-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مضاداتٌ فكرية في حياتنا العقلية

مضاداتٌ فكرية في حياتنا العقلية

التربية والتعليم قطاعٌ سيادي على الدولة أن تتبناه كليا، وألا تدع الأنظمة الدولية تخترق البنية الثقافية للمجتمعات المسلمة، ومن مقتضيات التبني أن تواكب الجهاتُ الوصية في البلاد التطورات العلمية كافة وتعمل على دمجها في منظومتها التعليمية الخاصة بالأمة. وأعني بالخاصة أن تكون لمجتمعاتنا رؤيتُها الفارقة للمعرفة المبنية على ثوابتها وهويتها.

أزمة التربية في مصر

مصر الكنانة دخلت في نفق مظلم أدى إلى هذا المأزق منذ أن سمحت لحملة نابليون أن تأخذ مجراها في الحياة العقلية للمصريين، وكان من أفدح خسائرها التنكُّب عن التعليم من منظور الوحي الرباني والتخلي عن التعليم الأزهري لينحدر مستواه، وليس صعبا على الساسة والمثقفين المصريين أن يستذكروا تاريخ المشرق في إبان الحضارة الإسلامية بدمشق وبغداد والأندلس.

وبناء عليه، تأتي قضية النتائج المرسِّبة للتلاميذ في امتحانات مواد الهوية القومية، التي تشمل اللغة العربية والدراسات الاجتماعية والتربية الدينية، مؤشرا على الانفصام الذي حصل للشخصية المصرية؛ فأن تكون هذه المواد جزءا من كل لا مرجعًا للكل يحدث أن تتعامل معها الأجيال كما تتعامل مع أيِّ مادة مقرَّرة بغرض النجاح بتحصيل العلامات، ولو جاءت محصلة هذه المواد غير مرسِّبة لما أثيرت هذه الضجة في المجتمع ولاكتفى المتعلمون منها بالحد الأدنى.

إن إقامة المعرفة في مصر وغيرها على أسُس الإيمان بالله ورسوله يعيد للتربية والتعليم روحهما المفتقَدة في الأطوار الدراسية كافة، وذلكم هو الطريق الصحيح الذي يرضي الله تعالى ويحقق لمصر الريادة. وإن للتنكُّب عن ذلك تداعيات خطيرة على أمن البلاد والعباد.

“مشكلة الامتحانات”، فصلٌ مهم ورد في كتاب طه حسين “مستقبل الثقافة في مصر”، ولقد جاءت مقاربته لآثار الامتحانات على التعليم والأخلاق في التفاصيل ولم يلتفت إلى الكليات التي تتحكم في التربية بشكل عامّ، واعتبر الامتحان شرًّا لا بد منه. وهنالك من جارى الثنائية التعليمية (الفهم والحفظ) وبنى عليهما نظرته فيما يحب أن يكون عليه الامتحان.

والذي أراه، أن التقويم المرافِق للعملية التربوية لا يشذ عن أي مجال من مجالات الحياة تعرف مكانتها الصحيحة في الحضارة الإسلامية لا في غيرها، فتقويم المسلم تربيته وتعليمه معقد جدا، ولو وزّعنا تعلمه على مستويات التقويم كافة كما في المدرسة السلوكية لما قوّمناه حق التقويم، لأن المكتسبات سواء أكانت معرفية أو وجدانية أو مهاراتية لا يُنظر إليها بعيدا عن البعد الروحي والوظيفة التي من أجلها خُلق الإنسان، ولا تشذ أيضا عما سيفعله المتعلم بمكتسباته في دنياه وأخراه. والمؤسساتُ التربوية في عالمنا الإسلامي في معظمها غافلة عن هذا البعد وغارقة في شكليات لا ينفع جلها، وكذلك المتعلمون والبيئة التي فيها يعيشون.

ما يحتاجه الصِّحافيون

في الثقافة السياسية غرق الصِّحافيون فأراد أحدهم أن ينتشل زملاءه فنصحهم بمطالعة الروايات الأدبية! وظني بأن أهل العلم أقدرُ على النصح والتوجيه في هذا المجال من هذا الصِّحافي، لأن الذين نستمع إليهم عبر الشاشات لا يحتفون بأكثر من الخبر وفنِّ السؤال، حتى اللغة الفصحى التي بها يتحدّثون يُنكرها عليهم سيبويه. إن التعامل مع الأحداث يتطلب خلفية واسعة من المعارف، تبدأ بتعاليم الأنبياء، لأنها تضع التطورات في منظورها الكوني، والصلة بالله هي البوصلة التي توجِّه الصحافيين في بحر الحوادث والأخبار. وتوسيعُ المدارك الإنسانية والعلمية وتحسينُ فنون الخطاب والأخلاق والحرية كلها سماتٌ تندُر في عالم “الميديا” والصحافة، ومن ثمّة يظهر لمن يمتلك تلك الخبرات بأن الإعلاميين، مهما تأنقوا في المظهر والحديث، فإن أشياء كثيرة قد تعرُّوا منها.

الإعلامُ أصبح كالذكاء الاصطناعي يعلم ويتفنن في الإعلام ولكنه لا يقدِّم نقدا، ربما يحتاج هو الآخر إلى فلسفة من نوع خاص، ولكن هل الفلسفة التي اكتشف خبراءُ الذكاء الاصطناعي أنهم بحاجة إليها هي آخر ما سيحتاجونه؟ الجواب كلا، لأن الإنسان الغافل عن حقائق الوجود التي بعث الله بها نبيه محمدا عليه الصلاة والسلام، لا يزال تائها يبحث عن الطمأنينة والأمان. إنه لم يجدها في مصنوعاته فتلمَّسها في الذكاء الآلي، ثم أدرك حاجته إلى شيء آخر ظنَّه اليوم في فلسفة قد تأخذ بيده إلى بر الأمان، ولكن هيهات! أنصح هؤلاء البرمجيين وكذلك الإعلاميين أن يبحثوا عن الحقيقة في الإيمان كما ورد في القرآن الكريم، وفي تعاليم النبي العدنان، فثمة فقط سيجدون الخبر اليقين.

