..قد يأتي يوم نصلي فيه بأحذيتنا خوفا من سرقتها!
مساجدنا هي بيوت الله المباركة ومكان مقدس لإحياء الشعائر الدينية والعبادات، فيها يكون المسلم وأخوه في حالة من السكينة والروحانية، لمناجاة الله تعالى والتقرب منه بالإكثار من الذكر والدعاء، لكن هناك من يعكر صفو القلوب الخاشعة بسلوك بعيد عن سيرة خير الأنام محمد صلى الله عليه وسلم، ويتنافى مع أخلاقنا الحميدة المستوحاة من ديننا الحنيف.. هو التربص والعمل على سرقة أحذية المصلين أثناء أدائهم الصلاة، ظاهرة انتشرت كثيرا في رمز من رموز عقيدتنا، أردنا التوقف عندها و إبراز مدى خطورتها، فكانت لنا دردشة مع بعض المصلين.
مساجد تنتهك حرماتها بسرقة الأحذية
ولأن السرقة حرام، فما بالك حينما تنتهك حرمة المساجد بالإقدام على سرقة أحذية المصلين، فكثيرا ما نسمع عن هذه الحالة الدخيلة على مجتمعنا الإسلامي، وعلى إثر هذا تقربنا من بعض مرتادي المساجد للتحدث معهم حول ذلك، فقال أمين 29 سنة أنه تعرض لسرقة حذائه في رمضان شهر التوبة والغفران خلال صلاة التراويح، أما حميد 42 سنة فقال: ” من شدة ما أسمع وما أرى عن السرقة في المساجد أصبحت أصلي وحذائي أمامي، أحرسه بنفسي”، وأضاف:”سيأتي يوم نصلي فيه بأحذيتنا!”.
و يرى إسماعيل 23 سنة والذي تعرض لسرقة حذائه في مسجد ببلكور، أن سرقة الأحذية مع الأسف أصبحت موضة في أيامنا، وهو بالخصوص تعرض لسرقة حذائه ثلاث مرات على التوالي في يوم واحد، الأولى بعد أداء صلاة الظهر و الثانية بعد صلاة العصر و الثالثة بعد صلاة العشاء، و في كل مرة كان يستعين بالأحذية المخصصة للوضوء حتى لا يعود للمنزل حافيا!
في حين قال سليم 22 سنة أنه تعرض لسرقة نعليه في المسجد، وهو بدوره أخذ حذاء لا يخصه حتى لا يذهب إلى البيت حافيا!
ويقول “عمي سعيد” 50 سنة أنه في أحد أيام الجمعة تأخر عن الصلاة، ولما كان يهم بالدخول إلى المسجد فوجئ برؤية أحدهم يسرق مجموعة أحذية للمصلين، فأمسكه وقيده إلى عمود، ولما خرج المصلون انهالوا عليه بالضرب.
هذا كله يحدث في مساجدنا من سرقة وغير ذلك عندما لا ترقى قوانيننا الوضعية إلى مستوى يسمح لها بموازاة حدود الشرع، فالتساهل في فرض العقوبات لردع انتشار السرقة، ناهيك عن سرقة الأحذية في المساجد لهو إهمال منا وتخاذل في إقامة الحد على من تسول له نفسه القيام بذلك، فقديما في عهد خير البشرية، جزاء السرقة كان قطع اليد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها”.
هاجس الخوف يجعل الخشوع في خبر كان
الصلاة هي أسمى العبادات.. فهي تقرب العبد من ربه وتنهى عن الفحشاء والمنكر، تطهر النفس من كل نزعاتها ونزواتها، و تجعل المسلم في حالة خشوع تام ، غير أن أفعال السرقة التي شهدتها المساجد أخرجت المصلي من حالة الخشوع وأدخلته في حيز مغلق من الخوف والقلق، هذا ما تحدث عنه بعض الإخوة الكرام قرب مسجد” ابن حزم الظاهري” بحسين داي بالعاصمة، فقال محمد 40 سنة أن السرقة في المساجد أصبحت حديث العام والخاص قبل وبعد الصلاة، وفي اجتماعات العمل وحتى في التجمعات العائلية أحيانا، و أضاف: “صرت أخبئ حذائي في مكان لا يعرفه غيري، أركز عليه ناظري مما يجعلني لا أخشع كثيرا في الصلاة!”.. إلى ذلك ذهب إبراهيم 30 سنة بالقول أنه في صلاة الجمعة أصبح يعد الدقائق والثواني متى يقيم الإمام الصلاة للتأكد من بقاء حذائه في المكان الذي وضعه فيه، وأضاف قائلا أنه من جراء السرقة أصبح يتملكه الخوف مما يجعله أحيانا يخاطب ضميره الحي عن جدوى الصلاة في غياب الخشوع.
