-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

كيف نظر الغرب إلى الثورة الجزائرية؟

محمد بوالروايح
  • 2143
  • 0
كيف نظر الغرب إلى الثورة الجزائرية؟

بعض الثورات تولد صغيرة ثم تكبر، ولكن هناك ثورات تمثل الاستثناء ومنها الثورة الجزائرية التي ولدت كبيرة وذلك بناء على شهادات كثير من المؤرخين الغربيين، وبناء أيضا على الشهادات التي دونت على صفحات كثير من الصحف العالمية، ولعله من المفيد أن أستهل هذا المقال بما جاء في الموسوعة البريطانية وهي من الموسوعات الأكثر دقة لما تتميز به مادتها من عمق وإحاطة بجذور المسألة التي تناولها.

جاء في الموسوعة البريطانية عن الثورة التحريرية بعد ترجمته إلى العربية: “الحرب الجزائرية، وتسمى أيضا حرب الاستقلال الجزائرية (1954-1962) هي حرب من أجل استقلال الجزائر عن فرنسا. بدأت الحركة من أجل الاستقلال خلال الحرب العالمية الأولى (1914-1918) واكتسبت زخما بعد أن لم تتحقق الوعود الفرنسية بحكم ذاتي أوسع في الجزائر بعد الحرب العالمية الثانية (1939-1945). في عام 1954، بدأت جبهة التحرير الوطني (FLN) حرب عصابات ضد فرنسا وسعت للحصول على اعتراف دبلوماسي في الأمم المتحدة لتأسيس دولة جزائرية ذات سيادة. على الرغم من أن المقاتلين الجزائريين عملوا في الريف – لا سيما على طول حدود البلاد – إلا أن القتال الأكثر خطورة وقع في الجزائر وحولها، حيث شن مقاتلو جبهة التحرير الوطني سلسلة من الهجمات الحضرية العنيفة التي عرفت باسم معركة الجزائر (1956-1957). تمكنت القوات الفرنسية (التي زادت عن 500000 جندي) من استعادة السيطرة ولكن فقط من خلال إجراءات وحشية، وقضت ضراوة القتال على الإرادة السياسية للفرنسيين لمواصلة الصراع. في عام 1959، أعلن شارل ديغول أن الجزائريين لهم الحق في تقرير مستقبلهم. على الرغم من الأعمال الإرهابية التي قام بها الجزائريون الفرنسيون ضد الاستقلال ومحاولة الانقلاب في فرنسا من قبل عناصر من الجيش الفرنسي، تم توقيع اتفاقية في عام 1962، وأصبحت الجزائر مستقلة”.

لديّ بعض التحفظات على ما جاء في الموسوعة البريطانية، ومن هذه التحفظات، استخدامها لمصطلح حرب العصابات هكذا بالمطلق، ومن المعروف أن هذا النوع من الحرب يمتاز بالعشوائية وعدم التنظيم وهو ما يخالف الأسلوب المنظم الذي اعتمدته الثورة الجزائرية، ومن هذه التحفظات أيضا التي أسجلها على الموسوعة البريطانية وعلى غيرها استخدام مصطلح “الاستقلال”، فمن المعلوم في الاستخدام اللغوي والاصطلاحي لمصطلح الاستقلال بأنه يعني الانفصال عن أصل معلوم بحيث يكون العنصر المنفصل كيانا مستقلا قائما بذاته، وهذا المعنى لا يصح في وصف الغاية التي عملت لها الحركة الثورية على امتدادها التاريخي إلى الثورة التحريرية، فالجزائر لم تكن ولن تكون يوما جزءا من فرنسا حتى تستقل عنها بل كيان جزائري مستقل جغرافيا وتاريخيا وحضاريا وحتى شعوريا عن فرنسا، ولهذا أرى بأنه ينبغي الكف عن استخدام مصطلح “الاستقلال” واستخدام بدله مصطلح التحرير، ومن هذه التحفظات أيضا الزعم بأن غاية الجزائريين قبل ثورة أول نوفمبر 1954 هو الحصول على حكم ذاتي فلما لم تستجب فرنسا لذلك، لم يجد الجزائريون بدا من محاربتها بقوة السلاح.

لم تكن المطالبة بالحكم الذاتي واردة في فلسفة الثورة الجزائرية لأن هذا يعني بطريقة غير مباشرة التسليم لفرنسا الاستعمارية باحتلالها للجزائر، صحيح أن هناك من كان يسعى لذلك ولكن هؤلاء كانوا فئة معزولة ولم يكونوا يمثلون المجتمع بل كانوا يمثلون مجموعات غلبت عليها ثقافة أن الاحتلال قدر محتوم ولا يمكن للجزائريين الاستمرار في مقاومة القدر وأن الأفضل والأسلم لهم القبول بحكم ذاتي ولو في رقعة محدودة من أجل التحرر من ربقة الاستعمار الفرنسي والعيش في سلام.

