مصلون يحوِّلون الصفوف الأولى في التراويح إلى “ملكية خاصة”
إذا قصدت أحد المساجد لأداء صلاة التراويح ووجدته فارغا إلا من بعض الأغراض الشخصية المكوّمة في مقدمة المسجد، فلا تظننّ أنك فزت بالصف الأول، لأنّ تلك الأغراض إشارة إلى أن الصفوف الأولى محجوزة، حتى وإن كان أصحابها ما يزالون في منازلهم يلعقون أطراف أصابعهم من طيب الموائد.
هذه الظاهرة التي بدأت تنتشر في مساجدنا، خاصة تلك التي يؤمُّها مقرئون يتمتعون بالصوت العذب الشجي، تعبّر في وجه من وجوهها عن “عقلية” الاحتكار التي تسيطر على بعض الجزائريين الذين أدخلوها إلى المساجد على صورة الدين والتقرُّب إلى الله، وما هي من الدين، وليس فيها قربا من الله.
وحريٌ بنا أن نذكر في هذا السياق ما أقدم عليه بعض المعتمرين الجزائريين العام الماضي، حيث دفعوا 100 ريال سعودي لمن يحجز لهم الصفوف الأولى في الحرم المكي، وإذا كنا نعرف من هو “الشاري” في هذه العملية التجارية، فإننا لا نعرف من هو البائع، وما حكم اشتراك الطرف الأول، الذي هو المعتمرون الجزائريون في هذه “الصفقة” التي لا ندري أين نصنّفها؟…
هذه الظاهرة التي اجتاحت مساجدنا في شهر التقوى، تنتشر كثيرا بين كبار السن الذين لا يعرفون حكم حجز الأماكن في المساجد بواسطة أغراض شخصية ليعودوا إلى بيوتهم وهم مطمئنون على الصف الأول، حيث أفتى كبار العلماء بحرمة هذا التصرُّف الذي قد يُبطل صلاة صاحبه حسب بعض الفقهاء الحنابلة، لأنه ليس من حقه أن يكون فيه وقد سبقه إليه أحد، ولأنه غصب المكان.
وينقل لنا “عيسى. ب” في هذا السياق تصرفات بعض الشيوخ في أحد مساجد قصر البخاري، حيث يقول إن بعضهم يستعين بجلد الشاة “الهيدورة” لحجز مكانه، بينما يترك آخرون أيّ شيء يخصُّهم “لا يغري” لصوص المساجد، وذلك عقب صلاة العصر، ثم يعودون إلى بيوتهم ويتناولون وجبة الإفطار بكل راحة، ويعودون إلى المسجد في الوقت الذي يروق لهم، ليجدوا الصف الأول بانتظارهم حتى وإن كان المسجد ممتلئا عن آخره. يضيف عيسى: “بعضهم يدخل في عراك مع الأشخاص الذين “استباحوا” مكانه ممّن جاءوا إلى المسجد قبله، ولا يهدأ له بال، إلا إذا استردّه ملوّحا بحقه الذي يملك عليه دليلا ماديا”.
فيما يقوم أشخاص آخرون بحجز الأماكن القريبة من النوافذ أو التي تقع مباشرة تحت المروحة أو التي خلفها جدار تمكّن صاحبها من الاتّكاء عليه.
كما تنتشر هذه الظاهرة بكثرة بين النساء اللّواتي ينشغلن عادة بعد الإفطار بغسل الأواني وترتيب البيت، لذلك يذهبن متأخّرات إلى المساجد، ما يحرمهن من الصفوف الأولى التي يعرفن فضل الصلاة فيها، ولكنّهن لا يخترن الطريقة المناسبة للفوز بها، ألا وهي التبكير في الذهاب إلى المسجد، حيث يكلّفن صديقاتهن أو قريباتهن ممّن يتناولن الإفطار في المسجد، أو يذهبن إليه في وقت مبكر، بحجز مكان لهنّ في الصف الأول، وهنا نترك الكلام لـ”سارة”، وهي من المواظِبات على صلاة التراويح، حيث تقول: “من مساوئ حجز الصف الأول من طرف إحدى المقرّبات، أن المرأة التي حجز لها المكان قد تغيب عن المسجد لظروف طارئة، الأمر الذي يجعل المكان فارغا والصف غير مكتمل، في الوقت الذي ترفض فيه “حارسة” المكان أن تجلس فيه امرأة أخرى لأن صاحبتها موجودة، فإذا حان وقت الصلاة، نادت من بعيد على أيّ امرأة أو صديقة مقربة لتصلي فيه، ولنا أن نتصوّر حالة الفوضى التي تشوب المسجد في هذا التوقيت بالذات“.
حالة أخرى، وقفنا عليها بأنفسنا في أحد مساجد سطيف، حيث قامت إحدى المرشدات الدينيات بحجز مكان في الصف الأول لزوجة مسؤول رفيع، والتي جاءت في وقت متأخر، حيث كانت الصفوف متراصّة وليس هناك مجال لشقّها، الأمر الذي خلّف حالة من الاستياء بين النساء.
وتروي لنا “بثينة. م”، وهي مرشدة دينية بأحد مساجد العلمة، أنّ إحدى السيّدات لم تتمكّن من الصلاة في الصف الأول منذ بداية رمضان، رغم أنها كانت أول من تصل إليه، لأنّ إحدى النساء ممّن يعتبرن المسجد “ملكية خاصة”، كانت تطردها منه وتقذف بسجادتها بعيدا، بحجة أنها “صاحبة المكان، ولا يحقُّ لها أن تصلي فيه”، بل وصل بها الأمر _ تقول المرشدة _ أن تتأفّف منها عندما تجلس بالقرب منها.