لهاته الأسباب لن تحل أزمة السكن بالجزائر!!
لعل مشكل السكن في الجزائر لن يعرف حلا نهائيا مهما طالت السنوات، إلا إذا تم القضاء على بعض الظواهر المشينة التي سنتطرق لها خلال هذا التحقيق، حيث رغم رصد ميزانيات هائلة لتجسيد برامج سكنية كثيرة وعبر كل الولايات، إلا أن أزمة السكن تبدأ بمجرد الانتهاء من ترحيل العائلات المنكوبة ومن هنا يطرح السؤال عن سر هذه المفارقة الغريبة، التي حاولت “الشروق” فك شفرتها، من خلال هذا التحقيق، الذي اختارنا فيه ثاني أكبر مدن الجزائر وهران كعينة.
أول ظاهرة رصدناها هي تواطؤ العديد من العائلات مع أخرى تكون في الغالب بينها علاقة قرابة فيكون آخر يوم لتلك الأسر المرحلة هي بمثابة أول يوم للعائلات الطفيلية التي تخلي المكان مجددا، والهدف من هذا الاحتلال الجديد هو بالطبع الظفر على فرصة جديدة للترحيل وقد تم رصد عدة أمثلة.
عائلات منكوبة تتواطأ مع أخرى لخلافتها في البنايات الهشة
في هذا الصدد نكتفي بمثال واحد يتعلق بعائلة نازحة هربت من جحيم الإرهاب لتلجأ إلى وهران وتحديدا لحي الصنوبر، هناك وجد الوالد فرصة للمقام رفقة عائلته فاهتم بنشاط بيع الكاوكاو بوسط المدينة إلى أن جاء اليوم الموعود وتم إحصائه لإدراجهم رفقة سكان حي الصنوبر سنة 2008 للترحيل إلى سكنات جديدة، وهي الفرصة التي جعلته يفكر في شقيقه الذي خلفه بعد أيام من ترحيلهم، وبعد مرور أقل من سنة استفاد الشقيق من إحصاء ثان خلص لترحيلهم إلى أماكن جديدة، وقبل الوصول إلى آخر مرحلة، الخاصة بالترحيل هناك محطات يجب المرور عليها وأهمها مرحلة الإحصاء، حيث أنها تعد المرحلة الأكثر تسجيلا للتجاوزات والخروقات.
سكنات فوضوية تباع بأسعار خيالية وبطاقة الإحصاء بـ 40 مليونا
وخلال إنجاز هذا التحقيق، وقفنا على أن المطلوب من كل من يرغب في إدراج اسمه ضمن المرشحين للحصول على سكن يجب عليه التموقع بإحدى المجمعات الفوضوية وانتظار مرور اللجنة المكلفة بالإحصاء، أين تعرف مثل هاته المجمعات توافدا كبيرا من قبل من في نيته الرحيل بعد مرور أشهر أو سنة على الأقل من وصوله المجمع السكني، لا لسبب سوى أن العائلة التي تشتري تلك السكنات الفوضوية سوف تشتري قبلها بطاقة إحصاء، وهي الورقة التي تمكن صاحب المسكن من الظفر بفرصة الحصول على سكن ضمن برامج السكنات الاجتماعية، وعلى هذا الأساس فقد يتعدى سعر تلك البطاقة الـ40 مليون سنتيم وأكثر، نظرا لأهميتها بل إن بائع السكن الفوضوي يتباهى بحصوله على تلك البطاقة ويعرض منزله للبيع بكل راحة لأنه واثق من حضور الزبون المناسب لأنه في غياب تلك البطاقة يكون المشتري في موقف شك وغموض لأنه في آية لحظة قد يتم هدم منزله من طرف الجهات الوصية بحجة عدم حيازته على ترخيص واستغلال الفرصة لتشييد بناية على أمل الحصول على فرصة للترحيل فيما بعد.
لجنة الإحصاء الطريق السهل للحصول على سكن …
حتى نفهم أكثر ما يحدث خلال عملية الإحصاء فكرنا في التقرب من أحد الأعوان المكلفين بعملية رصد وإحصاء العائلات المنكوبة المنتشرة عبر الأحياء والمجمعات السكنية، طلبنا منه في بادئ الأمر الشروط التي يجب أن تتوفر في من يمكنه الظفر بتلك البطاقة فكان جوابه كالآتي أولا يجب أن يكون المعني يقطن بذلك الحي، وفي اليوم الذي تحط اللجنة يجب أن نعثر عليه رفقة عائلته داخل المسكن الهش، وهنا سألناه هل هناك طرق ينتهجها بعض المحتالين لكشف موعد وصول اللجنة، أجاب بكل صراحة نعم هناك من يملك علاقة صداقة أو قرابة مع أحد أعضاء اللجنة ويمكنه أن يمرر له تاريخ زيارة اللجنة، فيكون هو في الموعد يجلب معه كل أفراد عائلته، فلا يكون أمام أعضاء اللجنة سوى تدوين تلك الأسرة ضمن العائلات التي يحق لها الاستفادة من السكن.