قرأت في مجلة ” Conflictology” التي تصدرها جامعة UniversitatOberta de Catalunya مقالا لـ Miquel Calçada ( 2012) بعنوان:” Analysis of the Algerian War of Independence: Les Événements, a Lost Opportunity for Peace وترجمته إلى العربية: “تحليل حرب الاستقلال الجزائرية: الأحداث، الفرصة الضائعة للسلام”. ويسلط هذا المقال الضوء على الأحداث الدموية التي حدثت في سطيف وقالمة وخراطة التي كانت مددا معنويا ساعد على رفض فكرة السلام الاستعمارية المزيفة ونهج أسلوب التحرير، وهو ما تجسد في بيان أول نوفمبر 1954، ومما جاء حول هذا الموضوع: “كان المجتمع الجزائري قبل الأحداث (أحداث 8 ماي 1954) مجتمعا مطلقا، متسامحا ومسالما. كان مفهوم السلام السلبي ينطبق على المجتمع الجزائري انطباقا كليا، إنها حالة المجتمع الذي يوصف بأنه لا يفكر في العنف الجسدي ولا في انتهاج أسلوب القسوة في العلاقات مع المحتل ولا في تكريس العنف المؤسساتي، لأن هذا المجتمع كان غارقا في فقر مدقع وكانت هناك قناع راسخة لدى الغالبية العظمى من الجزائريين بأن الحالة التي يعيشونها هي الطريقة “القدرية” التي تسير بها الأمور”. ويضيف المقال: لكن كيف تحول المجتمع الجزائري المسالم إلى مجتمع ميال إلى الصراع العنيف؟ هناك إجابات كثيرة عن هذا السؤال، منها أن الهوية الوطنية تشكل مقوما مقدسا في مخيلة الشعب الجزائري وطالما أنها- أي الهوية- في هذه المرتبة من التقديس فإنه لا يمكن التنازل عنها بأي حال من الأحوال وهو ما دفع الجزائريين إلى انتهاج الأسلوب الثوري.

هناك مغالطات تاريخية كثيرة، وقع فيها كاتب المقال ومنها: تسويق فكرة أن المجتمع الجزائري كان مجتمعا متسامحا ومسالما بالمطلق وأن هذه العقلية المتسامحة والمسالمة كانت تسيطر على عقول غالبية الجزائريين وأن الأحداث التي حدثت هي التي جعلت الجزائريين يتحولون من خيار السلام السلبي إلى خيار العمل المسلح. هذا الكلام يعني ببساطة إنكار أعمال المقاومة الشعبية في مراحلها المختلفة، فالقبول بالسلام والاستعمار جاثم على صدور الجزائريين أمر لا يستقيم في المنطق الثوري والديني والقيمي والهوياتي، إنه لا سلام مع المستعمر ولا هدنة مع المراوغ ولا تسامح مع المغتصب، هذه هي العقيدة التي آمن بها الجزائريون إلى أن جاء الوقت المعلوم وهو وقت اندلاع الثورة التحريرية التي قطعت الشك باليقين وأثبت أن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة وأن الحريات تؤخذ ولا تعطى كما قال الشاعر أحمد شوقي: وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يدق.

إن وقوع الكاتب في هذه المغالطات –إذا أحسنا الظن به- يعود بالدرجة الأولى إلى عدم رجوعه لتأكيد المعلومة التاريخية إلى المصادر التاريخية الموثقة والاكتفاء ببعض المصادر الفرنسية التي أغلبها من الأرشيف الفرنسي الذي هو تجسيد حرفي للرؤية الفرنسية المستوحاة من المحاضر الأمنية والعسكرية.

ومن المغالطات الكبرى التي وقع فيها كاتب المقال حديثه عن قيادة الأفلان على أنها قيادة ثورية وسياسية معزولة عن الإرادة الشعبية في حين أن هذه القيادة كانت تمثل صوت الشعب وأنها لم تتصرف خارج هذه القناعة بدليل أن بيان أول نوفمبر وهو الوثيقة المرجعية للثورة التحريرية قد أكد على أن ثورة التحرير المباركة في 1954 لم تكن إلا ثمرة واستجابة للتضحيات الجسام التي بذلها الشعب الجزائري عبر مراحله التاريخية وعبر ثوراته الشعبية المختلفة.

ويحاول كاتب المقال أن يستدرك المغالطات التي وقع فيها بالتأكيد في موضع آخر على “أن الثورة الجزائرية لم يكن لها زعيم قوي واحد ولكن كان لها كثير من الزعماء الكبار الذين تجمعهم قيادة قوية، وكان العديد منهم في عمر الشباب ويمتلكون رؤية ووجهات نظر جديدة في فلسفة التغيير الثوري والاجتماعي، ومن هؤلاء بن بلة، عبان رمضان، محمد بوضياف، ديدوش مراد والعربي بن مهيدي وياسف سعدي”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!