أمين عام جديد… وجامعة العرب على حالها!!
باشر قبل أيام الدبلوماسي نبيل فهمي مهامه بصفته أمينا عاما جديدا لجامعة الدول العربية، خلفا لمواطنه أحمد أبو الغيط، ليكون بذلك ثامن مصريّ يتعاقب على نفس المنصب بالهيئة منذ تأسيسها عام 1945، أيّ أنه باستثناء فترة واحدة مع نقل المقر من القاهرة إلى تونس عام 1979، عقب توقيع الرئيس الأسبق أنور السادات معاهدة السلام مع إسرائيل، فإنّ كل مسؤولي الجامعة ينحدرون من الجهاز الدبلوماسي المصري، وهذا في حد ذاته مؤشر واضح على ضرورة إصلاح هذه المؤسسة المتهالكة، قبل أن تؤول إلى الزوال عمليًّا.
نبيل فهمي، وصف تقليده للمنصب بأنه “مسؤولية كبيرة نظرا إلى ما تواجهه أمتنا من تحديات غير مسبوقة، ومخالفات صارخة للقانون الدولي من قِبل أطراف معتدية غدرا على دولنا وسلامتنا، وأخرى طال احتلالها لأراضينا وتعرقل تمكين أشقائنا من ممارسة حقوقهم المشروعة، فضلا عن تعرض منطقتنا لمخططات تستهدف الهيمنة، والمساس بأمن واستقرار العالم العربي”.
وإذا انطلقنا من تصريح الأمين العام الجديد، وهو بلا شك كلام موضوعي ومحل اتفاق من الجميع، فإنّ التساؤل المشروع سيكون الآتي: ماذا بقي من أدوار الجامعة العربية وميثاقها التأسيسي حتى تواجه تلك التحديات وتستجيب لتطلعات شعوب المنطقة؟
لا يختلف اثنان على أن النظام الإقليمي العربي الذي ظهر بتأسيس جامعة الدول العربية عام 1945 ظلّ مهلهلا في كل فترات التاريخ المعاصر، إذ تزامن بروزه مع وقوع أقطار كثيرة منه تحت نير الاحتلال، ثمّ تفرغت دوله لاحقا لمعركة البناء على أنقاض الخراب الاستعماري الذي مسّ الإنسان قبل العمران.
لكن ولسوء حظ العرب، فقد طعنتهم الإمبريالية العالميّة في وقت مبكّر بغرس الكيان الصهيوني في خاصرة الأمة لأهداف جيو- استراتيجية، فتوالت عليهم النكبة والنكسة، ليزيد فتح مسار التطبيع منذ اتفاقية كامب ديفيد نهاية سبعينيات القرن العشرين من تشرذم النظام العربي.
لقد كان دائمًا التعاطي مع القضية الفلسطينية من أبرز معاول الفرقة العربية الرسمية، لأن الشعوب العربية والإسلامية تعلّقت بها وناصرتها منذ 1948 بكل ما تملك، بينما خذلتها الأنظمة السياسيّة، مع استثناءات خاصّة، ضمن حسابات العروش والكراسي والتدخُّلات الخارجيّة.
وزادت حروب الخليج خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات من الانقسام العربي، قبل أن يجهز “الربيع” مطلع العشرية الثانية من الألفية الجديدة على ما بقي من النظام العربي الإقليمي، إذ دخلت المنطقة في دوامة كبرى من الحروب الأهلية والتفتُّت الذاتي، على أسُس عرقية وطائفية ومذهبية، ولا يبدو أن التعافي منها سيكون قريبًا، لأنّ آثارها العميقة ستستمرّ عقودا أخرى في ذاكرة الأجيال، حتى لو نجح العرب في إعادة الإعمار المادي.
وفي غضون ذلك، لم تنجح قمم العرب المتعاقبة في جمع الكلمة ولا توحيد القرار ولا حتّى التوافق عمليا على الحد المعقول من العمل المشترك، لأن بعض الأنظمة العربية انخرطت في مسارات قُطرية ضيقة، بل وظيفية أحيانا لصالح قوى الهيمنة الغربيّة، على حساب التطلعات القومية للأمة، مقابل أنظمة أخرى ربما كانت صادقة في تحيُّزها للشعوب العربية، لكن خانتها الرشادة والحوكمة والأخذ بالأسباب الفعلية للنهضة والتقدُّم، فلم تكن أقلّ سوءا من غيرها، وانتهى بها المطاف إلى جنايات فظيعة في حق شعوبها.
لذلك صار التساؤل ملحّا اليوم عن جدوى بقاء منظومة الجامعة العربية بواقعها الحالي؟ وهل غلقُها نهائيًّا أو الانسحاب منها هو الحل الأمثل في ظل استمرار عجزها عن أداء دورها المنوط بها؟
نحن لا نؤيد الدعوات اليائسة، وتلك المشبوهة، التي تنادي بالتحرُّر من الجامعة العربية، لأنّ العالم يعيش عصر التكتلات الدولية والإقليمية، مع بروز معالم إعادة تشكُّل النظام الدولي وفق موازين قوى جديدة، ولأننا كأمة واحدة نملك كل عوامل الوحدة والتعاون والقوّة، بالنظر إلى الدين واللغة والثقافة والتاريخ والجغرافيا والمصير المشترك، فضلا عن الحاجة الذاتية البراغماتية للتعاون البيني.
لذلك لا مفرّ من تفعيل إصلاح منظومة الجامعة عاجلا غير آجل، وهو المطلب الذي تبنَّته الجزائر قبل 20 عامًا، ولكنه لم يعرف تقدّمًا، بل من المؤكد أنه يواجه المقاومة في مستويات كثيرة.
صحيحٌ أنّ مثل هذا الهدف يبقى أقرب إلى الأماني في ظل واقع عربي متشرذم رسميًّا، محكوم بالإملاءات الخارجية عن طريق قوى وظيفيّة بالمنطقة، تقاطعت أجنداتها السلطوية الخاصة مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية الاستراتيجية، فتحوّلت إلى أدوات طيّعة في خدمة مشاريعها الغربية الصهيونية، وهو الوضع الشاذ الذي يجعل مقاربات الجزائر، مع بقايا العرب التحرّريين إنْ وُجدوا، منبوذة ومحاصَرة، لكنّ دوام الحال من المحال، إذ سيدور التاريخ دورته نحو مجد الأمة واستعادة سيادتها.
بقيت الإشارة إلى أنَّ حال الجامعة العربية سياسيًّا هو انعكاسٌ تلقائي لأوضاع الأقطار الوطنيّة، ولن يُكتب لها الإصلاح والفعاليّة إلا بتحرير أنظمتها والاحتكام إلى الإرادة الشعبية السيّدة، يومها سيكون للقادة الشرعيّين موقفٌ آخر متناغم مع تطلعات الشعوب.