عائلات تلجأ إلى هدم الجدران والسلالم للحصول على فرصة الترحيل
ظاهرة غريبة تم رصدها ببعض الأحياء القديمة التي استفادت من السكن الاجتماعي لكن بعد ماذا … حيث أفاد عدد كبير من المواطنين الذين تم ترحيلهم إلى سكنات جديدة أن هناك من لجأ للحيلة لكسب اهتمام السلطات الوصية، أين أقدموا على هدم جدران سكناتهم وحتى السلالم في تمثيلية محكمة مكنتهم من الحصول على موافقة الجهات المكلفة بالإحصاء وتم ترحيلهم إلى سكنات جديدة، وتتحفظ الشروق على ذكر أماكن تلك السكنات التي تحايل أصحابها على الدولة.
سكنات “عدل” مجال للبزنسة ومصدر للثراء
وخلال نفس التحقيق عرجنا على مشاريع سكنات عدل التي صرفت لأجل تجسيدها الملايير على أمل تخليص المتأزمين سكنيا من جحيم الكراء أو التشرد، غير أنه في حقيقة الأمر حدث العكس، فتلك السكنات استفاد منها ميسوري الحال، والدليل أنه بمجرد حصول أصحاب العقود على مفاتيح الشقق تنطلق عملية البحث عن مستأجرين رغم أن القانون يمنع ذلك لأن تلك السكنات في حكم الرهن لغاية استكمال سعرها، والغريب في ذلك أن هؤلاء المحظوظين صاروا يستعينون ببعض حراس العمارات لإنجاح صفقات الكراء وحتى البيع، ودائما في موضوع سكنات عدل، لكن هاته المرة السكنات ذات الطابع التساهمي، وحتى نسلط الضوء أكثر على القضية اخترنا الكشف عن المكان وهو برنامج عدل للسكنات التساهمية 260 سكن الكائن بحي إيسطو، حيث أطلعنا بعض السكان على حقائق بالأدلة عن وجود تجاوزات صارخة فيما يخص أسماء المستفيدين من تلك السكنات التي لاتزال عدة شقق منها مغلقة لأن أصحابها إما في الخارج، وإما أنهم لا يقطنون أصلا بوهران، في حين هناك من يملك سكنا آخر، وحوّل هاته الشقة التي تحصلوا عليها في أكتوبر 2012 إلى مصدر رزق وثراء من خلال إيجارها بأسعار لا تنزل عن الـ30 ألف دينار، في حين تصل بعض الحالات الـ50 ألف إذا كانت مؤثثة.
وقد أكد لنا ممثل عن الحي السكني أنهم صاروا يعانون الأمرين بسبب هاته التصرفات كون غالبية الزبائن هم من الأزواج غير الشرعيين الذين يحوّلون الشقة المستأجرة لوكر من أوكار البغاء، وكم من مرة تدخل السكان شخصيا لطرد أشخاص من تلك الشقق بعد تمادي مجونهم وخبلهم في جنح الليل أمام صمت مطبق للجهة التي أنجزت الحصة السكنية وشعارها حنا بعنا وكملت الصفقة ولم تنته معاناة السكان عند هذا الحد بل تعدته حين رفض في الكثير من المرات ملاك تلك الشقق التعامل مع أصحاب العمارة، فيما يخص المساهمة في أشغال تزيين أو تهيئة الطوابق.
وروى في هذا السياق أحد السكان حادثة وقعت لهم مع جار لم يروا لحد اليوم وجهه لأنه بمجرد حصوله على مفاتيح الشقة قام بإيجارها لعائلة، وقد طلبوه في الهاتف ذات يوم ليساهم رفقة القاطنين بالعمارة في عملية تزيين المدخل الذي تشوّه، فكان رد صاحب الشقة أن القضية لا تعنيه وسوف يقوم ببيع المنزل نهائيا.
إجراءات لمنع استغلال البنايات الهشة وقطع الطريق أمام البزناسية
من جهتها أكدت مصادر مسؤولة من مصالح ديوان الترقية والتسيير العقاري أن هناك عمل جبار يجسد هاته السنوات الأخيرة للقضاء على كل النقاط السوداء التي تم تسجيلها فيما مضى، بداية بإنشاء البطاقية الوطنية التي يمكنها من كشف المستفيد من شقتين، إلى جانب إجراءات احترازية لمنع الطفيليين من شغل تلك السكنات الهشة التي رحل أصحابها ولم ينف وقوع تلك الحالات بدليل أنه تم إبطال محاولة عائلات قبل أيام استغلوا عملية ترحيل سكان بناية هشة بحي كارطو نحو أخرى جديدة ليحاولوا اقتحام القديمة، لكن يقظة مصالح الديوان مكنت من الاستنجاد بالشرطة وطردهم في الوقت المناسب، وعلى هذا الأساس سيتم إما هدم السكنات الهشة أو على الأقل غلق كل المنافذ المؤدية إلى داخل البناية، لمنع تسلل الغرباء سواء كانوا من العائلات الطفيلية أو حتى المنحرفين الذين يستغلون تلك الفضاءات.