعيدة عن أن تكون مثالا حيا على الرشاد والقدرة والتفوق والنبوغ والترشيدفما يُصرف في ملتقيات ومؤتمرات يعلم الجميع أنها لا تكاد تقدّم شيئا، هو مثال للهدر المقيت. إن ملتقى قد يكلف 200 مليون سنتيم، يُستقدم فيه ضيوفٌ من أقطار شتى، ولكن النتيجة أن قاعة المؤتمر لا تكاد تحصي فيها 20 فردا، في حين أن المطعم يمتلئ عن آخره. أيضا هناك مختبراتٌ تُصرف لها أموال طائلة سنويا، وتهيئ لها مقرات ومكاتب ومستلزمات، ولكنها في النهاية تبقى أكثر الوقت مقفَلة، لا تفيد ولا يُستفاد منها.

 فضلا عن ذلك، هناك هدرٌ كبير لفرص التكوين والتحصيل، إذ المفترض أن يكون لكل مقياس عدد محدد من الساعات سداسيا أو سنويا، ولكن الواقع يقول: إن بعض الأقسام، في كليات متعدّدة التخصصات، لا تدرّس لطلابها إلا ساعات قليلة (أربع محاضرات أو خمس) في مقاييس أساسية، ثم يُمتحن الطلاب والطالبات.

ماذا يحقق الطلاب من تكوينهم إذا كان المقياس يدرس فيه 10 ساعات أو أقل؟ كيف يكون تحصيله؟ أليس هذا هدراً من أخطر أنواع الهدر دون أن ندخل في التفاصيل والأسباب الموضوعية وغير الموضوعية، والظروفوكلها مبررات لا يمكن أن تسوّغَ هذا الذي نمارسه؟

 وفي مجالات أخرى كالإدارة والمستشفيات وأوروقة العدالة وغيرها يمكن أن تشاهد هذا الهدر يمشي على رجليه، فالموظف لم يحضر بعدُ، والأوراق غير موجودة (مثال أوراق شهادات الميلاد والشهادة العائلية، في عز موسم الدخول التربوي والاجتماعي، ووثيقة الميلادخلا يمكن أن تعثر عليها)، ورئيس المصلحة الذي يمضي الأوراق ويقبل الملف مريض أو في مهمة.. الخ.

وقس على ذلك الكثير.. الكثير من المظاهر المشينة والظواهر القبيحة التي تندرج كلها في هذا الإطار الذي أسميناه تلطفا بـالهدروإن كان يرقى إلى مستوى الجريمة أو ما في حكمها، لكونه يهدر فرص الحراك والتنمية والتقدم لمجتمع بأكمله بتصرفات بسيطة في الظاهر ولكن نتائجها وخيمة..

هل يمكن أن نحلم بتجاوز هذا الفن الرديء.. فن الهدر.. هدر الأوقات.. هدر الجهود.. هدر الأموال.. هدر الطاقات.. هدر فرص البناء والفعل.. هدر الإمكانيات الكبيرة الضخمة لبلد يتطلع بكل ما لدى أبنائه من طموح وحب وحماسة إلى غد أفضل ومستقبل أكثر إشراقا وأقل سوداوية؟

هوامش:

* ما يُصرف في ملتقيات ومؤتمرات يعلم الجميع أنها لا تكاد تقدّم شيئا، هو مثال للهدر المقيت. إن ملتقى قد يكلف 200 مليون سنتيم، يُستقدم فيه ضيوفٌ من أقطار شتى، ولكن النتيجة أن قاعة المؤتمر لا تكاد تحصي فيها 20 فردا، في حين أن المطعم يمتلئ عن آخره.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • عبد القادر الجزائري

    لو لم يكن برنامج فخامتهم لما كنا هدا؟،للخروج من هده الدوامة أولا أن ينزع من قاموس المسؤولين كلمتي" واش دخلك ،رزق باباك" ثانيا اعادة وزارة ومديري التخطيط بصلحيات واسعة وقوية ثالثا الرجوع الى التقييم الفعلي لا بالهف وبالغش ( التقييم الداتي،التقيم الدوري لكل شئ مع وضع الحروف على النقاط) بدون هدا اكتب أو أندب بالقرداش فالعربة سائرة بيك أو بلا بيك

  • عبدالقادر المواطن التعبان

    "إن ملتقى قديكلف 200 مليون سنتيم، يُستقدم فيه ضيوفٌ من أقطار شتى،ولكن النتيجة أن قاعةالمؤتمر لاتكادتحصي فيها 20فردا،في حين أن المطعم يمتلئ عن آخره".آه للاسف الشديد شر البرية مايضحك انه عجيب جداهذا الكلام ونحن في قرن العلوم والمعارف والتكنولوجيات ويحدث هذافي المنابر العلمية.انهم يفضلون ما يشبع البطون بما لذ وطاب من الرسبسيون لكن لايعطون ادنى اهتمام لتغذية العقول بما يحمله العلماء من معارف وعلوم لها منفعة لديننا ودنيانا نواجه بهاعدونا اللدودالتاخر وبها نسير نحوالتقدم والالتحاق بركب الامم المتطورة

  • بدون اسم

    الصحيح ياسي حسن اننا(كائنات) مكانها الصحيح باطن الارض وليس فوق الارض..

  • أوسمعال سى براهيم

    سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، محضر معاينتك لواقع حياتنا الاجتماعية دقيق وواضح وصحيح،يعرض صورة فاضحة لسلوك التبدير الدي أضحى سمة مقرونة بأجيال جزائر دولة الريع الدين نشأوا في ظل نظام الرعاية الإجتماعية والإقتصادية الدي أفرز بطبيعته نمط إستهلاكي عشوائي إستغل بشكل سياسي للإستحواد على المال العام عن طريق هده التحويلات ،فالمظاهر التي نقلتها لنا تعبر عن ضياعنا كمنظومة أولا وأفراد ثانيا ،فالخروج من عالم التسول إلى عالم العمل وحده كفيل بإعادة ترتيب قيمنا وتصليح ما أفسده المبدرون منا ،الآية واظحة فيهدا

  • نسيم

    لا غرابة في ذلك اذا كان هناك مستفيدون من هذا الهدر