مجانيّة التعليم في الجزائر بميزانيّة دول عبر العالم
قرابة 14 مليون تلميذ وطالب دخلوا إلى المدارس والجامعات الأسبوع الفائت، بشكل عادي وهادئ للغاية، (12 مليون في قطاع التربية و1.8 مليون في التعليم العالي)، مع غياب تام للجدل حول غلاء الأدوات المدرسية كما عهده الجزائريون مع كل دخول اجتماعي قبل 2019.
عدد المتمدرسين هذا الموسم زاد بنسبة 6.80 بالمئة، ما يعادل 746.018 تلميذ، يشغلون 29.520 مؤسسة تعليمية و16.916 مؤسسة دعم الخدمات من مطاعم وإقامات للتلاميذ الداخليين، و4886 هيكل خدمات بالنسبة للتلاميذ الخارجيين، على أن يتدعم القطاع قريبا جدا بـ604 مؤسسة مدرسية لكل الأطوار و459 مطعم وخمس إقامات للتلاميذ الداخليين و51 قاعة وملاعب رياضية.
ويستفيد هذا الموسم من منحة التمدرس المقدرة بـ5 آلاف دينار، 3.280.976 متمدرس دون احتساب4.489.955 كتاب مدرسي يوزع حاليا مجانا..
يساوي عدد هؤلاء التلاميذ والطلبة الجزائريين فقط، سكان خمس دول خليجية مجتمعة (الإمارات والبحرين وعُمان وقطر والكويت) ويساوي أيضا تقريبا نصف سكان الدول الإسكندنافية ( الدنمارك النرويج السويد فنلندا آيسلاند وغرينلاد وجزر فارو وآيلاند). هذا العدد أيضا يساوي أو يزيد عن كثير من سكان دول بأكملها عبر العالم.
تكاليف الخزينة العمومية لضمان مجانية دراسة وإطعام ونقل هؤلاء، سنويا، هو أيضا يساوي ميزانيات دول بأكملها عبر العالم، وكل هؤلاء ينبغي، أن تُوفر لهم الظروف البيداغوجية من مقررات وتوظيف للمعلمين والأساتذة بأجورهم، كما ينبغي توفير الهياكل القاعدية من أجل احتضانهم وصيانتها على مدار السنة لتوفير الظروف الملائمة للتحصيل.
وفضلا عن ميزانيات الإطعام والنقل، والتغطية الصحية والتأمين على الحياة في المدرسة، تم الشروع في تحديث وعصرنة طريقة التعليم التي أقرها الرئيس تبون من خلال تحديد نسبة لا تقلّ عن 50% من المدارس التي ينبغي أن تعتمد الألواح الإلكترونية قبل نهاية السنة الدراسية الجارية حسب آخر بيان لمجلس الوزراء، وذلك كاستراتيجية جديدة لإنتاج جيل جديد من الجزائريين الذين يصلون إلى الجامعة بتحكم تام في التكنولوجيات وبالتالي عندما يتخرجون إلى سوق العمل لا يعادل مستواهم إلا مستوى تلك الدول التي لم تعد تكوّن أمثالهم فحسب، بل تستقطب الطالب الجزائري حاليا بكل المغريات الممكنة لديها..
هذا هو المقياس الوحيد الذي أصبح علينا جميعا أن نقيس به مستوى طلبتنا، الذين يتحولون إلى أهداف لأكبر الجامعات مباشرة بعد حصولهم على البكالوريا، لذا نجدهم يحصلون على تراخيص التسجيلات عبر تلك الجامعات الأجنبية بسهولة كبيرة، تثير الاستغراب، في إطار مخطط آخر لتهجير الأدمغة، “بطريقة شرعية”.
وبعد كل هذه الأرقام المهولة، قد لا يكبر ذلك بعين أحد الجزائريين، فتجده يقول مثلا، هناك في أوروبا الظروف أحسن والفرص أكثر! نقول نعم وهو كذلك!
لكن ماذا لو اعتمدنا نفس المنهاج المطبق هناك وراء البحر!؟ أي التعليم ليس مجانيا، والاقتطاع من أجور الأولياء لتمدرس أبنائهم يتم آليا كل شهر، دونما أي عذر ممكن، فالمدرسة الأوروبية والأستاذ الأوروبي يدفع لهم الأولياء من جيوبهم مباشرة!
ولكي يدفع مصاريف الجامعة، يضطر الطلبة في أوروبا إلى غسل الصحون والعمل في مرآب السيارات وحراسة أبواب الأسواق المغطاة، وأعوانا للأمن والحراسة في حدائق التسلية، ونُدُل(جمع نادل) في المقاهي ومحلات البيتزا، ولا توفر لهم الحكومات الأوروبية لهم إقامات جامعية إلا ما كان منها بمقابل، فيضطرون لمضاعفة العمل لتأجير البيوت بأقل من أسعار الإقامات الجامعية على قلة عددها.
فدفع الأولياء لثمن دراسة أبنائهم للحكومة الأوربية هي ما يرى الجزائري نتيجتها بينما يتجاهل جميعنا سبب تلك النتيجة…الدفع مقابل الدراسة!
بناء المدارس قليلة والاكتظاظ في أوروبا سببه العمل كمجنون للدفع كخاضع ومضطر، من عرق الآباء والأمهات مباشرة، بينما مدارسنا اجتماعية تدفع للمعوزين والفقراء الإطعام والنقل والكُتُب ومنحة مالية فوق ذلك مع كل دخول مدرسي، لأن التمدرس عندنا حق دستوري يترتب عليه عقاب الأولياء الذين يحرمون أبناءهم منه، وهذا مجهول لدى كثير من الجزائريين، ولو كان التكوين في المدرسة الجزائرية الحالية غير مجديا، لما كانت تتهافت جامعات العالم على طلابنا وما نال تلامذتنا في سن مبكرة جوائز عالمية في الصين وكوريا وبريطانيا، في الرياضيات والذكاء الاصطناعي، من بين آلاف التلاميذ من بلدان متقدمة جدا مدارسهم عن مدارسنا.
ولكل هذا، نتذكر لماذا يولي الرئيس تبون أهمية قصوى للأساتذة والمعلمين وكافة أسر التربية والتعليم العالي، ليركزوا على إنتاج جيل تقدمي وتكنولوجي لجزائر حقا منتصرة.