كيف يُرضي بوتفليقة مناصريه؟
انتهت الانتخابات الرئاسية وفرشت أصوات أكثر من 8 ملايين جزائري البساط لطريق الرئيس المترشح عبد العزيز بوتفليقة إلى قصر المرادية للمرة الرابعة على التوالي. ومع هذا النجاح، تعاظم الطموح ونمت مطامع محيط الرئيس الفائز في الحصول على المناصب والمغانم. ويبدو أن أنفاس الجميع محبوسة على وقع التغيير الحكومي المرجو وقلوب غالبية الداعمين معلقة في حقائب وزارية، وأعينهم على “التورطة” فكيف السبيل إلى تقسيمها؟ وهل سيرضى كل طرف من الأطراف التي سخرت نفسها خدمة للعهدة الرابعة بنصيبه؟
يتوقع المراقبون والمتابعون للشأن السياسي، أن يشكل التغيير الحكومي أول ورقة قابلة لأن تلعب كعربون إبداء حسن النية في التغيير الذي وعد به الرئيس بوتفليقة على لسان مدير حملته الانتخابية، عبد المالك سلال، وممثليه ممن نشطوا حملته الانتخابية لإقناع الجزائريين الذين منحوه ثقتهم وأصواتهم، إلا أن ورقة إبداء حسن النية هذه تصطدم بواقع معين لا يستطيع أن ينكره كل مرتاد على مداومتي الرئيس الظافر بالعهدة الرابعة.
الحديث بدأ عن تغيير الحكومة وبدأت معه الأعناق تشرئب، وحرب الكواليس تشتد وتستمد وقودها من الدعاية والدعاية المضادة، وبين مروج لحكومة تضم إطارات شابة والساعي للاستثمار في رغبة كامنة وحتمية لدى الرئيس في تغيير الواجهة القديمة، بمقابل هذه المعطيات تفرض بعض المؤشرات والمعطيات التساؤل فيما إذا كان الرئيس بوتفليقة سيبقي على حكومة تكنوقراطية كالتي أعلن عنها في 11 سبتمبر الماضي أم سيعود إلى تشكيلة حكومة سياسية كالتي كانت تجمع الأحزاب الثلاثة التي كانت تشكل التحالف الرئاسي قبل انفجاره؟
بوتفليقة ترشح لعهدة رابعة مدعوما بالقوة السياسية التقليدية ممثلة في كل من حزب جبهة التحرير الوطني وابن عمومته التجمع الوطني الديمقراطي، وانضم إليهما التجمع من أجل أمل الجزائر “تاج” والحركة الشعبية الجزائرية. كما دخل الرئيس بوتفليقة مدعوما بترسانة من رجال المال والأعمال، وآخرون شكلوا محيطه في العهدات السابقة وكل هؤلاء يجرون وراءهم “كتائب” اعتمدوا عليها في الترويج لصالح العهدة الرابعة، حتى وإن صدق سلال إلى حد بعيد، عندما قال إن الرئيس بوتفليقة ليس بحاجة إلى حملة انتخابية للتعريف بشخصه لدى الجزائريين، إلا أن هؤلاء شاركوا في الحملة الانتخابية ويعتقد بعضهم أنها الحملة التي مكنت بوتفليقة من الحصول على قرابة 8.5 ملايين صوت.
فإذا كان الطموح شيئا مشروع خاصة في مجال الممارسة السياسية، إلا أن منطق “الطمع” في تقسيم “الريوع” و”الغنائم” وسياسة “شد- مد” ستصعب من مهمة الرئيس الجديد- القديم في التوجه نحو التغيير فكيف يمكن لبوتفليقة الذي طيب خواطر كل من عبد العزيز بلخادم وأحمد أويحيى وأعطاهما الصفة من خلال تعيينهما في رئاسة الجمهورية في منصبين مختلفين أعاداهما إلى الحياة السياسية بعد أن انطفأ نجمهما، أن يكافئ الجميع ويرضي الجميع فعمر غول وعمارة بن يونس، تعرضا لملاحقات وأحيانا للاعتداء الجسدي والرشق بالحجارة من قبل معارضي العهدة الرابعة وهما ملزمان بالتبرير أمام مناضليهما؟ وكيف سيجازي بوتفليقة الأفلان وتحديدا عمار سعداني الذي قدم خدمات “جليلة” لا يجرأ غيره على تقديمها وهو الراغب في استعادة حق حزبه في قيادة الحكومة كحزب صاحب الأغلبية؟ وكيف سيجازي الأرندي نظير خدماته رغم أنه كان أكثر الأحزاب الداعمة تريثا وتلكأ في تزكية العهدة الرابعة والحزب صاحب الأقل عددا في تنشيط التجمعات؟
كيف للرئيس بوتفليقة أن يقسم “التورطة” ويعطي نصيب كل “طماع” وكل حالم بحمل حقيبة الوزارة أو وسام السفارة أو لقب الوالي أو القنصل خاصة وأن بين كل هؤلاء نجد أوجها أخذت نصيبها في مرات سابقة وعادت مرة أخرى لتطمح في المزيد فهناك منهم من عين وزيرا وتم التخلي عن خدماته ومنهم من أرسل سفيرا واستدعي للدخول مجددا إلى الجزائر لأسباب لا تعلمها سوى الجهة التي عينته، فكيف للرئيس أن يرضي الجميع، وحرب الكواليس قد اشتدت بين ألوان الطيف التي جمعتها العهدة الرابعة والأكيد أن السواد الأعظم في السياسة يُدرك جيّدا أنها فن للممكن والكذب.