العودة إلى الأصل فضيلة، وليست شماعةً يلقي عليها الإنسانُ ما جنته يداه. محالٌ أن يستحوذ عقلٌ اصطناعي على العقل البشري إلا إذا انفصل الإنسانُ عمن علَّمه الأسماء أول مرة وأسلس قياده لآلةٍ صنعها بيديه. الذكاءُ الاصطناعي وسيلة وليس غاية، هو أداة مساعِدة وليس منبعا للمعرفة. المهم ألا يفقد العقل الصلة بينه وبينه العقل الكلي إن صحَّ تعبير الفلاسفة المحدثين، وحينما تبقى تلك الصلة قائمة وتتوطد سينتظم كل شيء تلقائيا ويحوم حول هذا المدار السرمدي. والتربية والإعلام لا ينبوان عن هذا المدار وإلا شردا وتاها بين النيازك والمذنبات.

عزلة المثقف

انحباسُ المثقف بين عالمين، خاص به يملكه ويتحكم فيه، وعامّ مشاع للجميع وقد يجرف من يقترب منه إلى ما لا يحبه ويرضاه، وقد لا يكون للمرء من مسايرته بدّ، لأن الإنسان اجتماعيٌّ بطبعه؛ إنها معاناةٌ تُقلق راحة هؤلاء المثقفين الذين لا يجدون سبيلا للخلاص منها.

والحقيقة أن هذه القسمة الثنائية انفصامية، نلفيها في مجتمعين اثنين. أحدهما مجتمع لا يمتلك أساسات قارة للمفاهيم التي تؤطر الحياة التي يحياها، ما يجعله عرضة لتقلبات جذرية في كل حقبة يمر بها، وقد تصل به في مرحلة ما إلى التناقض والردة، وهذه السمة تبرز في المجتمعات غير المسلمة، التي تتعرض على الدوام إلى تحولات كبرى؛ ومجتمع آخر يرى نفسه أنه يملك حقائق عن الوجود، وله قناعات بالوحي لا تزال راسخة، أثبتت نجاعتها رغم التحديات التي تعرَّضت لها عبر الزمان.

حالُ المثقف في المجتمع الأول مبرر، خاصة إذا كانت لديه أطروحة مختلفة صمدت أمام النقد الذي يُجابَه به في هذا المجتمع غير المستقر، ما يجعله يعيش في عالمين، أحدهما خاص به، وآخر عامّ مضطر إلى أن يتشاركه مع غيره.

أما الحال في المجتمع المسلم فالازدواجية التي يعيشها المثقف فيه كان في غنى عنها، لأنه إن كان قد آمن بتلك المبادئ الثابتة في المجتمع فقد جسر الهوة بينه وبين قومه وغدا واحدا منهم وإن كان هو الأعلم بها، ليغدو عمله بين جماعته نشر تلك الثقافة وتصحيح المفاهيم الخاطئة التي تتسرب إليها؛ فيتقاسم حينذاك حياته الخاصة مع الآخرين ولا يتميز عنهم إلا بالعمق والالتزام، وهما بحكم القوانين التي تسري في هذا المجتمع مقياس النجاح ولا مناص من اقتفاء أثرهما على الجميع. ولقد كانت سيرة النبي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، الذي صبغت تعاليمه هذا المجتمع، خير مثال على العيش كمثقف لا يعاني من ذلك الانفصام الذي ذكرتُه آنفا.

تبقى حالة نادرة الوقوع في المجتمع المسلم، يباح للمثقف فيها أن يعيش العزلة بالمعنى الإيجابي لها، عزلة شعورية أكثر منها اختلاطية، وهي في الحقيقة ليست عزلته بل عزلة تصيب المجتمع الذي ينتمي إليه، وذلك حينما يتخلَّى هذا المجتمع كثيرا عن المبادئ التي اعتنقها وآمن بها وطبَّقها، ليتفرَّغ المثقف حينها إلى التنعُّم بهذه المبادئ الطاهرة في خاصة نفسه. ومعيار هذا الانسحاب الآمن قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: “إِذَا رَأَيْتَ شُحَّاً مُطَاعَاً، وَهَوَىً مُتَّبَعَاً، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِنَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ الْعَوَامَّ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، الصَّبْرُ فِيهِ مِثْلُ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِمْ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلَاً يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ”.

محالٌ أن يستحوذ عقلٌ اصطناعي على العقل البشري إلا إذا انفصل الإنسانُ عمن علَّمه الأسماء أول مرة وأسلس قياده لآلةٍ صنعها بيديه. الذكاءُ الاصطناعي وسيلة وليس غاية، هو أداة مساعِدة وليس منبعا للمعرفة. المهم ألا يفقد العقل الصلة بينه وبينه العقل الكلي إن صحَّ تعبير الفلاسفة المحدثين، وحينما تبقى تلك الصلة قائمة وتتوطد سينتظم كل شيء تلقائيا ويحوم حول هذا المدار السرمدي. والتربية والإعلام لا ينبوان عن هذا المدار وإلا شردا وتاها بين النيازك والمذنبات.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!