وبهذا تكون سرقة الأحذية سببا في اهتزاز علاقة المصلي بخالقه عبر هاجس الخوف و القلق الذي ينتابه حين دخوله إلى المسجد وتأهبه للصلاة بسبب نقص الأمن في بيوت الله.
أكياس بلاستيكية تجتاح مساجدنا!
أسفنا على مساجدنا اليوم.. فما إن نهم بالدخول إليها حتى تصادفنا أكياس بلاستيكية بمختلف الأشكال والألوان، تتلف وجه المسجد وبريقه، يستعملها المصلون لحفظ أحذيتهم من السرقة والضياع، وفي هذا الصدد قال عبد الهادي 28 سنة: “المسجد مكتظ بالأكياس التي يضع فيها المصلون أحذيتهم، والأغرب من ذلك أنهم أحيانا لا يضعونها في الرفوف المخصصة لها خارج المسجد، بل داخله في النوافذ وفي الرفوف الداخلية، وقد نجدها على يمين ويسار المصلي وأمام قبلته رغم أن ذلك يعد من نقائض الصلاة!”.

في حين ذهب حميد من “باش جراح” إلى عكس ذلك حيث يرى أن هذه الأكياس قد لا تمس بنظافة المسجد فهي تعمل على الإنقاص من حدة رائحة الأحذية، كما أن هذه الأكياس وضعت لحماية أحذية المصلين من السرقة.
و مهما اختلفت الآراء، تبقى هذه الأكياس تشوه مظهر المسجد وتذهب وقاره، ورغم أن المصلي الكريم يحفظ عن ظهر قلب أن النظافة من الإيمان، إلا أنه يقترف ما لا يسر العين ويندى له الجبين، من رائحة الأحذية الكريهة التي تطغى على عطر المسك الزكي، إضافة إلى ذهاب المصلي إلى حدود وضع السجائر و “الشمة” داخل الأحذية وحتى وضعها تارة تحت البساط الذي يكون غالبا يفتقر لمقاييس النظافة.
السيد فاروق زموري إمام مسجد سطاوالي: “سرقة الأحذية تعد على حرمة بيت الله في الأرض”
ولأن هذه الظاهرة تضر بديننا وتعطي صورة سيئة عن الإسلام والمسلمين، قررنا التقرب من الإمام “فاروق زموري” لمعرفة حكم الشرع في هذه الظاهرة، فقال :”السرقة من المحرمات والنبي صلى الله عليه وسلم نفى عن صاحبها الإيمان، فهي اعتداء على ممتلكات الناس من غير حق، و عقوبة السارق والسارقة في الإسلام قطع اليدين في قوله تعالى:”و السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم” الآية 38 من سورة المائدة، وهذا الحد لا يقام في قوانيننا الوضعية، فأصبحت عقوبة السرقة بضع سنوات سجن يدخله فاعلها مبتدئا ويخرج منه محترفا، وسرقة المساجد هي جزء من السرقة العامة، تمتد إلى أقدس البيوت فتذهب قداستها، وتعتبر سرقة الأحذية تعد على حرمة بيت الله في الأرض ، وهي ظاهرة منتشرة في مجتمعنا حيث أصبح السارقون محترفون في هذا النهج ويختارون ما غلا من الأحذية، إضافة لهذا فإن هاجس السرقة يولد الخوف لدى المصلي ويذهبه خشوعه، لهذا يجب مواجهة هذه الظاهرة ولابد من حراسة المساجد وتجريم السرقة فيها، وفي هذا الصدد أستطيع ذكر بعض الأمثلة حول هذا الأمر، ففي مسجد “سطاوالي” مثلا كل جمعة نشهد ضحية أو ضحيتين، وأذكر أيضا أنه زارني مسؤول من الخارج يستفسر عن تعاليم الإسلام، ومن شدة خوفي، كلفت شبابا لحراسة حذائه! والأغرب من ذلك أنه حتى أنا لم أسلم من السرقة، وهو شيء يؤدي إلى انحلال القيم الدينية”.